مدن فاتنة وهواء طائش/ أيام هادئة في مولدي

محمود شقير
2023 / 9 / 3

أيام هادئة في مولدي


لم أكن شاباً حينما وصلت إلى مولدي، ولم أكن طاعناً في السن. كانت رغبتي في التعرف إلى مدن جديدة على أشدّها. وصلت مطار أوسلو في الخامسة والنصف مساء. جلست في إحدى صالات المطار منتظراً الطائرة التي ستقلني إلى هناك.
كنت قد خرجت في الصباح المبكر إلى مطار اللد. الصبية العاملة في جهاز الأمن وجهت لي أسئلة عما أحمله في حقيبتي، عما إذا قام أحد بتسليمي رسائل أو طروداً أو أي شيء آخر! عما إذا كنت أحمل سلاحاً! أجبت بالنفي عن كل أسئلتها. أخذتني إلى مكان آخر لفحص الحقائب، مشت أمامي غير مكترثة لمشاعري، ومشيت خلفها. أفرغتْ حقيبتي من محتوياتها وفتشتْ كل شيء. شعرتُ بامتعاض وهي تفعل ذلك، وبقيتُ صامتاً.
أتذكر الآن هذه المكابدة التي أتعرض لها كلما سافرت عبر هذا المطار، ثم أقفز عنها وأنهمك في تأمل الناس الذين يتوافدون إلى صالة مطار أوسلو. (أوسلو! لهذا الاسم حضور ما في حياة الفلسطينيين!) بعد انتظار دام ساعة، صعدتُ إلى الطائرة. وصلت مولدي التي تقع في أقصى الشمال الغربي من النرويج. إنها بلدة صغيرة، لا يزيد عدد سكانها عن خمسة وعشرين ألف نسمة. نزلت في فندق "ألكسندرا" الذي يقع على مقربة من البحر، في غرفة مطلة على الماء. تأملت سقف الغرفة وجدرانها بحثاً عن كاميرا سرية أو جهاز للتنصت! هذا الهاجس يلاحقني في كل فندق أحل فيه! إنه هاجس موروث من أزمنة القمع السابقة واللاحقة، علماً بأنني لا أشكل خطراً على أية جهة! في المدى المنظور أمامي تمتد سلسلة من الجبال التي تغطي الثلوجُ قممها العالية. هطلت أمطار خفيفة، وكان المشهد جذاباً.
ذهبت بعد وصولي بقليل، إلى المهرجان الأدبي الذي ينعقد في مبنى لا يبعد أكثر من مائة متر من الفندق. كانت كاتبة أمريكية تقرأ مقطعاً من كتاب لها يتحدث عن النساء وهمومهن. تعرفت إليها، وكانت معها ابنتها الطفلة. التقيت رئيس المهرجان: كنوت أوديغارد، أحد الشعراء المعروفين في النرويج وخارجها. التقيت كذلك يهودا عميخاي، الأكثر شهرة بين الشعراء الإسرائيليين. (سيموت بعد ذلك بأربع سنوات عن ست وسبعين سنة)
تجولت في الشارع الرئيس في البلدة. ثمة حوانيت تعمل إلى ساعات ما بعد المساء. لم يخيم الظلام إلا بعد الساعة العاشرة والنصف. لاحظت أن أسعار بعض السلع هنا أرخص منها في فلسطين. في غرفتي لوحة تجريدية مكونة من مربعات حمراء وزرقاء كبيرة تتخللها مستطيلات زرقاء صغيرة. ثمة لوحتان أخريان تمثل واحدة منهما مشهداً من مولدي. تفرجت على التلفاز، لم أشاهد شيئاً مميزاً. السماء ملبدة بالغيوم منذ المساء. الناس هنا مهذبون، والسيارات تسير بوداعة من دون صخب. نمت خمس ساعات، كان ذلك كافياً لكي أشعر بالراحة.
في الصباح، ظلت السماء مجللة بالغيوم، وثمة مطر صيفي ناعم يتساقط باستمرار. فيما كنت أتهيأ لهذه الرحلة، فكرت بإحضار مظلة ومعطف خفيف من البيت، غير أنني ترددت! تناولت فطوري في مطعم الفندق، بقيت بعض الوقت جالساً أتأمل الناس في الشارع. بين الحين والآخر، كنت أرتد ببصري إلى الداخل، أدقق في جدران المطعم المزينة بلوحات لنباتات، وبصور فوتوغرافية لمولدي قبل مائة عام. انتظرت حتى انقطع المطر، خرجت وذهبت إلى البنك. تجدد هطول المطر، استعنت بالمظلة التي استعرتها من عاملة الاستقبال في الفندق، وأنا أجتاز شوارع البلدة.
في الثانية عشرة ظهراً، حضرت المؤتمر الصحافي الخاص بالمهرجان. كان مؤتمراً عادياً. في الثالثة، التقيت يهودا عميخاي، والجنرال النرويجي السابق فريدريك بيل هانسن الذي سيقوم بإدارة الندوة التي سنشارك، عميخاي وأنا، فيها. تشاورنا حول بعض القضايا التي يمكن أن نتطرق لها في الندوة. كانت الأمور تسير بسلاسة ويسر.
في الخامسة، ذهبت إلى البناية التي تنعقد فيها الندوات. قدم الجنرال مداخلة عن الشرق الأوسط والصراع العربي الإسرائيلي. بدا مطلعاً على تفاصيل الصراع، لكنه ظل محايداً في عرض وجهة نظره مع تأكيد جازم على أهمية السلام الذي سيجعل المنطقة تنعم بالازدهار. قدم يهودا عميخاي مداخلة مختصرة، وكان معتدلاً إلى حد ما، قدمت وجهة نظري مبرزاً بعض ممارسات الاحتلال الهمجية. جرى حوار مع الجمهور، الذي بدا حذراً إزاء إبراز مشاعره نحو طرف من دون الآخر. أثناء الحوار، وقعت مشادة بيني وبين عميخاي، حينما ادعى أن ثمة فلسطينيين يختبئون خلف الأطفال، بعد أن يحرضوهم على قذف الجيش بالحجارة! قلت إن أحداً لا يختبئ خلف الأطفال، والدليل عدد الشهداء من الرجال والنساء، علاوة على الشهداء من الأطفال. قلت موجهاً كلامي له مباشرة: جيشكم هو جيش احتلال. اخرجوا من بلادنا، وآنذاك، سوف نقذفكم بالورود!
صباح اليوم التالي، جلست في صالة الفندق، راقبت الناس وهم يعبرون الشارع النظيف. جاءت الممثلة المسرحية التي ستقرأ بعض قصصي، بعد أن قامت بترجمتها من الانجليزية إلى النرويجية. تحدثنا قليلاً حول الأمر، ثم صعدت إلى غرفتي.
ذهبت في الثانية عشرة ظهراً، صحبة مرافقة في الأربعين من عمرها، إلى حيث ينتظرنا قارب في الماء لكي ينقلنا إلى جزيرة مقابل مولدي، فيها متحف لصيادي الأسماك، ومتحف آخر لرسام ألماني، غادر بلاده احتجاجاً على سياسات هتلر وخوفاً من عقابه. عاش في هذه الجزيرة ست سنوات، وحينما وصل الغزو الألماني بعد نشوب الحرب العالمية الثانية بقليل، إلى النرويج، غادر الجزيرة إلى بريطانيا هرباً من هتلر، ومات هناك.
صعدنا إلى القارب. ثمة رجلان وامرأتان من مشجعي السياحة إلى الجزيرة، ومعهم بعض حاجياتهم لقضاء ليلة هناك. قالت إحدى المرأتين إنها ستقدم لي الكيك مع فنجان قهوة حينما نصل إلى المكان. شكرتها، ثم انطلق بنا القارب. بعد خمس دقائق كنا في الجزيرة. شاهدت بضعة بيوت قديمة لصيادي الأسماك، قامت الحكومة النرويجية بنقلها من أمكنة عدة، جمعتها في هذه الجزيرة، وحولتها إلى متحف للصيادين.
دخلنا أحد البيوت: ثمة أسرّة وأدوات منزلية قديمة، كراسي مثبتة على عجلات، أدوات صيد وشباك، ملابس ومصابيح تضاء بالكاز من القرن التاسع عشر. دخلنا بيتاً آخر لأسرة كانت مترفة كما يبدو، لديها قوارب صيد وسفن. في البيت لوحات على الجدران، ساعة أرسلها من أمريكا أحد الأقارب العاملين هناك، جهاز بيانو، صور فوتوغرافية للعائلة. في الطابق الثاني من البيت، الذي يجري الصعود إليه على سلم خشبي، ثمة غرف خصصتها العائلة لبعض الصيادين الذين كانوا يستأجرونها، مقابل مبالغ من المال. بيوت بقيت تروي بعض تاريخها، وأناس مضوا على رغم ما أصابوه في هذه الدنيا من مسرات.
اتجهنا إلى حيث كان يقيم الرسام، الشاعر الألماني، كيرت شفيترز، (1887_1948) ثمة كوخ صغير تقاسمه الرسام، مع زوجته التي كانت تأتي لزيارته بين الحين والآخر، مدخلة إلى قلبه بعض السرور. فيما بعد، جرى تحويل بيت مجاور إلى متحف يضم لوحات لهذا الرسام، يغلب عليها التجريد. ثمة لوحات أخرى مصنوعة بطريقة اللصق والكولاج، ثمة مناظر للطبيعة من حول مولدي، وبورتريهات رسمها شفيترز لبعض معارفه من الرجال والنساء.
المرأة البدينة، خفيفة الظل، التي وعدتني بالقهوة، تتحرك في الغرفة الفسيحة هنا وهناك. جلسنا نتبادل الحديث ونشرب القهوة مع الكيك الذي شوته المرأة في الفرن قبل لحظات. أحضر زوجها صحيفة يومية تصدر في مولدي، أراني صورة لي في الصحيفة مع يهودا عميخاي والجنرال، تحت الصورة تلخيص طويل لوقائع ندوتنا التي جرت يوم أمس.
شكرت المرأة وزوجها ومن معهما، ثم عدت مع المرافقة إلى مولدي. اشتريت خبزاً ومرتديلا وكرزاً، واتجهت إلى الفندق. صعدت إلى غرفتي، وقفت في الشرفة، رحت أراقب سفينة ضخمة اسمها "نجمة أوديسة" ترسو في الميناء القريب. غبطت النساء والرجال الذين ينتشرون على سطح السفينة، اعتقدت أنهم سعداء بهذا السفر. (ربما كانوا هم أيضاً يغبطونني، معتقدين أنني سعيد بوقفتي في شرفة هادئة مطلة على البحر!)
في المساء، قرأ يهودا عميخاي عدداً من قصائده باللغة الانجليزية، منها قصيدتان عن القدس التي يقيم في القسم الغربي منها. قرأت عشر قصص قصيرة جداً مترجمة إلى اللغة الانجليزية من كتابي "طقوس للمرأة الشقية". قامت ممثلة نرويجية بترجمة القصص إلى اللغة النرويجية، ومن ثمّ، قراءتها هي وقصائد عميخاي أمام الجمهور، بأداء مسرحي لافت للانتباه. كاتب نرويجي قرأ نصاً ساخراً. كانت القاعة التي تتسع لحوالي مائة وسبعين شخصاً، ممتلئة. فعاليات هذا المهرجان الذي يحمل اسم "بيورنسن" ليست مجانية. (بيورنسن، أحد أشهر أربعة كتاب نرويجيين، شاعر، روائي، حائز على جائزة نوبل)
بعد القراءات، اتجهنا إلى بيت كنوت أوديجارد، رئيس المهرجان، قدمت لنا زوجته الأيسلندية المتخصصة في الموسيقى، وجبة طعام خفيفة. البيت مغمور بالهدوء وهو مبني من الخشب، مكوّن من عدة غرف، وسط حديقة مزروعة بالأشجار والورود. (سيأتي أوديجارد إلى رام الله مع زوجته بعد أشهر، للمشاركة في المهرجان الثقافي الذي نظمه اتحاد الكتاب الفلسطينيين، سيقرأ شعراً باللغة النرويجية، سأتلو شعره مترجماً إلى العربية أمام الجمهور في قاعة مسرح القصبة، سنذهب إلى مطعم العجمي لتناول طعام العشاء، نبقى هناك حتى منتصف ليلة من ليالي آذار الباردة)
عدت أنا ويهودا عميخاي إلى الفندق. استغرقتنا الطريق حوالي خمس عشرة دقيقة، حينما شاهدنا الناس معاً كانوا يقابلوننا بابتسامات. كان هذا الوفاق مفاجئاً لهم.
نحن في أوائل شهر تموز من العام 1996 والليل في هذا الوقت من السنة لا يزيد عن أربع ساعات.
في الصباح، ذهبنا في رحلة جماعية إلى قرية "نيسيت" التي تبعد من "مولدي" مسافة أربعين دقيقة في الحافلة، حيث عاش الأديب النرويجي بيورنسن فترة من حياته. معي في الحافلة من الضيوف الأجانب، يهودا عميخاي، الروائي الأيسلندي ثور وزوجته. في الحافلة أيضاً، عدد غير قليل من مواطني مولدي رجالاً ونساء. اتجهنا إلى الكنيسة لحضور القداس، وكان اليوم هو الأحد. ثمة موسيقى وتراتيل دينية استمرت حوالي ساعة ونصف. كنت أنا ويهودا عميخاي وآخرون، نجلس على كراسي إضافية غير مريحة أثناء القداس. ألقى كنوت أوديجارد قصيدة من تأليف بيورنسن بعد انتهاء القداس مباشرة.
بعد ذلك، اتجهنا إلى البيت الذي عاش فيه بيورنسن. البيت لا يبعد إلا قليلاً من مبنى الكنيسة. جلسنا، عميخاي وأنا، على العشب طلباً لشيء من الراحة، تجمع من حولنا مواطنون نرويجيون من المشاركين في الرحلة، التقطوا لنا صوراً.
ذهبنا إلى البحيرة. ثمة سفينة صغيرة في انتظارنا. أبحرت السفينة عبر البحيرة الضيقة التي تمتد بعيداً بين سلسلتين من الجبال الشاهقة المغطاة قممها بالثلوج. هواء بارد يلفح وجهي، وأنا أتابع المشهد مبهوراً بعظمة الطبيعة من حولي، رغب أوديغارد في معرفة انطباعي عما أراه، أوضحت له ما أشعر به، أبدى سروره لأن الطبيعة في بلاده على هذا القدر من التنوع والغنى والجمال. استمعنا إلى قصة من تأليف بيورنسن، عن البحيرة. قرأتها الممثلة التي قرأت قصصي، ثم قامت صبية جميلة بأداء بعض الأغنيات. تحلقنا حول مائدة واحدة في ردهة السفينة، أنا وعميخاي وكنوت أوديغارد وزوجته، والكاهن الذي قاد القداس في كنيسة القرية، وزوجته. (الكاهن حدثني عن زيارة له إلى فلسطين، وعن بعض ذكرياته عن الأمكنة هناك) تناولنا وجبة من الطعام: بعض قطع من المرتديلا، قطع من الخبز المحمص، وصحن من الكريم مع الحليب. احتسينا القهوة وعدنا إلى طرف البحيرة. اتجهنا إلى مكان قريب فيه تمثال من حجر، حيث يوجد اسم بيورنسن الذي كتب قصة عن ذلك المكان. الفتاة الجميلة نفسها غنت من جديد، الممثلة قرأت شيئاً، رئيس المهرجان قرأ كلمة ختامية، ثم انتهى المهرجان.
عدنا إلى مولدي. جلست إلى جواري امرأة عجوز نحيلة، لا تعرف سوى بعض مفردات من اللغة الانجليزية. بدت مصرة على أن تتحدث معي بين الحين والآخر، تتفوه بكلمة واحدة باللغة الانجليزية ثم تتبعها بسرب من كلمات باللغة النرويجية، أجاملها، أتظاهر بأنني أفهم كلامها، وهكذا حتى نهاية الرحلة. حينما قالت لي بكلمات مختلطة من اللغتين، ما معناه: عودة موفقة إلى فلسطين. شكرتها على هذا الشعور الطيب ثم افترقنا.
في المساء، تمشيت في الشارع الرئيس. كان الشارع خالياً من المارة، الحوانيت مغلقة بسبب عطلة الأحد. كنت أتوقف أمام الواجهات الزجاجية، أتفرج على بعض السلع المعروضة فيها. السلع تظل محتفظة بحيادها التام. في واجهة إحدى المكتبات، رأيت ثلاثة كتب لجبران خليل جبران مترجمة إلى النرويجية، فرحت لهذا الأمر، وعدت إلى الفندق.
سلمتني موظفة الاستقبال رسالة، قالت: جاءت فتاتان تسألان عنك، كانتا في الرحلة معكم. تذكرتهما، كنت اقترحت عليهما أن تأتيا إلى الفندق. جلستُ في الصالة. بعد قليل جاءت الفتاتان. اعتذرت منهما بسبب خروجي للتمشي في الشارع. اقترحتا عليّ أن أذهب يوم غد، الإثنين، معهما في رحلة إلى منطقة قريبة من القطب الشمالي. أوضحت لهما أنني مسافر غداً إلى أوسلو، ومن ثم إلى الوطن. بقينا بعض الوقت نتبادل الحديث، تبادلنا العناوين، (سوف أتلقى عدداً من الرسائل الموقعة من الاثنتين معاً، ثم تموت إحداهما بعد إصابتها بمرض السرطان، تصلني رسالة من الفتاة الأخرى فيها الخبر المشؤوم!) نهضتا عائدتين من حيث جاءتا. ودعتهما وصعدت إلى غرفتي.
ظلام خفيف ينتشر في الخارج. هدوء زائد يلف البلدة الوادعة. المشهد الممتد أمامي المتشكل من البحر والجبال والسماء الملبدة بالغيوم، يشعرني بشيء من الأسى. إنه إحساس يلازمني كلما زرت بلداً أو شاركت في ندوة أو مؤتمر، حيث يتجمع الناس، يتعارفون، يصخبون، ثم يتفرقون في كل اتجاه، يذوبون، يتبخرون، ولا يبقى منهم سوى الذكريات!

2004

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت