أسباب تشبت العسكر بالسلطة

سعود سالم
2023 / 9 / 4

العسكر طاعون الشعوب - الحلقة السادسة

الحرب التي تروع الشعب السوداني منذ عدة شهور والدائرة داخل المؤسسة العسكرية ذاتها، والتي سببت قتل المئات من المدنيين وتهجير الآلاف من الأبرياء لها ولا شك أسباب عديدة ومبررات ليس من السهل تعدادها حصريا حسب رأي العديد من المتخصصين في التحاليل السياسية لما يدور في أفريقيا. فقد اندلع القتال على خلفية تباين بين القائدين العسكريين على طريقة دمج قوات الدعم السريع، والتي تقدر بحوالي خمسين ألف، والبعض يقدرها بمئة ألف عسكري، في القوات المسلحة للجيش السوداني، علما بأن الآلاف من عناصر "الدعم" كانوا ضمن مجموعات الجنجاويد المتهمة بارتكاب تجاوزات وجرائم حرب، شكلها الرئيس السابق عمر البشير الذي سقط إثر الثورة الشعبية السودانية التي حولها العسكر إلى انقلاب عسكري في العام 2019. أراد البرهان أن تتم عملية الدمج خلال عامين، وتعتمد فيها معايير التجنيد في الجيش. من جهته، دفع الجنرال الآخر دقلو في اتجاه امتدادها لعشرة أعوام، على أن يحتفظ العسكر برتبهم بعد الدمج. بغض النظر عن الأسباب المباشرة لهذه الحرب الغبية، يرى الصحفي مهدي رابح في تحليل له في صحيفة التغيير الإلكترونية أن الحرب الحالية في السودان لها أسباب عميقة في المجتمع السوداني، حيث يقول : "تمدّد دور الجيش السياسي خلال فترات الحكم العسكري المتطاولة وازدادت عمليات التسييس في صفوف منتسبيه، بالأخص في صفوف نخبة الضباط عبر سياسة الأدلجة والتمكين التي انتهجهتها الحركة الإسلامية وتعاظم نفوذه الاقتصادي في ظل نظام كليبتوقراطي ( لصوصي) فاسد كالإنقاذ، وتراجعت قدرته للقيام بواجبه الدستوري الأساسي في توفير سلعة الامن واصبح مبلغ همه حماية النظام الحاكم في الخرطوم تحديدا بينما فوض غالب مهامه القتالية وبصورة متزايدة لمليشيات قبليّة في نمط متصاعد بلغ قمته بتكوين جيش موازي كالدعم السريع واعطائه غالب المهام الحربية الخاصة بقوات المشاة، وبالتالي خلق قوة سياسية واقتصادية هائلة وذات طبيعة قبلية وطموحات سياسية تنافس الدولة مما ادي الي انفجار ال 15 من ابريل 2023م الحتمي والذي يمكن تعريفه من منظور الخلل الأساسي الناتج عن التكثيف البالغ للسلطة والثروة في المركز، في الخرطوم ، في ظل تعدد مراكز القرار المتصادمة المتنافسة والمالكة لجيوش جيدة التسليح."
وهو يرى أن هناك خلل بنيوي للنظام السياسي والاقتصادي للدولة السودانية، والذي ورثه السودانيون من حقبة الاستعمار ثم تفاقم لاحقا عبر عقود حتى وصل الي نقطة انفجاره المحتّم في 15 ابريل 2023م. ولا شك في أن الخلل البنيوي ليس فكرة جديدة ولا تخص المجتمع السوداني وحده، بل هو خلل ينخر كل المجتمعات الأفريقية بدون إستثناء. غير أن الذي يجب ملاحظته أيضا هو خلل آخرلا يقل خطورة عن الخلل البنيوي الإجتماعي والسياسي، وهو الخلل الفكري العاجز عن التشخيص العلمي لما تعانيه هذه المجتمعات من آفات سياسية وإجتماعية. السيد مهدي رابح يصدق خرافة الجيش الوطني ومهمته الوهمية في حماية البلاد وأن أساس المشكلة هو " تراجع قدرته للقيام بواجبه الدستوري الأساسي في توفير سلعة الامن واصبح مبلغ همه حماية النظام الحاكم في الخرطوم تحديدا " أي أن أساس الداء ليس في وجود العسكر وإنما في تغيير وظيفتهم ودورهم في المجتمع. ويستند في ذلك على تحاليل روبن لوكهام Dr Robin Luckham المتخصص في نيجيريا والغابون، في كتابه المؤسسة العسكرية والعسكرة والديمقراطية في إفريقيا Luckham, R. 1998 The military, militarisation and democracy in Africa :" أن حكم المؤسسة العسكرية في فترة ما بعد الاستعمار في بلدان إفريقيا، كان انتقالًا لا مفرَّ منه، وتحولًا نموذجيًّا لا غنى عنه في أسلوب الحكم وإدارة البلاد. وبمرور الزمن، أضحت مطالبة الجيش بالسلطة وأحقيته في الحكم تنبثق أساسًا من اقتناع المؤسسة العسكرية بأن أية حكومة مدنية قد تفرزها انتخابات ديمقراطية لن تكون جديرة بالثقة، ولن تكون مؤهلة لخوض غمار السياسة، وسبر أغوارها. ففي الذهنية العسكرية، يؤمن الجنرالات بأن أي كيان مدني سيكون عرضة للفساد، وسيعرِّض البلاد إلى اضطرابات اقتصادية بسوء إدارة، ومراهقة سياسية، وافتقار للخبرة والحنكة والانضباط الذي تتمتع به المؤسسة العسكرية."
ولا نشك لحظة واحدة في أن هذا التحليل يستند على مقدمة خاطئة وهي " أن حكم المؤسسة العسكرية في فترة ما بعد الاستعمار في بلدان إفريقيا، كان انتقالًا لا مفرَّ منه، وتحولًا نموذجيًّا لا غنى عنه في أسلوب الحكم وإدارة البلاد " فلا شيء يثبت ضرورة الحكم العسكري بعد الإستقلال، ولا شيء يثبت أن حكم العسكر بعد الإستقلال كان تحولا نموذجيا لا غنى عنه. فقد كان بإمكان جبهة التحرير الجزائرية، على سبيل المثال بعد توقيع إتفاق الإستقلال مع فرنسا أن تكوّن لجنة مدنية أو مجلس إنتقالي مدني لتنظيم تسلم السلطة لإدارة البلاد وحل الجيش وعودة الجنود لأعمالهم المدنية لبناء البلاد. غير أن الأسباب الرئيسية لعدم تسليم السلطة للمدنيين ترجع إلى أسباب سياسية وإقتصادية كلاسيكية، قدمها المحلل أحمد علي أوغلو من مركز الجزيرة للدراسات في مقال له في يونيو ٢٠١٩ " قدَّم الدعم الخارجي خدمات جليلة لتوطيد أركان حكم الجنرالات، فمنذ بداية الاستقلال، وانتهاء الحرب الباردة، ارتأت دول الاستعمار التاريخي حتمية إبقاء الجيش حاكمًا نافذًا وفاعلًا للسيطرة على دول الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، في فترة ما بعد الاستعمار. فبالنسبة للقوى الاستعمارية، كان الجيش هو القوة الأكثر تنظيمًا وفعالية للتعامل معها، وتوظيفها لخدمة أجندات الدول الاستعمارية، فببعض الامتيازات، والدعم السياسي واللوجستي للجنرالات، تضمن تلك الدول ولاءات الجنرالات وإخلاصهم لأجندات تلك الدول الداعمة والمثبتة لأركان حكمهم."
كما أنه يقدم سببا إقتصاديا للتمسك بالسلطة : "سرعان ما تعدى دور الجيش في الجزائر والسودان اعتلاء سدة الحكم فقط، إلى تدبير ممارسة السلطة وتسييرها. فأصبح الجيش في الجزائر والسودان هو حامي مؤسسات الدولة وضامن استمراريتها. أصبحت يد الجنرالات هي الطولى وبلغت "جمهورية الضباط" امتدادها الأوسع. فأضحى الجنرالات يتمتعون بإمكانية الوصول إلى مراكز المال والأعمال، وحتى بعد تقاعدهم، فهم يسيطرون على الموارد الطبيعية للبلاد، وكذا على فرص الاستثمار ضمن الاقتصاد المدني. كما أنهم لا يسمحون للقطاع المدني بمحاسبة أو مراقبة ميزانية الدفاع، والمساعدات والصفقات العسكرية الخارجية، والأهم أن المؤسسة التشريعية والتنفيذية لا تمتلك أدنى فكرة عن الشركات المملوكة للمؤسسة العسكرية."
غير أنه من الضروري ملاحظة أن هذه الأسباب التي ذكرها المحلل أوغلو، وإن كانت صحيحة في مجملها، فإنها للأسف كانت إجابة على تساؤل خاطيء قدمه في بداية التحليل " فما الذي يدفع الجنرالات لدخول معترك الحياة السياسية وترك ثكناتهم العسكرية ووظيفتهم الرئيسية في حماية حدود البلاد وسلامة أراضيه؟ "
يبدو الأمر وكأنه من المستحيل إمكانية التساؤل عن "جوهر" المؤسسة العسكرية، ويبدو كأنه من البديهيات التي لا يمكن وضعها موضع التساؤل ناهيك عن التشكيك في صحتها أو ضرورتها المنطقية، أن مهمة الجيش والعسكر ووظيفتهم الرئيسية هي حماية حدود البلاد وسلامة أراضيه. إن الذي ندعو إليه منذ سنوات عديدة هي محاولة مسائلة هذه المؤسسة العبثية، وتحليل كل الكوارث الناتجة عن بقائها في مجتمعاتنا دون أية ضرورة إجتماعية أو إقتصادية أو أمنية. فقط أن نتسائل ماذا قدم لنا العسكر منذ حوالي قرن من الزمان، غير الجثت والأنقاض والفساد والرشوة والدكتاتوريات والإنقلابات من جميع الأشكال والألوان ؟
يتبع

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت