الحق الأثير في مكنون آية التطهير.. ج 1

عباس علي العلي
2023 / 9 / 1

((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا))...
حقائق النص.
1. النص خاص محصوص بمن كان من أهل البيت "مكانا" ومختص بزمان نزوله "حدوثا" على وجه التأكيد بالإشارة والبشارة الحزمة الغير متعدية لغيرهم، وليس حكما عاما ممتدا بلا أنقطاع لوروده بصيفة فعل الحاضر الذي هو عزم بلا جزم عكس الفعل الماضي الذي هو عزم وجزم بلا أنقطاع "وكتب على نفسه الرحمة"، ولو جاء بصيغة الماضي لأفاد سبق التطهر قبل الوجود، ولكنه إخبار من الله أنه يطهرهم بدفع أسباب الرجس وفعله عنهم أو إبعادهم عنه.
2. التطهير بإرادة الله بمعنى أنه قرار من الغير لمن هو قابل عليه، وليس فعلا مختارا من الفاعل وبمحض إرادته، وهذا يعني أن التطهير كان جزء من عملية لها أبعاد تتعدى الأشخاص المطهرين وتلحق بهدف أكبر من جزئية الطهارة، فورود كلمة "يريد" تشير إلى أمر لاحق (قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ۚ)، هنا الإرادة إرادة رحمة وقد تكون الرحمة بهم أو لغيرهم (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين),
3. الإذهاب محكوم بنفس نسقية التطهير من حيث الزمن والعزم والجزم والزمان والمكان، فهو إذهاب متعلق بذوات ومحصورا بهم لا يتعدى ما تعدى به اللفظ على المشار إليهم بالنص، فلا لإذهاب لغيرهم إلا بنص والدليل قول النبي ص لزوجه أم سلمه إنما أنت على خير، فمن كان حاضرا من أهل البيت ولم يشار له باسم الإشارة غير مشمول بالتطهير والإذهاب، وبالتالي لا يمكن معه أن يمتد فعل الإذهاب لمن لم يك من حاضري النزول والإشارة.
4. الإذهاب مشروط ومتعلق بحال محدد وبين ولا يمكن التوسعة فيه أو الخروج عنه "عنكم"، وعندما يقال عنك أو عنكم أو عنكن يكون القصد المباشر تحديد المدى، وليس عنهم أو عن أو عنهن وبذلك حدد النص من هم المطهرون الذين تعرضوا للإذهاب بما أراد الله لهم.
5. الرجس مفردة ترددت كثيرا في القرآن الكريم وإن بدا أنها تعني كما يفهم الغالبية من المؤمنين والمفسرين أنها تعني كل شيء خلاف ما يريده الله بالإنسان من خير، بمعنى أن الرجس مطلق الشر وأثاره ومظاهره، والحقيقة أن الرجس محدد ومعرف على وجه الدقة والتخصيص في نصوص الكتاب بما يجعله جزء من عمل الشيطان وفعله، الأصل اللغوي للكلمة هو (رُجَّس جمع رَّاجِسُ) والراجس هو الصوت المدوي الشديد الذي يخلط الأمور ويربك العقل فيشغله عن الحق والعقل والمنطق، فقول الله رجس من عمل الشيطان إشارة إلى ما هو أكثر من الوسوسة وحديث النفس بما يجعله قريبا من مفهوم الأستفزاز والأز (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا)، والأزيز هو الصوت المسموع الغير مفهوم الذي يشبه صوت الإزعاج المتعمد الذي يستفز الإنسان فيخرجه من طبعه السوي إلى العصبية ومجانبة الحق والذهاب مع الباطل، فرجس الشيطان هو في قول الله تعالى (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا)، هذا النص فسر الرجس كاملا عندما أشار إلى عمل الشيطان.
6. والرجس غير الرجز ولا يعني بأي حال الذنب أو الكفران أو غيرها من الأوصاف والمعاني التي فسر بها البعض المعنى والدلالة أعتباطا، فهو وصف لحالة يتعرض لها الإنسان من فعل خارجي لا يد له به سوى أنه ضعيف متعرض لقوة لا يستطيع مقاومتها، لذا وصفه النص بأنه من عمل الشيطان وليس من عمل الإنسان، أما الرجس فهي عقوبة مقررة من السماء ونازله منه بسبب أو لسبب، وهي غير العذاب وأكبر منه وغير الرجس لأنه من عند الله كما هو أيضا من عند الشيطان بالنتيجة (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ)، (هَـٰذَا هُدًى ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ) و (إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)، والرجز جزاء والرجس حال، والأول مفسد لا يصلح ولا يرفع بعد وقوعه، والثاني قد يرفع عن الإنسان ولا يبقى له أثر(فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ).
7. من أذهب عنهم الرجس وطهرهم هم أهل البيت تحديدا وليس أل البيت، فالأهل تفيد خصوصية التملك والأنتساب المادي أو الفعلي تحديد، فأهل مكة أدرى بشعابها وأهلها مضمون دعاء إبراهيم ع (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، وكذلك يرد معنى الأنتساب في قوله تعالى (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ)، أما الآل فهو كنية عن الضم ولانضمام لمحدد قد لا يكون من الأهل أو النسب لكنه بالتأكيد بسبب كقوله تعالى (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ،، فأل فرهون ليس أهله أو ملكه أو منتسبي الأهلية له، بل هم من كان معه أو نفذ أمره أو سعى سعيه، وبالنتيجة هم كل من لا يستطيع التفلت من ولايته أو الخضوع له أو تفرع منه جبرا (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)، فآل محمد ص مصطلح معنوي دلالي أكبر وأعظم في شموله من محتوة ومضمون ودلالة أهل البيت، فهو مستمر لا ينقطع كما ورد في النص السابق أل إبراهيم وأل يعقوب، بينما الأهل بدلالة الزمن والمكان غير مستمر ومتوقف على البقاء الممكن فقط.
8. البيت عندما يشير النص إليه يثير لدينا السؤال عن ماهية هذا البيت، هل هو بيت النبي كما ورد في الروايات التفسيرية "بيت أم سلمة زوج النبي"، أم بيت المعني بالحديث والآية وهو بيت "هؤلاء" فإن كان المقصود بيت النبي مكانا فلا بد من أن تكون أم سلمة رض ربي البيت ومصاحبته مشمولة في آية التطهير والإذهال بأعتبار أنه أشار للبيت، وصاحب البيت أولى به من غيره فهو صاحب سلطان عليه وأولى بما فيه، ولما علمنا أن أم سلمة رض لم تكن معنية به ولم يشملها اسم الإشارة "هؤلاء" فلا بد إذن أن يكون البيت بيت المعني بالتطهير والإذهاب تحديدا خاصة وإن البناء هنا على المعلوم بالإضافة التعريفية "أهل البيت"، مما يعني أن أهل البيت هم أهل الكساء فقك والحدوث في بيتهم.
9. وإذا سلمنا بهذا المنطق كحال ومكان علينا أيضا أن نفهم الزمان أيضا، زمن النزول، فكل الروايات ومع الظرف الذي جاء فيها أن الحدث كان قبل أرتحال الرسول ص إلى ربه، بما لا يزيد عن عام أو أكثر أو أقل قليلا، أي بين سنة واحد وستون من عمره أو بداية الثانية والستون، ومن هنا نكتشف عدة حقائق، منها أن أهل البيت هم أربعة فقط مضافا لهم النبي ص وهم عليا وفاطمة والحسن والحسين تحديدا، وهذا يثبت أن الزهراء فاطمة بنت محم لم تنجب غير الحسن والحسين ولا بنين ولا بنات غيرهم، ومن يقول العكس مستندا إلى الروايات فيقول أن أبناء وبنات علي من فاطمة غير مطهرين وغير مشمولين بالإذهاب الذي يريده الله كما حصل مع السيدة أم المؤمنين أم سلمة رض مع عظيم منزلتها، فأما أن يكون المنطق الأول هو الصالح وبالتالي لا ذرية لعلي ع من فاطمة غير من هم تحت الكساء، أو أنهم لا مطهرين وحالهم حال أل الرسول من زوجلته وأعمامه وعماته وأبناء أعمامه وعماته وبناتهم.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت