تأويليلة النص في ( رذاذ زهرة الأوركيد ) للكاتبة فوز حمزة بقلم الدكتورة تغريد خليل الشويلي

فوز حمزة
2023 / 9 / 5

تأويلية النص الموازي في (رذاذ زهرة الأروكيد) للكاتبة فوز حمزة
د. تغريد خليل الشويلي
يعدّ النص الموازي المحور الأول الذي قامت عليه باقي محاور النص، إذ يشتمل الرمز والإيحاء والتكثيف المعنوي، فهو العتبة الأولى التي تقابلها عين القارئ عندما يقع بين يديه نص, وعبرها يحاول الكاتب أن يثبت فيها غايته القصدية, أي إنها الفضاء من التساؤلات يجيب عنها النص القصصي إجابة مؤقته للقارئ, كإمكانية الإضافة والإيحاء والرمز. ومن هنا تعمل هذه العتبة على إثارة القارئ إلى مكامن مكنونات التأويلية، ومن ثم إغرائه للدخول إلى عوالم النص وتلقيه بصورة مشوقة وممتعة.
إذ استطاعت الكاتبة (فوز حمزة) أن تمنح تصوير تأويلي دلالي بارع لما تحتويه مكنونات النص القصصي ودلالاته، والمحور المركزي يتجسد في إبراز صورة زهرة الأوركيد التي وصفت بأنّها من أجمل الزهور ومن أقدمها، أي أنها تنمو وتظهر زاهية بمنظرها وجاذبيتها في جميع الأمكنة والارتفاعات، وذلك يكمن ظهورها عند حافات النهر، وكذلك عند الجبل على ارتفاعات كبيرة، وأخرى في الوديان وفي المناطق الصحراوية، وفي المناطق الاستوائية.
إذ إن هذا الانفراد والغرابة يتميز بصورة كبيرة جداً في نموها وظهورها في جميع الأمكنة بشكل لافت للنظر، فضلاً عن ذلك الرائحة الهادئة اللطيفة والألوان الزاهية والانفراد بالشكل الغريب التي تتمتع به الأوركيد، وهي ظاهرة معالمها بشكل واضح؛ لتنسجم مع معاني القصة وأفكارها. فعبر هذه الزهرة المنفردة بخصائصها وشكلها تسرد لنا الكاتبة بضمير المتكلم أحداث وقعت معها بصيغة الحلم والهروب من الواقع، ولا سيما أن اللون الذي يهمين على زهرة الأوركيد هو اللون الأزرق.
ويتضح ذلك بقولها:(( فتحتُ عينيّ ببطء شديد، هدير أمواج البحر القادم من النافذة، كان أول ما تناهى إلى سمعي وحينئذ تذكرت حالما درتُ ببصري في أرجاء الغرفة أنني لست في بيتي، لست في فراشي. نهضت بحذرٍ أبصر هذا العالم الغريب الذي وجدت نفسي فيه، كانت الأرض رخوة تحت قدمي والفراشات تملأ المكان. هل أنا في حلم؟ ومتى كانت الأحلام هكذا جميلة؟ عشرات من الزهور كانت معي في الغرفة، ألوانها، عطرها، ملمسها، منحوني إحساسا متفردا، لكن زهرة الأوركيد ذات اللون الأزرق كانت أجملهنّ، اقتربت منها، ثمة رسالة معلقة بين وريقاتها تتمايل كلما هبت نسمة هواء)).
إذ يستحوذ اللون الأزرق لزهرة الأوركيد على أكبر جزء من معاني القصة ودلالاتها التأويلية، وهو لون إيجابي يمثل الواقع الأدبي والإلهام الابداعي الذي عاشته شخصية الكاتبة( فوز حمزة)؛ لأنه لون الحرية، والمثير للحدس، والخيال الواسع، إذ يرتبط اللون الأزرق بالمساحات المفتوحة الواسعة، والتي بدورها تُعزز الشعور بالإلهام والحساسية الأدبية لدى المُشاهد الواقعية، فضلاً عن ذلك فهو لون البحر الواسع، والسماء الشامخة التي قد تبدو مفتوحةً وواسعةً أيضاً، كما أنه يحمل دلالات إيحائية تأويلية مؤثرة وعميقة، منها: التفاؤل، والشموخ، والذكاء، والإلهام، وغيرها، فهذه الدلالات والمعاني تخلق الإحساس بالهدوء والتفاؤل والأمل والودّ.
ومن هنا يمكن القول: إن رموزه اللون الأزرق لزهرة الأوركيد ودلالاته النفسية تكمن في وصف هذا اللون بأنّه لون الروح والتفاني، والتفاؤل، والإخلاص، والوفاء، حيث يُشار للشخصيات المنفردة بطبيعتها الإنسانية التي تفضل هذا اللون لتميزها بالصدق والهدوء، وعدم الرغبة في إثارة الضجة، أو لفت الانتباه من حولها، أو مواجهة المواقف والأحداث المتأزمة، فضلاً عن ذلك هو رمز إيحائي تأويلي يوحي إلى الخوف من المجهول والصمت القاتل والحدث المفاجئ، الذي يهيمن على شخصية الكاتبة في مضمون القصة ورموزها التأويلية عبر تعبيراتها اللغوية والأسلوبية.
إذ تتمظهر هذه الدلالات في النص القصصي المفتوح عبر ردود افعال شخصية الكاتبة ومشاعرها، وهي تحاور شخصية أخري مجهولة في الحلم ، فهي التي صنعت هذه الشخصية، وشكلتها لتعبّر عن هواجسها ومكنوناتها النفسية الذاتية، وذلك بعد الايحاء لهذه الشخصية المجهولة برموز وتأويلات ترمز إلى أفكارها وأحاسيسها الوجدانية الهادئة المتواشجة مع زهرة الأوركيد بطبيعتها الوجودية الغالبة عليها سمة الهدوء والسكينة .
ويتمثل ذلك بقولها: ((حبيبتي، سأروي لكِ القصة كاملة، سأخبركِ عما حصل تلك الليلة عند وصولكِ إلى منزلي بعد منتصف الليل، كنتِ متعبة من الطريق ومرهقة أيضاً، لأنكِ طوال الطريق كنتِ تفكرين في مشاكلكِ والضغوطات التي تعرضتِ لها في حياتكِ. تركتكِ تنامين على سرير مريح، فراشه ناعم في غرفة معطرة بعطر منعش جدا. دخلتُ عليكِ صباح اليوم الثاني أحمل في يدي مشروبكِ المفضل، وضعتُ فنجان الشاي على حافة النافذة بجانب زهرة الأوركيد السحرية. كنتِ تجلسين على كرسي بجانب النافذة، مبتسمة، سارحة بخيالكِ في المناظر الطبيعية الصافية العذبة واللذيذة. همستُ لكِ: ابتسامتكِ رائعة، حافظي عليها كما تحافظ الطبيعة على طقوس الحب والسلام)).
وإلى جانب توظيف الكاتبة اللون الأزرق لزهرة الأوركيد نجدها تغوص في الدلالات التأويلية لمشهد الحلم التخيلي بطبيعة زهرة الأوركيد ورائحتها المنبعثة منها بصورة توحي إلى الواقع الذي تعيشه الكاتبة، ونمط الحياة التي تحياها بصعابها وتأزمها بقولها: ((أن زهرة الأوركيد ينبعث منها رذاذ عطر سحري يمسح ذاكرة أي شخص يستنشقه ويفقده الإحساس بالزمان والمكان))، أي أن دلالة لون الزهرة ورائحتها تتركز في رمزية الاستسلام لقدرة الله تعالى وعظمته.
ويتمثل ذلك بقولها: ((حينما سألتني: مَنْ أنتَ، لم أحزنْ، بل طلبتُ منكِ أن لا ترتبكي أو تغضبي لأن ما سأخبركِ به شيء مهم، قلت لكِ هذا هو اليوم الثالث على تواجدكِ في منزلي، لكنكِ لا تتذكرين اليومين الماضيين، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل نسيتِ كيف غادرتِ بيتكِ ونسيتِ ما شاهدته في طريقكِ ونسيت الأحداث التي حصلت لكِ في حياتكِ. نسيتِ الماضي والمكان الذي كنتِ تنتمي إليه، كل ما تفاعل معي من تعابير وجهكِ هما عيناكِ المتلألئة البريئة وكأنهما تبحثان عن شيء ما وتحاول أن تجد إجابة تساعدها في تذكر أية تفاصيل، أنتِ لا تتذكرين حتى اسمكِ وكلما أسألكِ عنه تخبريني باسم يختلف عن المرة السابقة. الشيء الذي تأكدت منه الآن هو أنك فقدتِ ذاكرتكِ تمامًا. كان خطئي منذ البداية حينما نسيت إخباركِ عن سر خطير، أن زهرة الأوركيد ينبعث منها رذاذ عطر سحري يمسح ذاكرة أي شخص يستنشقه ويفقده الإحساس بالزمان والمكان. في الحقيقة أنت معي. معي فقط. أصبحنا أنا وأنت روح واحدة قادمة من أزمنة سحيقة، روح لا تجيد الرقص إلا في الظلام، لا تأبه للحياة فاختلطتْ عندها الحدود بالمسافات. ارتقت أعالي السماء لتصبح شبيهة العلا.عندما انتهيت من القراءة، جلستُ على حافة الفراش، أحتضن الرسالة ورغبة شديدة في النوم تمكنت مني. سأعود إلى واقعي أو ربما سأعاود الحلم)).



ومن هنا يشتغل الرمز والإيحاء على فعالية المشاهد التصويرية المستوحية من خيال الكاتبة وإلهامها الابداعي بالدرجة الاولى، فقد تشكلت هذه القصة المرمزة لغايات قصدية تعكس الرؤى الايدلوجية لواقع الكاتبة المؤثر والمنفرد بخصائصه السيكولوجية من جانب، وتعبر عن احاسيس الحياة وذكريات الماضي التي تحاول الكاتبة نسيانها وعدم استرحاعها تعبيراً مكثفاً بصورة تؤدي رسالة جمالية مكثفة دعمت الى إثارة مشاعر القارئ؛ لإدخاله في متاهات النص القصصي وانفتاح تأويلاته ودلالاته، وصولاً الى متعة التأويل المفتوح عبر مكنونات السياق النصي الدلالي من جانب آخر.
آلاء

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت