لماذا خَلاَ سكان السماء من الشياطين؟

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2023 / 9 / 8

ليست الأديان السماوية فحسب، بل كافة المعتقدات البشرية عبر العصور منذ تعلم الإنسان كيف يفكر ويعتقد، قد خَصَّت السماوات عالماً للأخيار بينما في الدرك الأسفل من السافلين في أعماق وسخ الأرض وطينها يسكن الشرُ وأهله. وظلت البشرية تستبشر الخير وتتفاءل بفجر كل صباح جديد يشيع أشعة الشمس لتعم الأرض نوراً ودفئاً يغذيان الحياة ويبعثان فيها الروح؛ وتستحيل ريبةً وتوجساً كلما خيمَّ الليل بظلامه الموحش الثقيل، لتختبئ في جحورها خِشيةً على أرواحها من الاصطدام بأرواح شريرة ساكنة في مخيلتها رغم عدم الالتقاء بها قط وجهاً لوجه على أرض الواقع. هكذا ظل مِخيال الإنسان وسلوكه دائران ومعلقان في تردد وحيرة إياباً وذهاباً ما بين طرفي السماء والأرض، النهار والليل، الخير والشر، السمو والانحطاط، والحياة والموت، معتقداً أن من الأعال يتنزل الهدى والنور لإرشاد الأسفلين وإنقاذهم من الذنوب والخطايا والشياطين.

كان الإنسان لم يصعد يوماً قط للعيش في السماء، لكنه يعيش هنا في الأرض منذ آلاف السنين المتواصلة. خلال هذه المعايشة الممتدة لوقائع حياته على الأرض، تراكم لدى الإنسان تراث ضخم من المعرفة بها، محاسنها ومساوئها، خيراتها وشرورها، التي ضَمَّنها بمرور الزمن في سلوكياته وعاداته وتقاليده المتوارثة- وكذلك معتقداته. في مقابل صراعاته الحياتية الأرضية اليومية، ظلت السماء دائماً وأبداً مصباح حياته التعسة والشاقة تلك، ترسل له كل صباح أشعة شمسها التي تُدفئة وتُنبت وتُنضج له غذائه الذي يقتات به، وفي الليل يسترشد بضياء نجومها طريقه براً وبحراً لينجو من المهالك. حتى عندما كانت السماء تُكشِّر له عن أنيابها وتقسو عليه بين الموسم والآخر بوابل من الريح الصرصر العاتية، أو الأمطار المغرقة، أو الرعد أو البرق الحارق، أو الشهب أو النيازك المدمرة، ما كان أبداً يصدق أن يصدر من السماء شراً. بل كان يلقي باللائمة عن غضب السماء هذا إما على نفسه، أو آخرين مذنبين معه من أهل الأرض، أو على شياطين الإنس والجن السافلين الموصدة دون توبتهم أبواب السماء. ورغم أفعالها الشنيعة به، ظل يصلي لها ويستسقيها ويتضرع إليها طلباً للعفو والمغفرة ورفع الغضب.

كان الإنسان يعلم جيداً الأرض التي تدوسها قدماه، ومن ثم يعلم شرورها قبل فضائلها؛ لكنه كان يجهل بالكامل تقريباً ماذا تكون السماء، عدا ما تراه عيناه منها معظم الوقت من صورة منيرة ومشرقة وبهية عبر الأفق البعيد العالي. من هذا الجهل واللغز المطبق، أطلق العنان غير المقيد ولو بحقيقة واحدة لخياله حتى يُنشئ له في السماء ما كان ينقصه أو يشتهيه أو يتمناه ولم يجده في الأرض، ويسع أرواح أحبائه بعد فراقهم لحياة الأرض بين أحضانه. هكذا سافر الإنسان، بينما قدماه لا تزالان موحلتان في طين الأرض، وحلق بعيداً بخياله إلى عالم مثالي جميل لكن بعيد. وهو ما أدى- من منظور إنساني وليس الحقيقة الكونية- إلى ميلاد عالمين منفصلين على طرفي النقيض: السماوي المتخيل والدنيوي الواقعي. ولما كانت السماء في معتقد الإنسان هذا العالم الضوئي المثالي، كان لا بد أن تخلو من الشر والأشرار وأن تكون عالماً حصرياً للآلهة والملائكة وكل روح خَيِّرة.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت