أملُ إبليس: عن السهرة الأخيرة

دلور ميقري
2023 / 9 / 2

1
الليلُ في هذا الوقت من الخريف المتأخر، كان مرصعاً بالنجوم بشكلٍ مُبهر، أقربَ إلى أن يكون خرافياً ـ كما لوحة فان غوغ، التي تسبغ هكذا إنطباع على ليلِ بلدةٍ في إقليم بروفانس، الفرنسيّ، الأشبه بفردوس من أشجار الفاكهة. لكن مدينة أوبسالا، بالطبع، كانت باردة في هذا الوقت من العام، ليلاً ونجوماً وأشجاراً؛ وأيضاً، بيوتاً وبشراً. تسللَ القمرُ عبرَ غيومٍ مُتناثرة، مثلما يفعلُ ذئبٌ وحيدٌ في صحراءٍ مترامية الأطراف، خاليةٍ إلا من دسكرة خيام هنا وهناك. دارين، في المقابل، لم يكن وحيداً. كان يسيرُ جنباً لجنب مع صديقته الإيرانية، " ماهو "، التي يحلو لها دسّ يدها الدافئة في جيب معطفه، لتقبض بنعومةٍ على يده الباردة. أكثر من مرة، قالت له: " حبيبي، بمَ تفكّر؟ ". كانا عائدين من السينما، الكائنة على مبعدة خطوات من معهدٍ يدرسُ فيه مذ بضعة أسابيع، له إطلالة جميلة على النهر. وها هما في مبتدأ شارع " ستور غاتان "، الذي يمضي مُستقيماً من تحت القنطرة، الواقعة بأسفل الكاتدرائية، حتى نهايته عند الكُريدور الطلابيّ، المتحوّل إلى مسكن للاجئين؛ وكان غالبيتهم من الشباب، الإيرانيين بشكلٍ خاص.
كانَ دارين عندئذٍ يفكّرُ بإمرأة أخرى، تسلّطت على حياته منذ أن ألتقاها لأول مرةٍ في مبتدأ صيف العام المنصرم. لم يكن يفكّرُ بجسدها الرشيق، الناصع حقاً كالفضّة، مع أن غيره كان سيجعله تمثالاً معبوداً لو بُذل له بذلك السخاء. كانَ يفكّرُ بطريقتها الملتوية، الطريفة والمشئومة في وقتٍ واحد، أنّى شاءت وضعه تحت سيطرتها حتى بوجود رَجُلها. مع ذلك، لم تنجح بجعله عشيقاً بالرغم من مرور كل تلك الأشهر. لقد قنعت بما توهّمته أنه الحبيبُ الشهم، المُمتنع عن إقامة علاقة جسدية مع إمرأة صديقه. لعلها كانت مثل عشيقته القديمة، خزامى، التي كانت تتقبّلُ قبلاتِ زوجها في الفراش، مغمضة العينين، وكأنها صادرة من عشيقها، وأيضاً تشعرُ أنه هوَ من يخترقها بين ساقيها. عن طريق آلان، ولا ريب، علمت شيلان بأمر صديقته الإيرانية الجديدة. ربما إمتناعها عن المجيء إلى الكُريدور، ولو برفقة الزوج، كانَ من واردات غيرتها وغيظها. بيد أنّ الغيرة، تجعل المرأة لا تركن إلى النكوص بل للإندفاع أقوى من ذي قبل: إنها السحرُ الأسود، الشيطانيّ، للحب.
في حقيقة الأمر، أنه حدثٌ جلل، داهم وغير متوقّع، مَن كانَ عليه أن يُهيمن على حياة دارين اليومية منذ يوم الثاني من آب/ أغسطس. وإنها صديقته، ماهو، مَن هُرعت إليه في ذلك الصباح كي تبلغه النبأ الغريبَ: " الجيش العراقيّ، قامَ بغزو الكويت! ". دافعها للإهتمام بالخبر، كانَ مُختلفاً ولا غرو عن دافع صديقها. إذ كانت من مناصري حركة " مجاهدي خلق "، المُتمركزة قواعدها على الحدود العراقية مع إيران، والمدعومة بقوّة من نظام صدّام. أخوتها الذكور، أعدموا على خلفية إنتمائهم للحركة، وهيَ أعتقلت وأغتصبت من لدُن ذات الجهة الأمنية، التابعة لنظام خميني. من ناحيته، وشأن معظم الكرد، كانَ دارين قد أمِلَ بتوجيه ضربة عسكرية غربية لنظام بغداد، تؤدي لقصم ظهره. إنه عقبَ مأساة مدينة حلبجة وإلى يوم الغزو، وهوَ يُشارك دورياً في الإحتجاجات ضد ممارسات ذلك النظام، بالأخص في ستوكهولم، أينَ توجد سفارته. غبّ الغزو، أضحى قارئاً نهماً للصحف والمجلات العربية، سواءً في المكتبة العامّة أو في محل الحوت، الذي يبعدُ بضعَ عشراتٍ من الأمتار عن الكُريدور.
وفي حقيقة الأمر أيضاً، أنّ الإختلاف السياسيّ لم يكن له شأنٌ يُذكر في علاقته اليومية بصديقته. ربما كانَ الوضعُ على خلاف ذلك، لو أنهما تبادلا الحديثَ بشكلٍ أفضل. إذ كانت سويديّة ماهو سيئة، فأعتادت أن تتكلم معه بالفارسية؛ وهوَ بدَوره، كانَ يحاول التحدّث بها ولو بصعوبة. في حجرتها، المتضوّعة بأريج الأزهار العطرية، الجافة، كانَ في وسعها أن تكلمه لساعاتٍ عن حياتها في أسر زبانية نظام خميني. وفي كل مرةٍ، كانت تعيد سرد حكاية إغتصابها: " كانوا يلجون الفتاةَ المعتقلة من دبرها، وفي يقينهم أنها يُمكن أن تستمتع لو ضاجعوها من القِبْل ". على ذلك، كانَ دارين يتفهّم كل مرةٍ حقيقة مشاعرها، المُتباينة بين النفور والتقزز، لما كانَ يُخضعها لنفس الإمتحان. لكنها دأبت على مسايرته، طالما أنها متيقنة بأن دافعه هوَ الشهوة وليسَ السادية. سرّها ولا شك، إفتتانه بردفيها الفارهين، وكانت تبرزهما كلّ مرةٍ ببنطال قطنيّ بيتيّ، ضيّق ورهيف. منذ بدء علاقتهما، لما علمت بأمر عشيقته القديمة، جالا، كانت لا تكف عن إستجوابه عن تفاصيل حياتهما الجنسية. كانَ أكثر ما أغاظها في مواطنتها تلك، أنها بذلت له أستها بسعادة: " كيفَ من الممكن أن يكون لها مؤخرة ممتلئة، وهيَ طويلة القامة ـ كمكنسة الزبّال؟ ". ماهو، لم يكن يُعيبها جسدياً سوى قصر قامتها. إلا أنها عانت من مشاكل نفسية، مبعثها الأساس كانَ ذكريات إعتقالها.
أستطال صمته، فيما كانا يسيران جنباً لجنب حتى بلغا المتجر الشرقيّ. أبطأ دارين عندئذٍ سيره، لكي يلقي نظرةً على منصّة البائع. هذا الأخير، كانَ قد بدأ يغفو وهوَ واقفٌ على قدميه ـ كما هيَ شيمة الدواب عند النوم. لكنّ دارين فكّرَ بالحوت، وكيفَ يدفعه الضجر من الحياة إلى الإنتحار بالإنسياح إلى الشاطئ: " هذا الرجلُ الحوت، مُحالٌ أن ينتابه اليأس، ولو بلغ من العُمر عتياً. ربما هوَ يأملُ بأنّ العلم سيتوصل أخيراً إلى إستنباط إكسير الحياة، الذي يضمن له الخلودَ. من يعلم؟ ".
قالت ماهو، مقاطعة أفكاره، مومئة برأسها إلى الناحية المقصودة، التي أجتازاها تواً: " لا يُعجبني، ذلك الرجل البدين. إنه ينظر إليّ كل مرّةٍ، بطريقةٍ تجعلني أتخيّلُ أنني أقفُ عاريةً أمامه ". لم يُعلّق صديقها حالاً، بل أثارَ كلامها ذاكرته عن عقدتها من التعرّي. هيَ لا تخلعُ ملابسها سوى بين طيّات اللحاف، وأيضاً ترفضُ أن يتحمما معاً. إنها ليست شيمة الحياء فيها ـ كإمرأة شرقية ـ بقدر ما هيَ عقدتها؛ كسجينة سابقة. لقد كانوا يَدَعونها عارية تماماً في الزنزانة، ليدخلوا عليها في أيّ وقتٍ كي يغتصبونها.
قال، مُعلّقاً على كلامها: " أنا لا يعجبني في هذا الرجل سوى صراحته. وإنها لصراحة حدّ الإبتذال والقحّة أحياناً، كأن يذكر أمام الآخرين أنّ إمرأته ترفضُ النومَ معه إلا لو أنزل وزنه ثلاثين كيلو غراماً على الأقل "
" وهيَ تغارُ عليه، فوق ذلك، فتلاحق نظراته الفاسقة، المُسلّطة على هذه وتلك "، قالتها ماهو ضاحكةً. كانت تعرفُ إمرأةَ الحوت، لأن هذه تعملُ مُدبّرةً لمقهى " الحجرة الحمراء "، الذي يرتاده أصحابُ العقائد اليسارية. شاركها دارين شعورَ المرح، وكانا قد وصلا إلى مدخل الكُريدور. لكن العبوسَ حلّ بمكان الإبتسام على ملامح ماهو، لما همّ صديقها بتوديعها، قائلاً: " عليّ الإستيقاظ باكراً، كونهم سينتظرونني في ستوكهولم عند الساعة العاشرة "
" إنك لن تنامَ فوراً، أليسَ صحيحاً؟ "، قالتها فيما كانت تحتضنه بشدّة. سوى الإنتعاظ، فإنّ فكرةً طارئة جعلته يُغيّر رأيه: " لو أنني كنتُ مُشبعاً جنسياً، سلفاً، فإنّ ذلك يجعلني أكثر تصميماً على عدم الإستسلام لإغراء خيانة صديقي "، خاطبَ نفسه. ثم ما عتمَ أن خاطبَ صديقته، مُشترطاً أن تبقى لديه إلى ما قبل منتصف الليل.
لقد أضحى قاعدة في مسلكه، أستخدامُ إحداهن جنسياً لكي يمتنع عن معاشرة شيلان. مع أنّ تلك الحالات، على قلّتها، كان للمصادفة يدٌ فيها: إيفا، خزامى، ديانا؛ وأخيراً، صديقته الجديدة، ماهو. هذه الأخيرة، في حقيقة الحال، وضعها دارين ـ كدريئة ـ في وجه أنثى أخرى. كانت فتاة في عُمر المراهقة، وقد سبقَ أن تعرّفنا عليها في مناسبة معيّنة: إنها نوروز، البنت الجميلة والجسورة، التي كانت أسرتها تقيم في جوار منزل شقيقة دارين في مبتدأ حلوله في السويد قبل ما يزيد عن العامين.
قبل حلول ربيع هذا العام، إشتغل دارين على لوحةٍ عملاقة من نوع الجداريات، لأجل أن تغدو خلفية مناسبة للمسرح في أوان الإحتفال بعيد نوروز، السنويّ. أخليت له قاعة كبيرة في المبنى القديم من النادي، وما عتمَ أن تمدد القماشُ الأبيض على أرضيتها، فيما أنابيب الألوان وريشات الرسم تناثرت على جانب. كانَ من المؤمل أن تنتهي اللوحة في خلال شهر على أكثر تقدير، أي لحين التحضير لذلك الإحتفال. عادةً، كان يعملُ أربع ساعات يومياً. لكن مع إقتراب موعد الحفل، أضطر لقضاء ساعاتٍ أطول. مع تقدّم العمل في اللوحة، صارت القاعة أشبه بمعرض، يزورها مرتادو النادي في أوقاتٍ مختلفة من النهار وإلى ساعة المساء أحياناً. في عطلة نهاية الأسبوع، كانَ نورو ينتظرُ صديقَهُ الرسّام قبل ذهابهما إلى المرقص.

2
ذات مساء، فوجئ الرسّام بحضور فتاة يعرفها حق المعرفة. المفاجأة، أنّ نوروز غدت ناضجة الجسم ـ كتفاح الحدائق في نهاية الصيف. كانَ واضحاً، في المقابل، أنّ والدها المُحافظ قد فرضَ عليها الظهور بثوب محتشم نوعاً ما. مثلما حال شقيقتها الكبيرة، كانت ستُعرض هيَ الأخرى، قريباً، في سوق النخاسة. في أثناء ذلك، كانَ عددٌ من أفراد أسرة كردية لبنانية، يتبادلون الحديثَ مع الرسّام. إلى أن وجد نفسه وحيداً، وكانت العتمة قد أستهلت برسم صورتها القاتمة على نوافذ القاعة. كالمعتاد في الآونة الأخيرة، جاء مُدبّر النادي كي يوصيه بإغلاق الباب الرئيس بشكلٍ محكم. أشفعَ الرجلُ ملاحظته المعتادة، بإلقاء نظرة ساخرة على الرسم. كانَ في أواخر الثلاثينيات، أدخلوا في ذهنه مذ أن كانَ في بيروت أجيراً لوالده، الإسكافيّ، أنه صورة طبق الأصل عن الممثل الهوليوودي، " تشارلز برونسون ". قصّة شعره، شكل شاربه، وصدره المفتوح دوماً؛ كل ذلك، لأجل أن يتطابق مع الصورة الأصل. كانَ يكنّ البغضَ لدارين، لأن سكرتير النادي طلبَ أن يحصل الرسام على وجبات الطعام من المطبخ طالما هوَ مشغولٌ بإتمام اللوحة. المُدبّر، علاوة على إشرافه على صندوق النادي في بيع الطعام والشراب، كانَ يُتاجر بالسجائر المهرّبة. في أوقات فراغه، كانَ يقصّ على من يريد الإستماع، حكاياتٍ عن والده، التاجر الكبير؛ كيفَ كانَ يتبرع بأكياس المال في عقد الستينيات للثورة الكردية في العراق؛ وعن إستقباله لزعمائها في الفيلا، التي يمتلكها بمنطقة " عاليه "، وسط أحراش الصنوبر. إنه بنفسه، أرسلَ صورة منذ وصوله إلى السويد، وقد بدت خلفه إحدى الفيلات، وكتبَ خلفها بخط أحد أبنائه ـ كونه أمّياً: " هنا، في هذه المزرعة الكبيرة، أسكنُ مع أسرتي ". ثمة ملاحظة أخيرة، يُمكن ذكرها عن هذا الشخص؛ وهيَ أنه والحوت على عداءٍ مُستعر لا يُعرف أصله. لكن على الأغلب، أنّ ذوي الطبيعة الواحدة لا يطيقون بعضهم البعض.
عقبَ مغادرة المُدبّر ببضع دقائق، إذا نوروز تفاجئ الرسامَ من جديد. سألها عندئذٍ مدهوشاً، ما لو كانت قد عادت أدراجها من الخارج، كونها نسيت غرضاً ما. أجابت مبتسمة في حياء: " بل كنتُ في دورة المياه ". رمقها في حيرةٍ، لما لاحَ أنها غير مستعجلة في الذهاب. لعلها أدركت مغزى نظرته، فأردفت تقول: " بما أنك تقيم في غرينبي، فإنني سأرافقك حينَ تنتهي من عملك "
" لقد أنتقلتُ من غرينبي، وأنا أقيمُ الآنَ في كُريدور لا يبعد كثيراً عن النادي "
" آه، فهمت "، قالتها ببطء. ثم ما عتمَ أن قرفصت بمقابله ببساطة، يفصل بينهما الجزء العلويّ من اللوحة: " أأنتَ رسمتَ كل ذلك، لوحدك؟ "، تساءلت وهيَ ترمشُ أهدابها الطويلة. تلاحقت أنفاسُ الرسّام، وهوَ يرى جذرَ فخذيّ الفتاة، الخمريين، أين ينتفخُ سروالها الداخليّ. آنذاك، كانَ بلا علاقة دائمة مع إمرأة؛ اللهم إلا فرصة صيد إحداهن في المرقص وفي أوقاتٍ متباعدة.
" إنها تعاني من الحرمان الجسديّ، وربما هيَ تفتقدُ للتجربة الجنسية كلياً "، خاطبَ نفسه. حركتها التالية، عززت من يقينه ذاك. إذ إنتقلت إلى مكانٍ أقرب من مجلسه، حتى لقد شعرَ بأنفاسها الشذية. فعلت ذلكَ دونَ أن تنهضَ، ما جعلَ قماش سروالها الداخليّ ينشدّ، ليبرز جانبيّ المشفرين الكبيرين. كانت قد سألته عن معنى شخصية " آناهيتا "، الآلهة الآرية، المُجسدة في اللوحة وعلى كتفيها جناحا ملاك فيما جسدها الأعلى عارٍ. لكنه مدّ يده بجسارة ليلمسَ ذلك الموضع الحسّاس في اللوحة الحيّة، فيسأل صاحبتها في إستهتار: " لِمَ تركتِ الزغبَ ينمو هنا بهذا الشكل؟ ". بقيت مُطرقة، متلاحقة الأنفاس بدَورها، فيما كانَ الإصبعان يداعبان الموضع نفسه. إلا أنها لم تكن أقلّ جسارةٍ بالرد، رافعة رأسها لتحدّق في عينيه: " ولِمَن سأحلقه؟ "
" منذ الغد، ستحلقينه من أجلي! "، قال ذلك ثم أنطرحَ فوقها في قوّة مُلتهماً شفتيها الشهوانيتين. وقد أحتاجت البنتُ المراهقة العودة إلى دورة المياه لمرتين متتاليتين، قبل أن تعي في شيءٍ من الذعر ضرورة رجوعها للبيت. غبّ ذهابها، إنتبه الرسّامُ إلى أن قماش لوحة النوروز تلوّث بدم حيض سميّتها، لما كانت هذه منطرحة على بطنها، تتلقى الطعنات الهيّنة في الكفل الفاره، البكر.
علاقته الجديدة، سارت على ما يرام في الفترة الأولى، وكانت شريكته الفتية توافيه إلى مسكنه في أوقاتٍ مناسبة. في الأثناء، كان يوصيها بكتمان أمر علاقتهما عن أيّ كان. دارين، المتجاوز سن الثلاثين، دأبَ فيما مضى على تجاهل مغازلة الفتيات المراهقات له ( باستثناء انّيكا )، ليسَ بدافع الفضيلة وإنما لسبب آخر يتعلق بالمبدأ. حتى قراءاته الأدبية، بالأخص لروايات معبوده دستويفسكي، عليها كانَ أن تؤثّر فيه وتردعه عن إقامة علاقةٍ كهذه. إن شخصيات تلك الروايات ـ كتوتسكي وسفيدريكيلوف والأب كارامازوف ـ الذين لم يتورعوا عن خداع الفتيات المراهقات، كانوا بالنسبة إليه علامات على السقوط الأخلاقي والأنانية والأثرة والشهوانية المنفلتة العقال. بيدَ أنّ ما خففَ شعوره بالإثم، تجاه علاقته بنوروز، أنه ما زال شاباً. شقيقتها، التي تكبرها بأعوام قليلة، سبقَ أن بيعت لرجلٍ أربعينيّ لقاء مهرٍ باهظ.
سوى أن نوروز أخذت تحوم حول دارين كلّ مرةٍ في النادي، سواءً كانَ لوحده أو بصُحبة آخرين، وعيناها تحثّانه على مغادرة المكان لإقتناص ساعةٍ من الخلوة الغرامية. بالرغم من تنبيهه إياها إلى تجنّب هذا المَسلك المَشبوه، فإنها كانت لا تنفكّ تكرره باستهتار أو دونَ تبصّر. حتى كانَ يوماً، تعرّف فيه على عم الفتاة، وذلك بصفته فناناً أيضاً. كانَ الرجلُ يكبر دارين بعقد من الأعوام تقريباً، يعمل مدرّساً لمادة الرسم في مدينةٍ أخرى تقعُ إلى الشمال من أوبسالا. كانت موهبته محدودة. لكنه إمتلك كاريزما التاجر، لبيع لوحاته الرديئة لمواطنيه والسويديين على حدّ سواء. بعض تلك اللوحات، كانت تزيّن جدرانَ قاعة النادي، وإليها إتجهت إشارة نوروز حينَ تدخلت في الحديث: " في وسعك أيضاً بيع لوحاتك، لجني الكثير من المال "، توجّهت بكلامها لدارين. إمرأة الرسّام، وكانت جميلة وشابّة، إتسعت إبتسامتها وهيَ تلحظ تضرّجَ وجه المعنيّ وراحت تنقل نظرتها بينه وبين الفتاة المراهقة. ثم خاطبت الرسّامَ، وكأنما لتداري حَرَجه من لجاجة الفتاة: " لقد شاهدتُ لوحتك البانورامية، ثمة في حفل نوروز في ستوكهولم، وكانت مُدهشة بتعدد رموزها ومواضيعها ". في حقيقة الأمر، أن رؤية دارين للوحة زوجها، التي كانت تعرض سابقاً في حفل نوروز، هيَ مَن دفعته لإنجاز لوحة جديدة تليق بالمناسبة. في هذه المرة، تعيّن على صديقته المراهقة أن تنقل عينيها بينه وبين إمرأة عمها. في اليوم التالي، قالت له نوروز وهيَ مُتأججة بالغيرة: " لقد لحظتُ كيفَ كانت ترمقك طوال الوقت والإبتسامة على شفتيها، دونما مراعاة لوجود زوجها. إنها إمرأة مُتعالية ومُتسلطة، أحالت حياة عمّي جحيماً. مرد طبيعتها ومسلكها، كونها من أسرة آغوات ".
على سبيل المصادفة، أنتقلت ماهو إلى الكُريدور في نفس الفترة تقريباً، لتقيم على الأثر علاقة مع دارين. عندئذٍ، قررَ أنّ الفرصة سانحة كي يقطع علاقته بالأخرى. لم يكن إمتلك هاتفاً، لأنه أمِلَ بالإنتقال سريعاً إلى شقّةٍ مناسبة. على ذلك، كانت نوروز تأتيه غالباً ضمنَ مواعيدٍ، متفقٍ عليها مُسبقاً بشكلٍ شفاهيّ. في سبيل صرف الفتاة، تعمّد دارين إقلال تواجده في النادي، وفي المقابل، المكوث لفترات مديدة في حجرة صديقته الجديدة. إلى أن كانَ يوماً، باتَ فيه بحجرتها، وعند الصباح شاءت أن ترافقه إلى حجرته. وإذا نوروز، وكانت تنتظره في مطبخ الكُريدور، تفاجئه بظهورها بوجهٍ مُربدّ وعلى قسماتها الجميلة علاماتُ الصدمة. أخذت تروز ماهو بنظرةٍ من فوق لتحت، كأنما تقيس طولها. طلبَ دارين من هذه الأخيرة الدخولَ إلى حجرته، ومن ثم إتجه إلى الأخرى. كانَ رابط الجأش، كونه واثقاً من قدرته في السيطرة على الفتاة. سألته هذه حالاً، حينما أنفردا في المطبخ، بصوتٍ متهدّج: " أمن أجل تلك المرأة القصيرة، هجرتني طوال الأيام الماضية؟ ". حينما أرادَ أن يفهمها بإستحالة إستمرار علاقتهما، إذا هيَ نفسها تيسّر عليه الأمرَ: قبل أن يتسنّى له فتح فاه، كانت قد أشاحت وجهها جانباً وما لبثَ أن غادرت المكانَ بخطواتٍ سريعة كي لا يشاهد دموعها. لكنه لم يتنهّد بإرتياح، حقاً، إلا عندما إلتقاها مرةً أخرى في الطريق إلى النادي وكانت برفقة شقيقتها الكبيرة. كلتاهما تجاهلتا تحيته، بل وأطلقتا في أثره ضحكة عالية، ساخرة.

3
ونعودُ إلى ذلك الهاجس المُتجدد، كلما تعيّنَ على دارين اللقاءَ مع شيلان. كانَ سيُرافقها وزوجها إلى معرض الكتاب في مدينة غوتنبورغ، ومن غير المُستبعد أن يباتوا ثمة عند أسرة صديقة أو ربما في الفندق. وإنه دوغان، مَن ألحّ عليه بالمجيء في يومٍ سابق: " ياشار كمال، مدعوّ للمعرض هذا العام؛ وهذه فرصة، لكي تتعرّف عليه من خلالي! "، كانَ قد قال له بإغراء. في صباح اليوم التالي، وكانت الأمطارُ تسفع زجاج النافذة العريضة لحجرته، حضرت ماهو بحجّة الإفطار معه. خاطبته بحيوية: " فيما أنتَ تأخذ حمامك، أكون أنا قد حضّرت كل شيء ". عقبَ خروجه من الحمّام، رآها في ثوب النوم الرهيف ووجهها مغطى بطبقة من المكياج. سألها عَرَضاً، وليسَ بدون ضيق: " هل خرجتِ هكذا إلى المطبخ؟ "
" لا، أيها الغيّور! لقد أرتديتُ هذا القميص، حالما أنهيتُ إعدادَ فطورنا "، ردّت مُبتسمة في سعادة. مبعثُ ضيقه، في حقيقة الأمر، إنما محاولتها إقتناص فرصة وجودها في حجرته كي تنال وطرها منه. في هذه الحالة، ربما يتأخّر عن أصدقائه في ستوكهولم. غبّ الفراغ من الطعام، إستلقت بالفعل في فراشه، مُتباعدة الساقين، ترنو إليه بعينين يلتمعان بالشبق. لكنه تملّصَ من دعوتها، بأن أضطر للكذب: " سأعودُ اليوم ليلاً في ساعةٍ متأخرة، وآمل أن أجدكِ مستيقظة ". لم تكن تعلمُ شيئا عن رحلة غوتنبورغ، بل أوهمها أنه سيزور صديقاً في العاصمة لأجل عمل بينهما. عند باب الحجرة، قالت له بنبرة مُنكسرة، أنها ستنتظره هنا لحين عودته. كان يُدرك مدى حنق المرأة، لو لم تلبّ رغبتها الجنسية في الحال.
في الأشهر الأخيرة، إعتاد دارين السفرَ إلى العاصمة بإستخدام القطار غالباً. لم تعُد سيارة عمرو في خدمته، منذ أن أنتقل هذا إلى ستوكهولم. لقد ترك أخيراً المسكينة فيكتوريا، عقبَ تعرّفه على إمرأةٍ ذاتَ دخل أفضل. ما كانت مشكلة بالنسبة إليه، أنها أم لطفلةٍ تبلغ نحو السابعة من العُمر، طالما أن جزءاً من راتبها يُحوّل بإنتظام إلى أمه في القرية. كذلك كانت هيَ مُنسجمة مع عبقريته الأدبية، وتعبّر له دوماً عن إعجابها بأشعاره المكتوبة بالسويدية، التي تضمّنها كتابه " حمّالة الصَدر "؛ وذلك بالرغم من أن الصفحة الأولى فيه، تحملُ إهداء المؤاّف إلى الحبيبة فيكتوريا. على أية حال، أتاحت له العلاقة الجديدة الإستقرار في العاصمة، أينَ تتمركز النخبة الثقافية. وأول شيءٍ إهتم به، غير إرسال الحوالات المالية لتركيا، هوَ إنشاء دار نشر حملت كنيته إسماً لها. هذه الدار، لم تكن أكثر من جهاز كمبيوتر، يرقن عليه ما شاء من ثمار قريحته ثم تتحول إلى أوراق بين غلافيّ الكتاب في مطبعةٍ كانت له معرفة بصاحبها. وبحسب قوانين المجلس الأدبيّ، كانت كل دار نشر مسجلة في السويد تحصل على معونةٍ مُجزية. دوغان، ومنذ العام المنصرم، أضحى مسئولاً عن القسم الأجنبيّ في المجلس؛ ومنذ ذلك الحين، إزدهرت أحوالُ دار نشر إبن خاله، الذي كانَ يدعوه ب " الكذّاب ".
في الطريق إلى العاصمة، كانَ الخريفُ يمنحُ دارين فرصةَ التمتع بمناظر الطبيعة، المُضفى عليها ألوانُ الذهب والياقوت. أشجار الصنوبر، المحتفظة في المقابل بخضرتها الخالدة، كانت تلتمع بالندى تحت أشعة الشمس الواهنة. أثر الضباب الصباحيّ، جعل الغابات المُترائية في الأفق كما لو أنها أطياف. على ذلك النحو، مضت بسرعة الدقائقُ الأربعون، الفاصلة بين المدينتين. وهوَ ذا يدلفُ خارجَ المقطورة، ليتلقفه البحرُ البشريّ في أروقة المحطة، وما لبث أن قذفته إحدى الموجات إلى المدخل الفخم، المزيّن بساحة منمنمة يتوسطها تمثالٌ برونزيّ لأحد الأباطرة. بمجرد خروجه من المدخل، ألقى نظرةً على صفوف السيارات، المنتظمة ثمة على عدة أنساق. أستنشق بعُمق هواء ستوكهولم، المُعبّق برائحة البحر، فيما كانت بعض النوارس تملأ الجو بزعيقها وهيَ تحوم حول التمثال، أين ركن أحدهم، ثمة على جانبٍ، كشكاً لبيع شطائر المقانق. سرعانَ ما لمحَ يدَ دوغان، التي لوّحت له خِلَل نافذة السيارة. مع إقترابه من السيارة، حظيَ بتلويحة جديدة، تطلبَ منه الجلوسَ وراء السائق. وكانت شيلان هيَ مَن فتحَ له باب السيارة، مفسحة له المكان بجانبها. فوجيء عندئذٍ بوجود نوشين على الطرف الآخر، فيما زوجها جلسَ بشيءٍ من العَظَمة بالقرب من السائق. تساءل دارين، مُحرجاً بعض الشيء: " آمل أنني لم أتأخّر عليكم؟ "
" إنتظرناك لنحو ربع ساعة، ولكن لا بأس "، تولّى دوغان الجوابَ. ثم ما عتمَ أن أدارَ محرك السيارة، ليخرج بها من صفّ المركبات المُنتظِرة. برهة أخرى، وكانوا على الطريق السريع، المحوّط بدَوره على جانبيه بالأشجار، ولتسترسل مركبتهم بالسرعة القصوى، المُعلن عنها على يافطاتٍ معدنية ينعكس عليها أشعة الشمس. وكانت شيلان قد بدأت بالثرثرة مع رفيقتها، مُلتفتة إليها بجسمها بين حينٍ وآخر. حركتها هذه، كانَ يتبعها كلّ مرةٍ إلتصاقُ مؤخرتها بالفخذ الأيمن لجارها. وكانَ هذا يُتابع صامتاً حديثَ الغندور مع دوغان، المنذور جلّه حول مشاريعهما الأدبية. كانَ هذا الأخير، يتكلمُ عن مشروع أنطولوجيا للشعر الكرديّ، بما في ذلك أولئك الذين يكتبون بلغاتٍ أخرى؛ كالتركية والعربية والفارسية. لقد أشادَ أكثر من مرةٍ، بمساعدة زوج الثعلب في رفد الكتاب المأمول بمعلومات عن شعراء من سورية. فكّرَ دارين ساخراً، أن بلدة الثعلبين لوحدها ستجعلُ الكتابَ من ألف صفحة. ثم إذا بدجلة، يلتفتُ إلى وراء ليسأله وعلى طرف فمه إبتسامة مُتفخمة: " لديّ مشروع كتاب عن أقوال العظماء، فهل تحفظ قولاً لأحدهم بالعربية؟ ". صمت دارين لحظة، قبلَ أن يرد: " الجنة تحت أقدام الأمهات؛ إنه قولٌ شهير للنبي محمد! ". أخرجَ الآخرُ مفكرة صغيرة من جيبٍ داخليّ في سترته، ليسجّل فيها كلمات القول الشهير.
أرتفع صوتُ شيلان على الأثر، تخاطبُ رَجُلها: " لِمَ لا تدبّر منحة مالية لدارين، لأجل أن يتمكن من طباعة ديوان شعره؟ ". تطلعَ إليها الرجلُ من خلال المرآة الصغيرة، ليهز رأسَهُ النامية فيه صلعة صغيرة: " بحَسَب قانون المجلس الأدبيّ، عليه أولاً أن يطبع الكتاب ومن ثم يطلب المنحة المالية ". ثم ما لبثَ أن أردفَ، موجّهاً كلامه للمعنيّ: " لو شئتَ فإن في وسعي حث عمرو على إخراج كتابك في دار النشر، التي قام بتأسيسها مؤخراً "
" ماذا؟ أتريد أن تورّطه بالتعامل مع ذلك الكذّاب، المُحتال! "، هتفت شيلان تقاطعه بإستياء. أطلقَ دوغان ضحكةً مُقتضبة، وقال لإمرأته بنبرة متسامحة: " إنه كذّاب، ولكنه خدومٌ على أية حال. المشروع، لو تمّ، سيكونُ مكسباً لهما هما الإثنان: أحدهما يستفيد مادياً، والآخرُ يطبع كتابه مجاناً ". هنا، كانَ لزاماً على دارين أن يُعبّر عن رأيه: " أشكركما للإهتمام، إلا أنني أسعى لطباعة كتابي في بيروت لكي يُحقق الإنتشارَ المطلوب ". وإذا شيلان تضع يدها على يده، بحركة تفهّم وتعاطف. بقيت يدها هناك، لحين أن سحبها دارين بشيءٍ من الضيق. في حقيقة الأمر، كانَ مُتململاً حتى ذلك الوقت بسبب المؤخرة العارمة، التي لم تكن تهدأ.
بعد زهاء أربع ساعات، كانت السيارة تخترقُ شوارعَ غوتنبورغ، الزاهية بعماراتها التراثية، والمنعكس على زجاج نوافذها ذيولُ آخر أشعة الشمس. وكانت المركبات تحت هذه الأشعة، تبدو مثل لآلئ وجواهر بشتى الألوان. الحركة تمور نشطة على الأرصفة، وقد ظهرت الحسانُ بالمعاطف ذات الفراء، الشبيه بلون شعرهم الكستنائيّ. إنحنت شيلان برأسها نحوَ جارها، لتقول له مع إبتسامتها الرائعة: " سبقَ أن حجزنا في غراند أوتيل، لأننا سنبيتُ ليلة في المدينة ". رفعَ حاجبيه، مُتكلّفاً الإبتسام، وكانَ قد غدا في غاية الحَرَج. ستكون هيَ المرة الأولى في فترة وجوده في السويد، ينزل في فندق؛ بله في فندق فخم وعلى حساب الآخرين. لكنّ التعاطفَ، المُحاط به من الزوجين الكريمين، خففَ عنه شيئاً من ذلك الشعور الثقيل. وما هيَ إلا دقائق قليلة، وكانت السيارة تقتربُ من الفندق، الكائن على طرف كورنيش النهر، الذي أعتلاه جسرٌ أثري مهيب وقد لاحَ راكبو الدراجات العادية ـ كسرب حشرات قاتمة، تزحفُ فوق غصن شجرة. عدا عن هذه الإطلالة اللطيفة، كان للفندق واجهة قرينة لواجهات القصور، يتفاوت فيها اللونين القرميديّ والرماديّ القريب من السماويّ، فيما السقفُ هرميّ. ما لبثَ أن إنزلقت السيارة إلى الكراج الداخليّ للفندق، ومن هناك أستعمل الضيوفُ الخمسة المصعدَ للوصول إلى البهو، الغارق في البذخ. عقبَ التعامل مع موظفي الإستعلامات بشأن الحجرات، المُسبقة الحجز، إنتقل الضيوفُ إلى الإستراحة بعض الوقت على الأرائك. كان البهو يتوسطه نافورة، تتحلق حولها شجيرات نخيل، ويحيط بالمكان عددٌ من الشرفات. الأرضية على شكل شطرنج ذي مربعات بيض وسود، فيما تندلقُ من السقف المنيف ثريا هائلة الحجم ـ كأنها رأسُ تنين. على العموم، كانَ الفندق بالفعل كأنه قصرٌ؛ بأقواسه وسلالمه وأعمدته الرخامية ذات التيجان الرومانية.
حجرة دارين، كانت صغيرة بعض الشيء، لكنها في منتهى الأناقة. من علو الدور الثاني، أينَ وقفَ خلف نافذة الشرفة العريضة، ألقى نظرةَ إستطلاع على هذا الجانب من المدينة، المُشكّل ساحة مترامية الأطراف، يتشابك فيها خطوط الترمواي والأوتوبيس. الطقسُ المشمس، شجّعَ الناس على الخروج مع كلابهم، التي كانت تتبادلُ النباحَ بشكلٍ صاخب فيما كانت تُمنع من الإختلاط بعضها ببعض. عاد دارين فأسدلَ الستارة، لكي يتمدد بنصف جسده على السرير، المُرتّبة ملاءاته بطريقةٍ إحترافية شأن الفنادق ذات النجوم المُتعددة. باستعادته لمشاهد هذا الصباح، شعرَ بالندم لكسر خاطر صديقته. من ناحية أخرى، فكّرَ بنفس الشعور، لو أنه جاراها وأضّجعَ معها في الفراش لكانَ قد تأخرَ ساعة على الأقل عن الأصدقاء المنتظرين في ستوكهولم؛ ولكانوا قد مضوا بدونه. أساساً، ففكرة إصطحابه إلى غوتنبورغ كانت قد طرحتها شيلان في الأسبوع المنصرم، وذلك حينَ تمنّى دارين عَرَضاً لو أنه يلتقي بياشار كمال في ستوكهولم. فإنها نبرت للقول، فيما ترمق رَجُلها بنظرةٍ مواربة: " قد تكون الفرصة الوحيدة للقائك به، هناك في معرض الكتاب في غوتنبورغ. فلِمَ لا تأتي معنا، كيلا تفوّت الفرصةَ؟ ". مُتنحنحاً قليلاً، رحّبَ رَجُلها بالفكرة ومن ثم حملَ دارين على القبول بها.

4
وها هيَ شيلان تفاجئه مُجدداً، بحجّة دعوته لتناول الغداء. كانت مع نوشين، وبدا أنهما لحقتا وأضفيتا على وجهيهما رونقاً من الزينة زادَ من جمالهما. لكنه لم يدعهما للدخول، وإنما أكتفى بقول جملة مقتضبة: " أنا قادمٌ حالاً ". رددت شيلان، بصوتها المرح: " حالاً، حالاً! "، وهيَ تقلّده في تقطيب جبينه. هكذا أغلق بابَ الحجرة، ليمضي معهما بإتجاه السلالم، وفي أثناء ذلك لم يمنع نظرَهُ المتطفّل على كفل المرأة المرحة، الذي أفلتت له العقال إهتزازاً وإرتجاجاً. المطعم، كان يقع في الدور الأرضي، يحيط به الشرفات العريضة ومن خلفها الأفنية ذات الأقواس. أصص شجيرات النخيل، المتوزعة تحت الشرفات، إنبثقَ كل منها ـ كقزم أخرق، يلوّحُ بعشرات الأيدي.
خاطبَ دوغان صديقه الشاب، ثمة في طابور البوفيه: " أنصحك بتجربة سمك السلمون مع البروكلي والفطر، والذي يوافقه النبيذ الأبيض ". عملَ دارين بنصيحة الكاتب الكبير، وأضاف لطبقه الصوصَ والمزيدَ من السَلطة. على المائدة، تبيّنَ أن الغندورَ لا يقل إهتماماً بأتيكيت المآدب. فيما المرأتان، إكتفتا بالثرثرة في أمور الأزياء والعطور والإكسسوارات. عندئذٍ، تذكّر دارين قولاً بليغاً لوالدته عن أمثال هؤلاء القرويين: " يأتون متأخرين، لكنهم يتعلمون بسرعة! ".
لاحظت شيلان أن دارين لم ينهض لتجديد محتويات طبقه، فقالت له: " شربتَ الكثير من النبيذ، لكنك لم تأكل بشكل جيد ". عندما أجابها بالقول، أنه مقتصدٌ في الطعام منذ الصغر، فإنها عادت تقول مشددة على الكلمات: " الغذاء، يمدّ هرموناتِ الرجل بالمنشطات ". لم تكمل كلامها، لأنّ إمرأةَ الغندور أنفجرت بضحكةٍ عالية. ثم سرى المرح إلى الآخرين، باستثناء رجل نوشين، الذي عرّفناه بتحفّظه وجدّيته في هكذا أمور. لقد قوطعت ضحكتها بدَورها، بنظرته الباردة. ثم نهضَ واقفاً بطريقةٍ إنفعالية، ليقول أن الأفضل بعد تناول الغداء الخلود إلى الراحة: " لأنّ بإنتظارنا مساءً حافلاً بالعمل، ثمة في معرض الكتاب ". غبّ ذهابه مع إمرأته، قالت شيلان مُتهكّمة: " كمألوف عادته، سيعطي نوشين درساً في آداب المائدة ". رمقَ رَجُلها دارين بنظرةٍ باسمة، كأنها تقول: " ويلٌ لنا من لسان النساء! ".
بعد نحو ساعتين، كانَ الأصدقاء الخمسة في السيارة، التي أقلّتهم إلى معرض الكتاب. أجتازوا شارعَ " الصليب "، المنتظمُ فيه عقدٌ من لؤلؤ المصابيح، لتهيمن عليهم من ثم الظلالُ العملاقة لأبراج ثلاثة، أحدها يستضيفُ المعرض في قاعة دوره الأرضيّ. كان هناك عددٌ كبير من الأجنحة، المخصصة لدور النشر، وقد إزدحمت بمئات الروّاد من الجنسين. ما عتمَ دارين أن وجدَ نفسه ينساقُ مع أصدقائه إلى جناحٍ، ظهرَ أنه محتلّ من لدُن المكتبة الكردية في ستوكهولم. دجلة، كانَ قد طلبَ منه في الكراج مساعدته بحمل كرتونة مليئة بالكتب. وإذا هوَ، الرجلُ المتحفّظ والمغالي بتقدير شخصيته، يقبعُ وراءَ طاولةٍ بهدف بيع الكتب؛ وكانَ منها مؤلّفاتٌ تخصّه وتخصّ دوغان. بعد زهاء نصف ساعة، قدم ياشار كمال لزيارة الجناح وكانَ مُحاطاً بعددٍ غفير من المعجبين مذ دخوله لقاعة المعرض. محمد تاكسي، كان بالمعيّة ودأبَ على دفع الحضور كي يشق طريقاً للروائيّ الشهير على مستوى العالم. لم يبقَ هذا الأخير سوى دقائق قليلة في الجناح، وخرجَ منه دونَ إعطاء أيّ تصريح. بالطبع، لم يتسنّ لدارين حتى الإقتراب من الرجل العجوز. وقد نسيَ دوغان أمرَهُ تماماً، فيما كانَ يرافق الروائيّ المخضرم ويترجم له جملَ الترحيب، التي فاه بها بعضُ الكتّاب السويديين والأجانب. ثم أنتقلوا جميعاً إلى قاعة المؤتمرات الكبرى، أينَ سيتوالى على منبرها عدّة أدباء، وبالطبع، كانَ أبرزهم ياشار كمال. في خلال الطريق إلى القاعة، كانت شيلان تسير أمام دارين في غمره الزحام، وحينما كانَ يحاول تجنّب الإلتصاق بها من الخلف، فإنها كانت تدفع مؤخرتها الثرّة كي تلتحم بوسطه. لقد أمدّت هذه الحركة هرموناته سبيلاً لإنتعاظٍ لا مناص منه، وكأنما كانت بديلاً عن الغذاء المنشّط. في مدخل القاعة، أومأت له غامزة بعينها إلى بوستر شعار المعرض، وكانَ رسماً لحورية البحر تحمل كتاباً بيدها اليسرى: " لو أردتَ إستخدامَ موديلٍ لرسوم مماثلة، فإنني سأتطوّعُ لذلك دونَ أجرة "، قالتها ضاحكة فيما كانت تتنكّبُ ذراعه في كثير من المودّة. ثم أنزلت يدها كي تلمسَ مؤخرته، وكأنما تدعوه لكي يفعل ذلك أيضاً. لكنه تجاهل حركتها، بأن قال وهوَ يومئ إلى المقاعد الخلفية: " ثمة أماكن خالية، ولن تلبث أن تغدوا مشغولة لو لم نسرع "
" لستُ مُتلهّفة على سماع الكلمات الطنّانة، لكنني جئتُ من أجلك! "، ردّت عابسة بعض الشيء. إلا أنها عادت ورمقته بإبتسامتها الجميلة، ولو أنها لم تتحرك إلى تلك الجهة المقصودة. وكانَ دارين مأخوذاً بالخوف من تماديها بحركاتٍ خرقاء، فيما رَجُلها قد جلسَ للتوّ بصدر القاعة مع نحو نصف دزينة من الكتّاب، يتوسّطهم الأديبُ العالميّ المُحتفى به. ثم إذا بنوشين تدخلُ في الوقت المناسب، لتنقذ الموقفَ: " لمحتكما من الجانب الآخر للقاعة، وبالكاد أستطعتُ إختراقَ الجموع في الطريق إليكما "، قالتها وهيَ تلهثُ قليلاً. عندئذٍ مضوا إلى تلك المقاعد الفارغة، وفي الأثناء كانَ محمد تاكسي قد ظهرَ ليُقدّم أديبَ تركيا الكبير.
" يا إلهي، لقد فضحنا بلغته السويدية الركيكة! لا، وفوق ذلك، يتكلمُ عباراتٍ إنكليزية! "، هتفت شيلان بإنزعاج قبلَ أن تُطلق ضحكةً عصبيّة. كونها تكلمت بصوتٍ عال، فإنّ بعضَ الحضور الكرد، الجالسين بالصفوف الخلفية، إنطلقوا بالقهقهة. لعل الخطيب لحظَ الهرجَ، إلا أنّ ذلك لم يُثبط عزيمته في مواصلة الإشادة بالروائيّ المخضرم وهوَ يُمعن في اللغتين بمزيدٍ من التشويه ـ كما يفعلُ مريدو آلهة جديدة بتماثيل آلهة بائدة. أخيراً، نهضَ الرجلُ العجوز، المُحتفى به، ليلقي كلمته باللغة التركية. دوغان، تولى الترجمة الفورية وليسَ دونَ بعض العناء والتأتأة. بمجرّد إنتهاء الرجل العجوز من كلمته، بادرت شيلان إلى الوقوف: " هيا بنا إلى الكافيتريا، لنتناول شيئاً يُنعشنا ويُنسينا هذه البلاوي! "، خاطبت رفيقيها ثم مضت قبل أن تسمع رأيهما. سارت شيلان بأثرها، فيما دارين بقيَ في مكانه. وإذا شيلان تشيرُ إليه من مكانها خارج نسق المقاعد، ما جعلَ وجهه يتضّرجُ بالخجل والإحراج، خصوصاً وأن بعضَ الحضور الكرد نقلوا عيونهم بينهما.
في طابور الكافيتريا، تعمّدت المرأة الطائشة على الوقوف أمام دارين، وكانت كلّ مرةٍ تقترحُ عليه إختيارَ نوعٍ من الحلوى. ربما إستهواها أن تشعرَ بإنتعاظ الرفيق الخجول، فيما مؤخرتها تغرقُ مجدداً في وسطه. ثم أخذا القهوةَ والحلوى إلى حيث وقفت نوشين أمام طاولةٍ مستديرة وعالية، تنتصبُ على رجلٍ واحدة. بدَوره، كانَ دارين ما إنفكّ يهيمُ بشيءٍ مُنتصب، بينما قطراتُ العرَق تُلمّع جبينه. عدا عن الموقف المعلوم، الذي عدّه خزياً وعاراً، فإنه إستاءَ لإصرار شيلان على الدفع عند الصندوق. كانَ يبتغي تسديدَ ثمن تلك الأشياء، ليخفف بعض الشيء من حرجه إزاءَ كرم الآخرين. في أثناء ذلك، آبت المرأتان إلى حديثهما المُفضّل، المُداور حول الموضة وإلى ما هنالك. دارين، المُشكّل رأسَ المثلث حول الطاولة، أحسّ بالضجر بالرغم مما يحيطه من حركة، وما كانَ يحظى به من نظرات إعجاب الحسان. أكثر من مرّة، إلتفتت إليه شيلان غبّ إنتباهها لنظرةٍ من إحداهن كي تلحظ أثر ذلك على وجهه. هذا، مع علمها الأكيد بطبعه الحيي. ثم ما عتمَ أن وجدا نفسيهما وحيدين، بعدما شاءت نوشين الذهابَ لترى حال رَجُلها وهوَ خلف بسطة الكتب.
قالت له شيلان عقبَ وهلة صمت قصيرة، وعينيها تغوصان بعينيه عن قُرب: " أتدري أنّ في فندقنا ديسكو؟ أرغبُ بالرقص معك ثمة حتى الصباح! "
" بل الأفضل أن ترقصي مع زوجك، لأنني سيءٌ في هذا الشأن "
" أنت تزعم أيضاً أنك سيءٌ في العلاقات النسائية، وكل بضعة أشهر تتعرّف على إمرأة جديدة؟ "
" متى حدثتك عن علاقاتي النسائية؟ "
" لا يهم أن تحدثني، بل ما أراه من تحفّظك كلما أردتُ أن نكون قريبَيْن أكثر "
" في حقيقة الحال، أنتِ أقرب إمرأة إليّ في خلال الأشهر الأخيرة "، ندّت عن دارين دونما تفكير. إلا أنّ المعنيّة، حرّكت إصبعها بوجهه في حركة تحذير قبل أن تقول: " لا تكذب، فإنني على علم بصديقتك الإيرانية الجديدة "
" ولكنها شيءٌ وأنتِ شيءٌ آخر "
" على فكرة، لِمَ تستأثرك الإيرانيات بالذات؟ هل هن شبقات حقاً، كما يُقال عنهن؟ "، سألته فيما أخذت تداعبُ غرّة شَعره. ثم أضافت دونَ تروّ: " أم أنك تشبع رغبتهن في الفراش؟ ". شعرَ دارين أنها تسوقه إلى طريقٍ لا رادّ له، ولذلك شاءَ أن يُنهي الحديثَ عند هذا الحد: " ما رأيكِ أن تلحقي بنوشين، لأنني أرغبُ بإلقاء نظرة على الأجنحة؟ "
" كأنك تطردني؟ "
" لا أبداً، مُجرّد إقتراح "
" على أية حال، سأحقق ثأري منك ليلاً، ثمة في الديسكو! "، قالت ذلك مع ضحكةٍ فاترة. تنفّسَ الصعداء حين أضحى وحيداً. لكنه لم يتحرك من مكانه، وإنما إستسلم لتيار الأفكار. آلمه أنّ الزمنَ يمر بسرعة، وما زال بمثابة الكاتب المُبتدئ، هوَ مَن بلغ الثلاثين قبل ثلاثة أعوام. هذه الأعوام الأخيرة، أهدرها في الضياع والقلق بسبب إنتظار حقّ الإقامة ومن ثم في تعلم اللغة السويدية جنباً لجنب مع البحث عن العمل. كذلك كانَ الماضي القريب، بينما هوَ في الحاضر يتسلّى بصُحبة راكبي عربة " أدب البيتزا والكباب "، الذين يعطون لأنفسهم قيمة عالية فيما هم يريدون إبتلاع العالم بلقمةٍ واحدة ـ كشيمة الريفيّ في كل زمان ومكان. فوق ذلك، يكادُ يتورّط في علاقةٍ خطرة مع إمرأة رجلٍ لم يرَ منه سوى المحبة والتعاطف، بالرغم من ملاحظات المرء عن قيمته الحقيقية ـ ككاتبٍ من نفس فصيلة ركاب تلك العربة: " بل إن دوغان أصبحَ القائد الجديد للعربة، وذلك عقبَ تنحّي سائقها السابق. ومن غير المُستبعد، وفق المعروف عن ذوي المكر القرويّ، أنّ الأول هوَ مَن دفعَ الآخرَ اليوم لتولي مهمّة تقديم ياشار كمال، لكي يفضح المستوى المتدنّي للغته السويدية علاوةً على سذاجته وسطحيته! "، فكّرَ دارين وقد إنطبعت إبتسامة مُتهكّمة على شفتيه.

5
فيما السيارة تخترقُ العتمة، كانَ غارقاً في أفكار مُشابهة، قابعاً في مقعده ـ كضفندع مجبر ليلاً على الإستئناس تحت حجر الساقية، خشية أن تلتهمه بومة متربّصة. وكانت البومة إلى جانبه، لا يُثبط عزيمتها أيّ رادع. لقد رسمت على فمها الجميل، سلفاً، إبتسامة منتصرة لما تكلمت عن نيّتها في " الرقص معه حتى الصباح ". وللرقص أكثر من معنى، أحدهما المطارحة في الفراش! وهوَ ذا ينتبه فجأةً إلى شريط الأضواء الساطعة فوقَ الكورنيش، أين تنتظمُ الحانات على نسقٍ واحد، وذلك بعدما سمعَ صوت دوغان: " ما قولكم في شرب قدح بيرة، ثمة في أحد البارات؟ ". لكن الإقتراحَ بقيَ يترنّحُ في فضاء العربة، كما رأس أحد ركابها المُرهق بالأفكار. أخيراً وجدوا أنفسهم في بهو الفندق، فقالت شيلان لإمرأة الغندور: " أنهي زينتكِ ثم وافيني إلى حجرتي "
" سنهجعُ إلى الفراش مُبكراً، كوننا متعبَيْن من عناء هذا اليوم الحافل "، تولّى دجلة الجوابَ بنبرته المُبرمة. ألقت عليه شيلان نظرةً مُستاءة، وما لبثَ أن قبّلت صديقتها متمنية لها ليلة سعيدة. غبَ إختفاء الزوجين، علّقت على الموقف المُنقضي وكأنما تكلم نفسها: " يا له من أمرئٍ غريب الأطوار، يتغيّر مزاجه على حين فجأة، فينتهي إلى قراراتٍ مُتخبّطة وسخيفة "
" كانَ في ودّي أيضاً الإعتذار عن السهرة، لولا خشيتي من لسانك القاطع! "، قال لها رَجُلها وعلى شفتيه تلك الإبتسامة المُتسامحة. نبرت شيلان لتقول له، وقد غلبها الغيظ: " هيا إذاً إلى الفراش، لو كانَ ذلك يُريحك، وسأكتفي برفقة دارين "
" لِمَ لا نجلسُ في البار، عوضاً عن صخب الديسكو؟ "
" في البار ستشرع بمواصلة حديث الأدب مع صديقك، وأظل أنا كالبلهاء بينكما "
" إذاً نبقى بعضَ الوقت في الديسكو، ونكملُ السهرةَ في البار؟ "
" حسنٌ، لقد نطقتَ بفكرةٍ جيدة أخيراً "، ردّت شيلان. ثم أضافت، مخاطبة دارين فيما هيَ تروزه من فوق إلى تحت: " لو أنك أتيت بسترة مناسبة للسهرة، بدلاً عن ملابس السبور هذه. لكن لا بأس، سنلتقي بعد زهاء ساعة هنا في البهو ". عقبَ ذهابهما، نظرَ دارين في ساعة يده وكانَ الوقتُ يقترب من التاسعة والنصف. ثم أستعادَ كلام شيلان عن السترة، وكيفَ تضرّجَ وجهه: لعلها ذكّرته عند ذلك أنها أشترت له سترة أنيقة من متجرٍ مرموق في أوبسالا، وأنها أرتدت له يومئذٍ غلالة رهيفة؛ وكانت على يقينٍ، ربما، من أنه سيرتمي عليها بمجرّد خروجها من الحمّام.
في الساعة المُحددة تقريباً، رآها تنحدرُ على السلم الحجريّ وهيَ بهيئةٍ مُبهرة حقاً. كانت ترتدي فستاناً حريرياً أخضر اللون، يكشف معظم ظهرها وجانب وافر من صدرها، فغدت أشبه ببستانٍ يتخلله ثمار الفاكهة الناضجة. وكانت هذه الفاكهة تهتز وترتجّ مع كل خطوةٍ تخطوها، فيما الحلي تغمرها بلمعانٍ أخاذ. وقدّرَ دارين عندئذٍ، مبهوراً ولا مِراء، أنها لو لم تكن إمرأة صديقه لتبع ظلها وأريج أنفاسها وعطرها إلى نهاية العالم.
" يلوحُ لي أنك لم تغادر هذا المكان، أليسَ حقاً؟ "، قالت لدارين فيما تتأبط ساعده ببساطة في الطريق إلى قاعة الرقص. وكانَ رَجُلها قد غيّر ملابسه، فظهر في سترة فراك فوق قميصٍ حريريّ فضيّ، مُنشّى. وكانت إمرأته تقبض أيضاً على ساعده، وتبدو سعيدة بهذه الصُحبة المزدوجة. وكانَ دارين قد لاحظ قبلاً، أنّ كرد المناطق الحدودية مع سورية، وخاصة ماردين ونصيبين، يميلون إلى المُحافظة. ولكن كلما توغل المرءُ شمالاً في البلاد الجبلة، يرى أن المرأة تتمتع بقدر كبير من الحرية لدرجة أن تكونَ ندّاً للرجل. ويُمكن إسقاط تلك المعادلة على كلّ من شيلان ونوشين، وبالتالي، على رَجُليهما.
غمامة من العطر، إستقبلت الضيوف الثلاثة آنَ إجتازوا مدخل قاعة الرقص، مُتماهية مع الأضواء الخافتة والموسيقى الهادئة، ليشكلوا معاً جوّاً أشبه بجوّ الحلم. حالما ألقى دارين نظرةً على الحاضرين، المُترفلين بأبهى الثياب، فإنه أشفقَ على مظهره. على المنضدة، المُحتفية بشمعةٍ مُشتعلة، رأى نفسه من جديد يُشكّل رأس المثلث. عندما أقبلَ النادل، ودونما أن تأخذ حتى رأي زوجها، طلبت شيلان زجاجة شمبانيا. إبتسمَ دوغان في محاولةٍ، ربما، لإخفاء علامة الإمتعاض. وقد ظلوا ثلاثتهم صامتين، يُتابعون رقص السلو، المُلائم لعَظَمة الروّاد وأبّهتهم. إلى دبّت الحيوية في الضيوف الجدد، حينما عادَ النادلُ مع زجاجة شمبانيا. هنا، أوصاه دوغان بجلب صحن مكسّرات. إمرأته كانت قد لحقت في الأثناء إبتلاع نصف قدحها، ما جعل فكرة مُقلقة تطرأ لرأس صديقهما: " واضحٌ أنها متعجّلة في ولوج حالة السكر، لنيّة تبيّتها! ". لكن وجود رَجُلها، خففَ من غلواء تلك الفكرة.
" هل ستشاركني في الرقص أم عليّ الإعتماد على دارين منذ البداية؟ "، خاطبت رَجُلها بنبرة مرحة فيما تصبّ لنفسها القدح الثاني. رفعَ الرجلُ يديه بحركة مُداعبة، توحي بالتسليم، متمتماً: " نحنُ هنا بأمرك ". هكذا أمسكت بيد دارين، دونما أن تستأذنه، داعية إياه للرقص معها. سرعانَ ما أحتوى الجسدَ الرشيق الأخّاذ، المُعبّق بالشذى، بما أنّ هذه هيَ الطريقة الوحيدة لرقصة السلو. لم تكن الخمرة قد لعبت بعدُ برأسه، بيد أنّ هذا الجسد حريّ بجعله ثملاً وهوَ يدور في حلقة الراقصين، المُفعمة بالأضواء الساطعة بشتى الألوان. كونهما الوحيدين الأجانب، فإنّ بعضَ أولئك الراقصين نظروا إليهما بتعاطف فيما آخرين محضوهما نظراتٍ حذرة أو شزرة. وكان دارين مشغولاً عنهم بإلقاء نظراتٍ مواربة على زوج هذه الحسناء، التي راحت الآنَ تتخلّى عن الحشمة وهيَ تضمّه بشدّة إلى وسطها. لكن أنقذ موقفه، بتوقف الفرقة الموسيقية عن الرقص. وإذا شيلان تقول له، وكانت الموسيقى قد أستردّت أنفاسها من جديد: " لنرقص دوراً آخر ". ثم أردفت فيما تحتضنه إبتداءً من خاصرتيه: " ولتتخل قليلاً عن هذا التحفّظ المُضحك! ". لم يجبها بشيءٍ، وكانَ قد غدا فعلاً بغاية الحَرَج. إلى أن أفرخ روعه حينَ إنتبه لخلوّ المنضدة من وجود دوغان، ومن ثم رؤيته له وهوَ يُراقص إحداهن. عند ذلك، مدفوعاً بقوّة تفوق إرادته، أنزل يده الطليقة عن خصرها ليمسّد على مؤخرتها. وفي تلك اللحظة أيضاً، توقفت الموسيقى.
كانَ قد مضى زهاء ساعة على وجودهم في قاعة الرقص، لما إقترحَ دوغان أن ينتقلوا إلى البار، الكائن في قاعةٍ أخرى. في هذه المرة لم تعترض إمرأته، وما عتمَ أن سارت وهيَ تترنّح قليلاً. ثمة أمضوا ساعةً أخرى، تبادلوا فيها الحديث بشأن إنطباعات كلّ منهم عن معرض الكتاب. إلى أن بدأ دوغان بالتثاؤب: " ألن نذهب للنوم، يا عزيزتي؟ "، خاطبَ إمرأته. وكانت هذه قد نال منها السكر حقاً، مثلما ظهر من لسانها الثقيل وعدم قدرتها على التركيز أثناء الكلام. مع ذلك، خالفت رَجُلها: " أرغبُ بالبقاء فترة أخرى، لأنني أشعر بالضجر وليسَ بالنعاس ". لدهشة دارين، نهضَ الرجلُ وتهيّأ للذهاب وحده وهوَ يتمنى لهما ليلة سعيدة. ربما بهذه الطريقة، عبّرَ عن ثقته بإمرأته والصديق الشاب على حدّ سواء. كذلك كان مسلكه مع هذا الأخير طوال العام ونصف العام من صداقتهما. فليسَ له ذنب، بطبيعة الحال، لو كانت إمرأته تغافله أحياناً، بسبب عاطفتها المتأججة تجاه صديقه.
" أرغبُ بقدح من النبيذ "، قالت لدارين بلسانها المتعثّر وهيَ تقلّب بين يديها قدحها الفارغ. كانَ يود نصحها بالكف عن الشرب، لولا أنه سرّ باطنياً من فرصةٍ تتيحُ له أخيراً دفعَ الحساب من جيبه. حينَ عادَ وبيده القدح المُترع، كانت مستندة برأسها على يدها وكوعها على المنضدة. إحتست شفّة من الشراب ثم ما لبثَ أن دفعت الكأس إليه، قائلةً بعبوس: " إشربه أنتَ، فإنني أريدك أن تثمل أيضاً! ". وكان دارين في أثناء وجوده بالبار قد أحتسى قدحاً كبيراً من البيرة، وقبل ذلك في المرقص إكتفى بقدح واحد كونه لا يستسيغ الشمبانيا. وإذاً، كان ما ينفكّ برأسٍ صاحٍ. تجاهلَ هذيانَ المرأة المخمورة، لكنه أخذ القدحَ من يدها كيلا تسوء حالتها مزيداً من السوء. كانت المنضدة تفصل بينهما، وإذا هيَ تشرأب برأسها إلى ناحيته: " قبّلني..! "، قالتها بطريقة مبتذلة وآمرة في آنٍ معاً. جواباً، طلبَ منها أن يغادرا البار؛ وكانت الساعة قد أشارت إلى منتصف الليلة. هزّت رأسَها فيما تنقل بصرها الغائم هنا وهناك، ثم حاولت النهوضَ بتثاقل وعناء. إندفع لمساعدتها، فإتكأت عليه وسارت معه بإتجاه المدخل. ثمة عند المصعد، قالت له: " سوفَ أمكثُ قليلاً في حجرتك، موافق؟ "
" لا، الأفضل أن تذهبي إلى الفراش حالاً "، ردّ دارين ببعض الحزم. في داخل المصعد، إلتصقت به وهيَ تعانقه تقريباً، لكنه لم يصدّها. كانَ يأملُ أن ترعوي سريعاً، بما أنه يقودها إلى حجرتها. إلا أنها تشبثت بفكرتها تلك، لما غادرا المصعد. أحتارَ في الأمر، لأنه لم يكن يريد تركها بمفردها وهيَ بهذه الحالة السيئة من السكر. عادت للهمس هذه المرة، وبصوتٍ ضارع: " لن أبقى عندك سوى ربع ساعة، ربع ساعة حَسْب "
" ليسَ من حقّنا أن نفعل ذلك "
" لا تكن أحمق! ألم يكن في وسعي المجيء إليك لوحدي قبلَ ذهابنا إلى المعرض؟ "، قالت تقاطع كلامه وقد أستولى عليها الحنق. كانَ حقاً يخشى غضبة المرأة الكاسرة، فرأى مُسايرتها من جديد. أشارَ إلى الردهة المقابلة للمصعد، المشكلة حجرة إستقبال صغيرة: " إذاً نجلس هناك بعضَ الوقت، ونتبادل الحديث "، قال لها. لكنها كانت قد سارت مترنّحة بإتجاه حجرته، مثل عربة أفلتَ زمامها. متوتراً وفي غاية القلق، تبعها وما لبث أن عاد يسندها. دخلا من ثم إلى الحجرة، وهما بهذه الوضعية. كان ثمة كرسيان وثيران، يُقابلان سريرَ النوم، وقد أجلسَ الضيفةَ على أحدهما. إذا هيَ تعبّر بتلويحة يدها عن الحر، ثم ما عتمَ أن مدّت يدها إلى سحّاب الفستان من وراء وشدته إلى أسفل بحركة عصبية. أنزلت من ثم ثوبها إلى بطنها، وكانت لا تكتسي تحته سوى بحمالة صدر بنفسجية وشفافة أظهرت جلياً النهدين الرائعين، المُنبثقين ـ كفرخَيْ سمك، مٌروَّعين، خِلَل شبكة الصيد.
" لقد تعرّفتُ عليك في أحد أيام صيف العام المنصرم، وبقيَ في ذاكرتي كأجمل أيام حياتي. لكنك بطبعك الغريب، المُتحفّظ، أضعتَ علينا كلانا التمتع طوال تلك الشهور بأوقاتٍ غالية من الحب والوصال "، قالت له وقد إستحالت نظرةُ عينيها الجميلتين إلى جذوةٍ مؤرّثة بالشهوة والشبق. لما أمسكَ عن التعليق على كلامها، فإنها واصلت ببعض الحدّة: " أيّها الأحمق، ألا تقدّر مدى عشقي لك! إنك فوّتَ التمتعَ بجسدي، وذلك في سبيل البرهان على وفائك لصداقة زوجي. مع أنني كانَ في وسعي معاشرة عشيق غيرك، ومنحه جسدي حتى دونَ أن أحبّه ". لقد شددت على كلمة " الجسد " فيما كانت ترمي عنها ثوبها إلى أسفل قدميها. ثم إستقامت واقفةً وهيَ بقطعتين من الملابس الداخلية، ليسطعَ ذلك الجسد الماسيّ بكلّ عرامة عريه وفتنته وطغيانه. كانَ دارين يتأملها بعينين مدهوشتين، مبهوراً بجسارتها أكثر من جمال جسدها، المبذول له بكل رخصٍ وإبتذال. دونما مزيدٍ من التفكير، قرّ رأيه أن يدع لها الحجرة ويرجع أدراجه إلى البار. ما أن نهض عن كرسيّه وتقدّم خطوةً ووجهه إلى ناحية الباب، إلا وشيلان تحتضنه من وسطه وتهوي معه في كرسيّها. كانَ قد أضحى في حضنها، فأمسكت حالاً برأسه لتلصق فمه على ثديها الأيسر، المُتحرر تواً من الحمّالة. إنهما أشبها عندئذٍ بإحدى لوحات عصر النهضة الأوربيّ، التي تجسّد المادونا مع طفلها. لكن اللوحة سرعانَ ما أصابها التشوّه، حينما مزّقَ المشهدَ طفلُ المادونا، وذلك بإفلاته من حضنها.
" أرجوكِ مغادرة الحجرة، حالاً "، قال لها ملهوجاً وبأنفاس متلاحقة بسرعة. ثم أضافَ: " لا أسطيعُ فعلَ هذا الأمر، لأنه فوق طاقتي كإنسان شريف يحرصُ على صداقة رَجُلك ". بقيت تحدّق فيه بنظرةٍ، مُفعمة بالإنكار والسخط؛ وربما الحيرة أيضاً. قالت له ببطء، ولعلها شعرت بمدى المهانة التي وضعت نفسها فيها، مجاناً وعبثاً: " إنني حررتك قبل قليل من أيّ مسئولية أخلاقية، لما أكّدتُ أنني في وسعي معاشرة عشيق غيرك حتى دونَ أن أشعر نحوه بالحب. لكنك عدّتَ إلى ترهاتك عن الصداقة والإخلاص، بالرغم من أنك كنت عشيقاً لتلك المرأة الإيرانية، المتزوّجة من صديقك. فأيّ نفاقٍ هذا؟ "
" لم يكن صديقي بحالٍ من الأحوال، بينما دوغان هوَ كذلك؛ بل أعدّه بمثابة الأخ الكبير "
" آه، إنه يقتلني بحماقته! "، خاطبت نفسها بصوتٍ مسموع. ألقى نظرةً أخرى عليها، مُبطّنة بالقلق، طالما أنه كسرَ رغبتها بتلك الطريقة القاسية. ولكن لاحَ كأنما إستعادت وعيها، فخجلت من منظرها الرثّ. عند ذلك، إتجه إلى الحمّام كي يدع لها الإعتناء بنفسها دونما رقيب. وفي حقيقة الحال، أنه هربَ من فخ إغواء الجسد، الذي كانَ معجباً به أشد الإعجاب ويتمناه بكل جارحةٍ فيه. كانَ دارين ما زالَ يتبوّل، لما سمعَ صدى إنصفاق باب الشقّة. أطلقَ عندئذٍ تنهيدة مديدة، مُعبّرة عن الخلاص من ذلك الموقف المَشحون والمُشين.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت