أملُ إبليس: خاتمة

دلور ميقري
2023 / 9 / 7

في صباح اليوم التالي، وقفَ دارين في طابور بوفيه الفطور بعدما أومأ برأسه محيياً رفاق الرحلة، الجالسين على منضدة واحدة. حينما أخذ مكانه، لم تكن شيلان قد حضرت بعد. ألقى نظرة حذرة على رَجُلها، ثم أستردها ببعض الطمأنينة. كانَ واضحاً، إذاً، أنّ الكاتب الكبير لم تراوده ريبة في شأن سهرة الأمس، الحافلة. فيما كانَ يقرّب قدح القهوة بالحليب من فمه، تساءل دارين بشكلٍ عابر عما أخّر شيلان عن الفطور. فأجابه رَجُلها، مُبتسماً: " إنها تعاني من الصداع، بسبب الخمر وقلّة النوم ". تنحنحَ الغندورُ فيما كانَ يلقي على إمرأته نظرةً مواربة، ساخرة، وكأنما يريد القول: " ألم أكن مُحقّاً، لما إمتنعتُ عن إشتراكنا في سهرة الديسكو؟ ". وكانت نوشين، من ناحيتها، تنظر خفية إلى دارين، ولعل صديقتها باحت لها بشيء من تفاصيل تلك السهرة. هذه الأخيرة، لم تظهر سوى في نحو الساعة الثانية عشرة، وكانوا عندئذ بإنتظارها في البهو. كما كان دارين يتوقع، فإنها كانت بمزاج سيء حتى أنها لم تسلم عليه أو تعيره أدنى إهتمام. كذلك كان مسلكها في السيارة، طوال الطريق إلى ستوكهولم، ولو أنها أغفت في جانب كبير من الوقت ورأسها على كتف رفيقتها. مرة واحدة، حَسْب، نظرت إليه ببعض التمعّن وكان على سحنتها المرهقة تعبيرٌ أقرب للشَدَه.
منذئذٍ دبّ شيءٌ من الفتور في علاقته بدوغان، بحيث أن لقاءاتهما كانت نادرة وتتم في المقاهي أو لدى أصدقاء؛ وبالأخص دجلة، الذي كانَ يُعدّ بهمّة لإصدار مجلته الأدبية، المأمولة. أكثر من مرة تساءل دارين، ما لو كان لشيلان هذا التأثير على رَجُلها لدرجة أن تجبره على تحديد العلاقة مع المعارف والأصدقاء، وأيضاً الأقارب بطبيعة الحال. إلا أن دوغان، من ناحية أخرى، ظل على تواصل مع دارين فيما يخص رفد الصحيفة الأسبوعية برسومه. إلى أن ألتقى هذا الأخير بعمرو، الذي أخبره بأن إبن عمته سيسافر قريباً إلى تركيا. في اليوم التالي، إتصل دارين بمنزل دوغان كي يتأكّد من وصول الرسوم إليه بالبريد وكي يتمنى له سفراً سعيداً. كانت شيلان هيَ من رفعت سماعة الهاتف، وقد فاجأته بالقول في حدّة: " لا أعلم شيئاً عن رسومك، وهو الآن في طريقه للمطار. أرجو ألا تتصل بالمنزل هنا، طالما هوَ غائبٌ بعدُ! ". ثم أغلقت الخط دونَ أن تحييه. كانت هذه المرة الأخيرة، يسمعُ فيها بالهاتف صوتَ المرأة، التي عشقته بوَلهٍ وجنون.
مع ذلك، كانَ ثمة حدثٌ، طغى على كل ما عداه، فحوّل إنتباه دارين إلى ناحيته: إنه إنذار مجلس الأمن لصدام حسين بضرورة الإنسحاب من الكويت في موعدٍ محدد وإلا فإنه سيواجه تحالفاً عسكرياً من عشرات الدول وعلى رأسه الولايات المتحدة. وكما سبقَ القول في مكانٍ آخر، كانَ الكردُ يعولون على أن حرباً كهذه يُمكن أن تؤدي لسقوط نظام بغداد البعثيّ. عقبَ صدور ذلك الإنذار، تلقى دارين مكالمة من آلان. كانَ قد أصبحَ أباً لتوأم من إمرأته السويدية، وأنهى أيضاً دراسته الجامعية. بعدما تناقشا في أمور السياسة، قال له صديقه أنه يرغب في الإنتقال لإسطنبول كي يستقر هناك؛ لكن إمرأته تعترض على الفكرة: " ياو، إن المرأة السويدية بشكل عام، تعتقد أنها خارج بلدها يمكن أن يُنكّل بها ويٌنتزع منها أطفالها. هذا تفكيرٌ شاذ، سببه قلّة إحتكاك السويديين بالشرق، لأنهم لم يكونوا تاريخياً من البلدان الأوروبية الكولونيالية ". ذلك الإتصال، وما تلاه من لقاءات مع آلان، طمأنه إلى أن شقيقته لم تتكلم في حقه أشياءً مسيئة.
غير أنّ دارين لم يكن واثقاً تماماً من حقيقة مشاعره، هوَ بالذات، من شيلان؛ ما لو كانَ قد أحبّها حقاً، بشكلٍ بريء، وكبَتَ ذلك الحب وفاءً لصداقة رَجُلها. في فترةٍ ما، وكانت علاقتهم ثلاثتهم حميمة، كانَ يُخجله حدّ الشعور بالإثم مجرّدَ إعجابه بجسدها. بالرغم من تنعّمه بالعلاقة الجنسية مع صديقته الإيرانية، بقيت ذكرياته عن جسد المرأة الأخرى تحرق دمه بلسعاتٍ، أليمة وشيّقة في آنٍ واحد.

مدينة يافلي، ربيع 2023

حوار مع الكاتب الفلسطيني نهاد ابو غوش حول تداعايات العمليات العسكرية الاسرائيلية في غزة وموقف اليسار، اجر
حوار مع الكاتب الفلسطيني ناجح شاهين حول ارهاب الدولة الاسرائيلية والاوضاع في غزة قبل وبعد 7 اكتوبر، اجرت