من أجل ثقافة جماهيرية بديلة 33

عبدالرحيم قروي
2023 / 9 / 2

مؤلف "الدولة والثورة" على حلقات
تعاليم الماركسية حول الدولة، ومهمات البروليتاريا في الثورة
فلاديمير إليتش لينين
الحلقة السادسةعشر
الفصل السادس

ابتدال الانتهازيين للماركسية

إن مسألة موقف الدولة من الثورة الاجتماعية وموقف الثورة الاجتماعية من الدولة لم تشغل بال كبار النظريين والصحفيين في الأممية الثانية (1889-1914) إلاّ قليلا جدا، شأنهما شأن مسألة الثورة بوجه عام. ولكن السمة المميزة الأساسية لسير التعاظم التدريجي للانتهازية الذي أفضى إلى افلاس الأممية الثانية في سنة 1914 هي واقع أنهم حتى عندما كانوا يجدون أنفسهم وجها لوجه حيال هذه المسألة كانوا يسعون لتجنبها أو لا يلاحظونها.
ويمكن القول بوجه عام أن تشويه الماركسية وابتذالها التام قد نشأ عن التهرب من مسألة موقف الثورة البروليتاريا من الدولة، التهرب المفيد للانتهازية والمغذي لها.
ولوصف هذه العملية المؤسفة ولو بصورة مقتضبة نأخذ أشهر نظريي الماركسية، بلخانوف وكاوتسكي.
1- جدال بليخانوف مع الفوضويين
لقد كرس بليخانوف لموقف الفوضوية حيال الاشتراكية كراسا خاصا عنوانه: «الفوضوية والاشتراكية»، صدر بالألمانية في سنة 1894.
لقد تحايل بليخانوف في معالجة هذا الموضوع فتجنب بصورة تامة المسألة الملحة، مسألة الدولة بوجه عام! ويستلفت النظر في كراسه قسمان: قسم تاريخي أدبي يتضمن مواد قيمة عن تطور آراء شتيرنير وبرودون وغيرهما، والآخر مبتذل جدا يتضمن محاكمات من النوع الرخيص مفادها أنه لا يمكن التمييز بين الفوضوي وقاطع الطريق.
إن الجمع بين الموضوعين مضحك جدا ومميز جدا لكامل نشاط ليخانوف في عشية الثورة وأثناء المرحلة الثورية في روسيا: فهكذا بالضبط أظهر بليخانوف نفسه في سنوات 1905-1917: نصف عقائدي ونصف تافه يحبو في السياسة في ذنب البرجوازية.
لقد رأينا ماركس وانجلس في جدالهما مع الفوضوين يبينان بأكبر الدقة وجهة نظرهما بشأن موقف الثورة من الدولة. فانجلس عندما أصدر في سنة 1891 مؤلف ماركس «نقد برنامج غوتا» قد كتب: «كنا (أي انجلس وماركس) حينذاك، وما كادت تمضي سنتان على مؤتمر الأممية (الأولى) في لاهاي، في معمعان المعركة ضد باكونين وأتباعه من الفوضويين».
لقد حاول الفوضويون أن يعلنوا كومونة باريس ذاتها بأنها «كومونتهم»، إن أمكن القول، أي أنها تثبت تعاليمهم، ولكنهم لم يفهموا البتة دروس الكومونة ولا تحاليل ماركس لهذه الدروس. لم تعط الفوضوية أي شيء يشبه الحقيقة ولو شبها تقريبا حول السؤالين السياسيين الملموسة: أينبغي تحطيم آلة الدولة القديمة؟ وبأي شيء تنبغي الاستعاضة عنها؟
غير أن الحديث عن «الفوضوية والاشتراكية» مع تجنب مسألة الدولة بصورة تامة ومع عدم ملاحظة كامل تطور الماركسية قبل الكومونة وبعدها يعني الانزلاق لا مناص إلى الانتهازية. لأن الانتهازية لا تحتاج إلى شيء كحاجتها إلى عدم طرح هذين السؤالين اللذين أوردناهما الآن وإلى إغفالهما إغفالا تاما. إذ أن هذا بحد ذاته انتصار للانتهازية.
2- جدال كاوتسكي مع الانتهازيين
لا شك في أن العدد المترجم إلى اللغة الروسية من مؤلفات كاوتسكي ليس له مثيل في أية لغة أخرى. وليس من باب الصدف أن يمزح بعض الاشتراكيين-الديموقراطيين الألمان قائلين أنهم يقرؤون كاوتسكي في روسيا أكثر مما يقرؤونه في ألمانيا (ونقول بين معترضتين أن في هذه المزحة من المضمون التاريخي العميق قدرا أكبر جدا مما يتصور الذين ابتدعوها: فالحقيقة أن العمال الروس، إذ أظهروا في سنة 1905 إقبالا خارقا غير مألوف على خير ما جاد به الأدب الاشتراكي-الديموقراطي في العالم وإذ تلقوا من تراجم وطبعات هذه الكتب ما لم يسمع بمثله في بلدان العالم الأخرى، قد نقلوا ذلك بسرعة، إن أمكن القول، إلى صعيد حركتنا البروليتارية الفتية، الخبرة الكبرى المتوفرة لدى بلاد مجاورة خطت شوطا أبعد في مضمار التقدم).
وقد اكتسب كاوتسكي عندنا شهرة كبيرة بجداله مع الانتهازيين وعلى رأسهم برنشتين، فضلا عن عرضه للماركسية عرضا سهل المنال. ولكن ثمة واقعا يكاد يكون مجهولا لا يجوز للمرء اغفاله إذا ما وضع نصب عينيه مهمة تتبع انزلاق كاوتسكي إلى الاضطراب الفكري المشين جدا وإلى الدفاع عن الاشتراكية-الشوفينية أثناء الأزمة الكبرى في سنتي 1914-1915. وهو واقع أن كاوتسكي قد تردد كثيرا قبل أن ينبري ضد أبرز ممثلي الانتهازية في فرنسا (ميليران وجوريس) وفي ألمانيا (برنشتين). فمجلة «زاريا» الماركسية التي كانت تصدر في شتوتغارت خلال سنتي 1901-1902 والتي كانت تدافع عن الأفكار البروليتارية الثورية قد اضطرت إلى الجدال مع كاوتسكي وإلى أن تنعت القرار الأبتر المبهم ذا الطابع التوفيقي إزاء الانتهازيين الذي عرضه كاوتسكي في سنة 1900 في المؤتمر الاشتراكي العالمي في باريس بأنه قرار «مطاطي». وقد صدرت في المطبوعات الألمانية رسائل لكاوتسكي تظهر أن تردده لم يكن أقل قبل هجومه على برنشتين.
ولكن ثمة أهمية أكبر بما لا يقاس لواقع أننا نلاحظ الآن، عندما نستقصي تاريخ خيانة كاوتسكي الحديثة للماركسية، في جداله بالذات مع الانتهازيين وفي طرحه وتناوله للمسألة، انحرافا دائما نحو الانتهازية في مسألة الدولة على وجه الدقة.
فلنأخذ أول مؤلف كبير لكاوتسكي ضد الانتهازية، كتابه: «برنشتين والبرنامج الاشتراكي-الديموقراطي». لقد فند كاوتسكي برنشتين. ولكن البليغ الدلالة هو الآتي.
في «ممهدات الاشتراكية» التي اشتهرت شهرة هيروسترات يتهم برنشتين الماركسية بـ«البللانكية» (التهمة التي وجهها الانتهازيون والبرجوازيون الليبراليون في روسيا منذ ذلك الحين آلاف المرات لممثلي الماركسية الثورية، للبلاشفة). هذا ويتناول برنشتين بصورة خاصة مؤلف ماركس «الحرب الأهلية في فرنسا» ويحاول، دونما نجاح كما رأينا، أن يثبت أن وجهة نظر ماركس بصدد دروس الكومونة مطابقة لوجهة نظر برودون. ويستوقف انتباه برنشتين بصورة خاصة الاستنتاج الذي أشار إليه ماركس في مقدمة سنة 1872 «للبيان الشيوعي» والذي ينص: «لا تستطيع الطبقة العاملة الاكتفاء بالاستيلاء على آلة الدولة جاهزة واستعمالها لأهدافها الخاصة».
وقد «أُعجب» برينشتين بهذه الصيغة إلى حد أنه كررها في كتابه ما لا يقل عن ثلاث مرات مفسرا اياها تفسيرا محرفا أبعد التحريف، تفسيرا انتهازيا.
وقد رأينا أن ماركس يريد أن يقول أنه ينبغي على الطبقة العاملة أن تحطم، تكسر، تفجر (Spregung، تفجير، التعبير الذي استعمله انجلس) آلة الدولة بأكملها. أمّا رأي برنشتين فيستفاد منه أن ماركس قد حذر الطبقة العاملة بهذه الكلمات من الافراط في الاندفاع الثوري عند الاستيلاء على السلطة.
يتعذر على المرء أن يتصور تشويها أخشن وأشنع لفكرة ماركس.
فكيف كان سلوك كاوتسكي في تفنيده المفصل للملاحم البرنشتينية؟.
لقد تجنب تبيان كل عمق التشويه الانتهازي للماركسية في هذه النقطة. فقد أورد الفقرة المذكورة من مقدمة انجلس لمؤلف ماركس، لا تستطيع الاكتفاء بالاستيلاء على آلة الدولة جاهزة، ولكنها بوجه عام تستطيع الاستيلاء عليها، ولم يزد على ذلك. أمّا أن برنشتين قد نسب إلى ماركس فكرة معاكسة تماما لفكرته الحقيقية وأن ماركس قد وضع أمام الثورة البروليتارية منذ سنة 1852 مهمة «تحطيم» آلة الدولة فعن كل ذلك لم ينبس كاوتسكي ببنت شفة.
وقد كانت النتيجة أن السمة الأساسية التي تميز الماركسية عن الانتهازية في مسألة مهام الثورة البروليتارية قد امست مطموسة عند كاوتسكي!
وقد كتب كاوتسكي «ضد» برنشتين قائلا:
«يمكننا أن نترك للمستقبل بكل راحة ضمير أمر تقرير مسألة ديكتاتورية البروليتاريا» (ص 172 من الطبعة الألمانية).
إن هذا ليس بجدال ضد برنشتين، ولكنه في الجوهر تنازل أمامه، تخل عن مواقع للإنتهازية، لأن الانتهازيين لا يريدون في هذا الظرف أكثر من أن «يترك الناس للمستقبل بكل راحة ضمير» جميع المسائل الجذرية بشأن مهام الثورة البروليتارية.
إن ماركس وانجلس قد علما البروليتاريا في غضون أربعين سنة، من سنة 1852 إلى سنة 1891، حيال خيانة الانتهازيين للماركسية خيانة تامة في هذه النقطة، فيستعرض عن مسألة ما إذا كان من الضروري تحطيم هذه الآلة بمسألة الاشكال الملموسة لهذا التحطيم ويلوذ بظل حقيقية مبتذلة «لا جدال فيها» (ولا جدوى منها) وهي أننا لا نستطيع أن نعرف سلفا الأشكال الملموسة!!
إن هوة تفصل ماركس عن كاوتسكي من حيث موقفهما من واجب الحزب البروليتاري في أمر إعداد الطبقة العاملة للثورة.
ولنأخذ مؤلف كاوتسكي التالي، الأنضج، والمكرس لحد كبير كذلك لتفنيذ الانتهازية. ونعني كراسه «الثورة الاجتماعية». في هذا الكراس جعل المؤلف من مسألة «الثورة البروليتارية» و«النظام البروليتاري» موضوعه الخاص. وقد أعطى المؤلف أفكارا كثيرة قيمة جدا، ولكنه تجنب مسألة الدولة بالذات. وفي جميع مقاطع الكراس يدور الحديث عن الاستيلاء على سلطة الدولة وحسب، أي أنه اختار صيغة هي تنازل أمام الانتهازيين ما دامت تسلم بالاستيلاء على السلطة بدون تحطيم آلة الدولة. إن كاوتسكي في سنة 1902 يبعث على وجه الدقة ما أعلن ماركس في سنة 1872 أنه قد «شاخ» في برنامج «البيان الشيوعي».
لقد تناول كاوتسكي في كراسه بباب خاص «أشكال وسلاح الثورة الاجتماعية»؛ وفي هذا الباب تحدث عن الاضراب السياسي الجماهيري والحرب الأهلية وكذلك عن «أداتي قوة الدولة الكبرى الحديثة: الدواوينية والجيش»، ولكنه لم ينبس بحرف عمّا علّمت الكومونة العمال. وواضح أنه ليس عبثا حذر انجلس، ولاسيما الاشتراكيين الألمان، من «الخشوع الخرافي» أمام الدولة.
يبسط كاوتسكي الأمر على النحو الآتي: البروليتاريا الظافرة «تحقق البرنامج الديموقراطي»، ويشرح أحكام هذا البرنامج. وهو لم ينبس بحرف عمّا أعطته سنة 1871 من جديد في مسألة الاستعاضة عن الديموقراطية البرجوازية بالديموقراطية البروليتارية. وقد تملص كاوتسكي بعبارات مبتدلة «رصينة» الرنين:
«بديهي أننا لن نصل إلى السيادة في ظل الأوضاع الحالية. فالثورة نفسها تفترض نضالا طويلا يطال الأعماق يتسنى له أن يغير بناءنا السياسي والاجتماعي الحالي».
وهذا «بديهي» دون شك، كحقيقة أن الخيل تأكل الشعير وأن نهر الفولغا يصب في بحر قزوين. ومن المؤسف فقط أن تتخذ هذه العبارة الفارغة الطنانة بصدد النضال الذي «يطال الأعماق» وسيلة لتجنب مسألة حيوية للبروليتاريا الثورية هي مسألة معرفة فيما يتجلى «عمق» ثورتها هي حيال الدولة، حيال الديموقراطية، خلافا للثورات السابقة، غير البروليتارية.
وبتجنب هذه المسألة يتنازل كاوتسكي في الواقع أمام الانتهازية في هذه النقطة الجوهرية جدا، ويعلن ضدها في القول حربا ضروسا مؤكدا أهمية «فكرة الثورة» (ولكن هل من قيمة لهذه «الفكرة» إذا ما تهيب المرء أن ينشر بين العمال الدروس الملموسة التي أعطتها الثورة؟) أو قائلا أن «المثالية الثورية في المقام الأول» أو معلنا أنه «من المشكوك فيه» أن يكون العمال الإنجليز في الوقت الحاضر «غير برجوازيين صغار».
لقد كتب كاوتسكي:
«في المجتمع الاشتراكي يمكن أن تتواجد جنبا إلى جنب… مختلف أشكال المشاريع: البيروقراطية(؟؟) والتريديونيونية والتعاونية والفردية»… «توجد مثلا مشاريع لا يمكنها الاستغناء عن التنظيم البيروقراطي (؟؟) كالسكك الحديدية. في السكك الحديدية يمكن للتنظيم الديموقراطي أن يتخذ الشكل التالي: ينتخب العمال مندوبين يشكلون نوعا من البرلمان، وهذا البرلمان يقرر نظام العمل ويراقب عمل الجهاز البيروقراطي. وثمة مشاريع أخرى يمكن وضعها تحت إشراف نقابات العمال، وهناك نوع ثالث من المشاريع يمكن تنظيمه على أساس المبدأ التعاوني» (ص 148 و115 من الترجمة الروسية، طبعة جنيف، سنة 1903).
وهذا الرأي خاطئ، وهو عبارة عن خطوة إلى وراء بالمقارنة مع ما أوضحه ماركس وإنجلس في السبعينيات استنادا إلى دروس الكومونة.
من وجهة نظر ما يزعم بضرورة التنظيم «البيروقراطي» لا تختلف السكك الحديدية بشيء على الاطلاق عن جميع مشاريع الصناعة الآلية الكبيرة بوجه عام، عن أي معمل، عن أي مخزن كبير، عن أي مشروع زراعي بأسمالي كبير. في جميع هذه المشاريع يفرض التكنيك دون شك على كل عامل النظام الصارم ومراعاة الدقة التامة في القيام بالعمل الموكل إليه، والا يتوقف العمل كله أو تتعطل الآلة ويفسد المنتوج. وفي جميع أمثال هذه المشاريع سيقوم العمال طبعا بـ«انتخاب مندوبين يشكلون نوعا من برلمان».
ولكن بيت القصيد كله في واقع أن هذا «النوع من البرلمان» لن يكون برلمانا بمعنى المؤسسات البرلمانية البرجوازية. كل بيت القصيد في واقع أن هذا «النوع من البرلمان» لن يقتصر على أن «يقرر نظام العمل ويراقب عمل الجهاز البيروقراطي» كما يتصور كاوتسكي الذي لا يتعدى تفكيره إطار البرلمانية البرجوازية. يقينا أن هذا «النوع من البرلمان» الذي يتألف في المجتمع الاشتراكي من مندوبي العمال «سيقرر نظام العمل ويراقب العمل» «الجهاز»، ولكن هذا الجهاز لن يكون «بيروقراطيا». فالعمال، إذ يستولون على السلطة السياسية، يكسرون الجهاز البيروقراطي القديم، يحطمونه حتى الأساس، ولا يتركون منه حجرا على حجر ويستعيضون عنه بجهاز جديد يتألف من العمال والمستخدمين أنفسهم، الذين ستتخذ على الفور ضد تحولهم إلى بيروقراطيين التدابير التي حددها ماركس وانجلس بتفصيل: 1) ليس فقط انتخابهم بل أيضا إمكانية سحبهم في كل وقت، 2) رواتب لا تزيد على أجرة العامل، 3) الانتقال فورا إلى قيام الجميع بوظائف المراقبة والإشراف، إلى تحول الجميع إلى «بيروقراطيين» لزمن ما لكيلا يستطيع أحد بسبب ذلك أن يصبح «بيروقراطيا».
إن كاوتسكي لم يعمل الفكر بتاتا بكلمات ماركس: «لم تكن الكومونة هيئة برلمانية، بل هيئة عاملة، تتمتع بالسلطتين التشريعية والتنفيذية في الوقت عينه».
إن كاوتسكي لم يفهم بتاتا الفرق بين البرلمانية البرجوازية التي تجمع الديموقراطية (لا للشعب) والبيروقراطية (ضد الشعب) وبين الديموقراطية البروليتارية التي ستتخذ على الفور تدابير بغية اجتثاث البيروقراطية من الأصول والتي سيكون في طاقتها السير بهذه التدابير حتى النهاية، حتى القضاء التام على البيروقراطية، حتى إقامة الديموقراطية الكاملة من أجل الشعب.
لقد أظهر كاوتسكي هنا نفس «الخشوع الخرافي» أمام الدولة، نفس «الإيمان الخرافي» بالبيروقراطية.
ولننتقل إلى آخر وأحسن مؤلفات كاوتسكي ضد الانتهازيين، إلى كراسه «طريق السلطة» (وأحسب أنه لم يصدر بالروسية، لأنه صدر عندما كانت الرجعية في روسيا على أشدها، في سنة 1909). وهذا الكراس خطوة كبيرة إلى الأمام ما دام الحديث فيه لا يدور عن البرنامج الثوري بوجه عام كما هو حال كراس سنة 1899 ضد برنشتين ولا عن مهام الثورة الاجتماعية بصرف النظر عن زمن حدوثها كما هو حال كراس «الثورة الإجتماعية» (سنة 1902)، بل عن ظروف ملموسة تحملنا على الاعتراف بأن «عصر الثورات»يحل.
لقد أشار المؤلف بوضوح إلى اشتداد التناقضات الطبقية بوجه عام وإلى الامبريالية التي تلعب دورا كبيرا بخاصة في هذا الأمر. بعد «المرحلة الثورية في سنوات 1879-1871» في غرب أوروبا، بدأت من سنة 1905 مرحلة مماثلة في الشرق. إن الحرب العالمية تقترب بسرعة مقلقة. «لقد دخلنا المرحلة الثورية». «إنه ليبدأ العصر الثوري».
إن هذه العبارات واضحة كل الوضوح. وأن كراس كاوتسكي هذا يجب أن يكون مقياسا للمقارنة بين ما كان من المتوقع أن تكون عليه الاشتراكية-الديموقراطية الألمانية قبل الحرب الإمبريالية وبين مدى انحطاطها المشين (ومعها كاوتسكي نفسه) عند اندلاع الحرب. وقد كتب كاوتسكي في الكراس الذي نتناوله: «إن الحالة الراهنة تنطوي على خطر إمكان اعتبارنا (أي الاشتراكية-الديموقراطية الألمانية) بسهولة معتدلين أكثر مما نحن في الواقع». ولكن تبين أن الحزب الاشتراكي-الديموقراطي الألماني هو في الواقع أكثر اعتدالا وانتهازية مما كان يبدو عليه!
والبليغ أبلغ الدلالة أن كاوتسكي، بعد أن أعلن بكل الوضوح أن عصر الثورات قد بدأ، تجنب من جديد مسألة الدولة حتى في الكراس المخصص، كما قال هو نفسه، لبحث مسألة «الثورة السياسية» بالذات.
ومن مجمل وقائع تجنب المسألة والسكوت عنها والتملص منها نشأ بالضرورة هذا الانتقال التام إلى الانتهازية، الأمر الذي يترتب علينا أن نتناوله الآن.
وكأني بالاشتراكية-الديموقراطية الألمانية تعلن بشخص كاوتسكي: أحتفظ بنظراتي الثورية (سنة 1899). أعترف خاصة بأن الثورة الاجتماعية البروليتارية أمر محتوم (1902), أعترف بأن عصر الثورات البروليتارية حيال الدولة أتقهقر إلى الوراء بالمقارنة مع ما قاله ماركس سنة 1852 (1912).
هكذا بالضبط طرحت المسألة مجابهة في جدال كاوتسكي مع بانيكوك.
يتبع

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت