تأملات سريعة في طبيعة المجتمع الإيراني والعراقي.. دراسة مقارنة في الأسس والمباعث ح2

عباس علي العلي
2023 / 9 / 9

إذا يمكننا أن نميز بين نمطي مختلفين من التدين نشأ عنهما اتجاهيين مختلفين من طريقة فهم والتعبير عن شكل الأعتقاد ومضمونه وحتى طرق التعبير عنه، في تزاحم للتأثير على الشخصية العراقية، وهما ما يعرف بولاية الفقيه الكلية التي تمثلها مدرسة قم المذهبية كنتاج للروح النفسية والأجتماعية للشخصية الفارسية المتضخمة على ذاتها في فرض رؤيتها الخاصة، وبين الولاية الجزئية الناعمة والموجه للميل النفسي والسلوكي الناعم التي مثلتها حوزة النجف المتحفظة دوما عن الخوض في قضايا الوطن والانسان، السر هنا في تناغم حوزة النجف مع الشخصية العراقية حتى تستطيع التأثر عليها عاطفيا ولكن تقر أيضا بفاعلية هذا النهج دون أن تنجح في تغير طابعها العام، لذا نجد دور المؤسسة الدينية الإيرانية معزز للذات الإيرانية ومتناسق ومساوق لها، بينما نجد دور المرجعية العراقية رتيب وتتخبط في واد والشخصية العراقية في واد أخر عدا موسم الأنفعالات والمراسم الشعائرية الطائفية، لأنها أساسا غريبة عنه ولا تمثل ولا تعكس حقيقة روح وإنفعالات هذه الشخصية شديدة التأثر متقلبة المزاج الموسمي، ولكنها أيضا العنيدة في عدم التفريط في علمانيتها.
في الشخصية العراقية حالة مهمة تؤكد التناشز الأجتماعي بين العميق الأجتماعي في الذات العراقية وبين الممارسات والتطلعات التي يظهرها السلوم العام لها، يقول الدكتور الوردي بهذا الخصوص أن الرفد العراقي في عمقه التاريخي بدوي الأنتماء والشعور والتصرف لأنه مرتبط بتاريخه العربي ونشأت حضارته التاريخية في أرض البداوة والنقاء والحرية، بينما في ظاهره المعلن إسلامي متدين يبحث عن جنة ونار، هذا لا يمكن أن يتوافق دوما دون خسارات وجون تقلبات مزاجية، الشخصية الإيرانية في عمقها وغي ظاهرها شخصية واحدة جامدة غير متمردة بالعموم مطيعة وسلسلة تقاد بسهولة بمجرد أن تحرك النوازع الذاتية فيها وهي حب العظمة والأمتلاك، في الحالتين مخاطبة الوعي القومي فيها مساوي تماما لمخاطبة الوعي الديني، لأن كلا الوعيين يسيران بمفاعل واحد، يقول المفكر الإيراني علي شريعتي (أن مشكلة إيران هي الحلم في التاريخ الإمبراطوري، التي تريد إعادة إنتاجه واستنساخه من جديد بلباس التشيع الصفوي وممارسته المختلفة، التي أدخل عليها الكثير من الانحرافات الفكرية والإشكالات العقائدية والبدع والطقوس) في حين ويرى بعض المتابعين والدارسين للمجتمع الإيراني (أن المذهب الشيعي في إيران تداخل مع العقائد القديمة في البلاد وتأثر بالفلكلور والقصص والخرافات عبر التاريخ فصار "تشيعا فارسيا").
يمكنني أن أقول وبكل ثقة أن الشخصية الإيرانية التاريخية التي لم تتأثر لا بالدين ولا حتى بالتطورات الأجتماعية والسياسية العالمية، إلا بالقدر القليل من الأستجابة الجزئية إنها شخصية لا تحب الحرية بالمعنى الذي تتوق له الشخصية العراقية، من هنا يمكننا تفسير صعوبة تدجين الشخصية العراقية من قبل حكامها على مر التاريخ، مما يضفي عليها ما يسمى بصعوبة المراس كأنها فرس جامح لا تستكين ولا تستقر حتى تطمئن للحاكم بمزيد من التقرب والتعاون الذي يعزز حريتها لا الذي يطبق عليها ويخنق أنفاسها، فكثيرا من الحكام الذين تولوا أمر التسيس والقيادة في العراق لم ينجحوا في فهم هذه الشخصية ولم يعرفوا أسرار مفاتيحها، لذلك قابلوها دوما بالقسوة والعنف والتسلط في ظنهم أنهم يكسروا شوكتها أو يستطيعوا جرها لما لا تريد.
غياب الشعور الأجتماعي بضرورة الحرية كونها المتنفس الحقيقي للتعبير عن الوعي الفردي والجمعي ليس خيارا يمكن تجاوزه من خلال الدعوة مثلا للتحرر أو الأبتعاد عن تضخم الأنا المهيمن على الشعور الاتي الطبيعي عند الفرد الإيراني، في رأي شريعتي الأمر أعمق من طاعة وتدين وإيمان بل هو في الحقيقية كما يقول (أن الشخصية الإيرانية تعيش الخوف دائما من الماضي والحاضر، وهكذا استغل الحكام هذا الذعر لترهيبهم، ولو بالبلطجة، والتركيز على ما يخافونه وتكراره وشيطنة الآخر واستدعاء الأفكار الفاشية أمامهم)، إذا الخوف كان الند مع الحرية وبما أن المجتمع الإيراني مجتمع مركب من طبقات وديموغرافيات وتجمعات متعددة، لا تربط بينها سوى رغبة البقاء في أمان مع كثرة الحروب التي خاضتها الدولة الإيرانية وخطابها التعبوي نحو الرغبة في أن تتوسع بأي أتجاه يشهد رخاوة أو يمثل تحدي، لذا كانت التضحية بالحرية أفضل من تفكيك هذا التجمع والذهاب إلى المجهول في ضل سطوة وهيمنة العنصر الفارسي عليها ثقافة ولغة وحتى كمرجعية دينية.
لقد شعرت الشعوب غير الفارسية بالخذلان بعدما حول الشاه رضا البهلوي في 1925 إيران من بلد يتمتع بنظام فيدرالي يوصف بنظام "الممالك المحروسة" أو "الممالك المتصالحة"، وهو الأسم الرسمي لما يعرف بالكيان الإيراني اليوم (تم استخدام اسم "إيران" لأول مرة بعد ثورة الدستور (1905-1906) غير أنه لم يصبح اسماً رسمياً إلا في مارس 1935، بعدما أبلغت سلطة الشاه رضا البهلوي الدول الخارجية بذلك، لتغير مخاطبتها بالدولة الإيرانية بدل الدولة الفارسية)، إلى بلد ذات مملكة واحدة بلغة فارسية واحدة لا تعترف بالتعدد القومي والإثني في إيران، بل قام قادتها خلال القرن المنصرم بفرض اللغة والثقافة الفارسيتين على غير الفرس بالقوة الناعمة من جهة والخشنة من جهة أخرى، استخدموا خلالها السلاح والسجون والإعدام، ولم يتغير الحال أيضا مع ما نتج عما يعرف بالثورة الإيرانية الإسلامية بحقيقتها العنصرية المذهبية (حتى في تنفيذ ما جاء في دستور الجمهورية الإسلامية من حقوق بسيطة للقوميات)، فقد تعامل القوميون المذهبيون الطائفيون من رجال الدين بشكل مزدوج من خلال مخاطبة النزعة القومية الفارسية في المجتمع الإيراني بخطاب شعبوي مذهبي يغازل من جهة أخرى بقية الشعوب المنظمة تحت كيان دولة إيران، التي تحولت من أتحاد فيدرالي إلى نظام مركزي قوي بحجة بعث القوة في روح إيران الدولة والمجتمع للتغلب على خصمها المفترض (الشيطان الأكبر).
ولا بد من الإشارة إلى طبيعة العقلية الإيرانية المشدودة لحلمها التاريخي والذي يظهر حتى في لا وعيها وحتى عن من يوصفون بالليبراليين والمفكرين الاجتماعيين اليساريين ومنهم علي شريعتي مثلا، فالبرغم من أنه يدعو للعلمانية وضد رجال الدين في إيران، إلا أنه كان ناقما على الغرب وقيمه ليس من منطلق إنساني علماني حقيقي، وإنما كان يرى فيها تضاد لقيمة التي يؤمن بها عميقا، فموقفه المعلن هو "إن على كل من يريد أن يصير متحضرا عليه أن يستهلك الحضارة التي صنعها الغرب، وإذا أراد أن يرفضها فليظل وحشيا وبدائيا"، هذا الموقف ليس الوحيد الذي يظهر عداء الذات الإيرانية لقيم العالم الجديد بل في موقفه أيضا من ما بدأ به الشاه محمد رضا بهلوي، الذي أسماه بـ "عصر الانفتاح"، لأنه يرى في حزمة الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي قام بها الشاه، تبعية إيران للغرب وتغريب لاقتصادها وحياتها الاجتماعية ومنها الحصانة للرعايا الأميركية والارتباط الأكبر مع أمريكا.
فقد حظي المجتمع الإيراني بعوامل ومقومات وتاريخ صنع منه مجتمع سهل القيادة والتوجيه، ولم يشهد التاريخ حركات انقلابية أو ثورية جادة ومنتجة نجحت وغيرت من نظرته للحياة أو عبرت به للجانب الاخر، منها على وجه التحديد ونحن نتكلم عن إيران الدولة الجديدة والتي ندرسها كوحدة ديموغرافية مركبة ومتعددة الأنماط داخليا، فقد حدثت بعض ما يسمى بالثورات أو المحاولات القومية لتحديد توجه مخالف للميل الإيراني الطبيعي المتسم بالتشدد من جهة والخوف المزمن من جهة أخرى، شهد مثلا إقامة جمهورية التركمان في منطقتهم المعروفة بـ "تركمان صحراء" في عام 1926، وحكومة الحويزة في عربستان بقيادة محي الدين الزيبق في 1928 ، ومن ثم سلطة الحكم الذاتي في إقليم أذربيجان وتوأمها جمهورية مهاباد في كردستان إيران (1945-1946)، لكنها لم تنجح لأسباب مختلفة غالبها يعود لعامل الخوف ودور العقيدة الدينية الممزوجة بالولاء للوحدة التي تحمي النوازع العميقة، حتى الثورة السبعينية التي قادها رجل الدين الراحل لم تكن ثورة جذرية في مفاهيم المجتمع، بل كانت تبدل لميزان قوى في راس سلطتين متنافستين افترقنا على قضايا شكلية، بالعكس تماما من المجتمع العراقي الذي لم يستقر فترات مهمة ليكون له نمطا وسيرورة ذات ملامح متواصلة، فكانت الثورات والتمرد والانقلابات والغزو الخارجي والاستعمار، نقاط تاريخية مهمة عرقلت عليه الانصهار التام والكامل في وحدة مركبة من قيم وتاريخ واضح، لذا لا اهتز في تصوراتي أو ارسم ملامح تغيرات عميقة في المشهد الاجتماعي الإيراني اثر هزات أو حركات سياسية، لأنها في الأصل لا تمس قيمه ولا تحتك بتاريخه الذي يعده مقدسا ومعظم عنده.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت