من أجل ثقافة جماهيرية بديلة 31

عبدالرحيم قروي
2023 / 8 / 31

مؤلف "الدولة والثورة" على حلقات

تعاليم الماركسية حول الدولة، ومهمات البروليتاريا في الثورة
فلاديمير إليتش لينين
الحلقة الرابعةعشر

3- الطور الأول من المجتمع الشيوعي

في «نقد برنامج غوتا» فند ماركس بالتفصيل ودحض فكرة لاسال القائلة بأن العامل ينال في ظل الاشتراكية «نتاج العمل كاملا» أو «غير مبتور». وقد بين ماركس أنه لا بد من أن تطرح من مجمل العمل الاجتماعي الذي يقوم به المجتمع بأسره مخصصات احتياط ومخصصات لتوسيع الإنتاج ومخصصات لاستبدال الماكينات «المستهلكة» الخ.، ثم من رصيد الاستهلاك مخصصات للانفاق على جهاز الإدارة والمدارس والمستشفيات وملاجئ الشيوخ وغير ذلك.
فعوضا عن عبارة لاسال العامة، الغامضة والمبهمة («إعطاء العامل نتاج العمل كاملا») يبين ماركس بوضوح كيف ينبغي على المجتمع الاشتراكي بالضرورة أن يدير الأمور. إن ماركس يحلل تحليلا ملموسا ظروف الحياة في مجتمع ستنعدم فيه الرأسمالية ويقول:
«إننا نواجه هنا» (عند تحليله لبرنامج حزب العمال) «ليس مجتمعا شيوعيا تطور على أسسه الخاصة، بل مجتمعا يخرج لتوه من المجتمع الرأسمالي بالذات؛ مجتمع لا يزال، من جميع النواحي، الاقتصادية والأخلاقية والفكرية، يحمل طابع المجتمع القديم الذي خرج من أحشائه».
إن هذا المجتمع الشيوعي المنبثق لتوه من أحشاء الرأسمالية والذي يحمل من جميع النواحي طابع المجتمع القديم يسميه ماركس بالطور «الأول» أو الأدنى من المجتمع الشيوعي.
فإن وسائل الإنتاج لا تبقى ملكا خاصا لأفراد. إن وسائل الإنتاج تخص المجتمع كله. وكل عضو من أعضاء المجتمع يقوم بقسط معين من العمل الضروري اجتماعيا وينال من المجتمع إيصالاً بكمية العمل التي يقوم به. وبموجب هذا الإيصال ينال من المخازن العامة لبضائع الإستهلاك الكمية المناسبة من المنتوجات. وبعد طرح كمية العمل التي توجب للمخصصات العامة، ينال كل عامل إذن من المجتمع بمقدار ما أعطاه.
ويبدو أنن في ملكوت «السماواة».
ولكن عندما يقول لاسال، آخذا بعين الإعتبار هذه الأوضاع الإجتماعية (التي تسمى عادة الإشتراكية ويسميها ماركس الطور الأول من الشيوعية)، بأن هذا «توزيع عادل»، بأن هذا «حق متساو لكل فرد في كمية متساوية من منتوجات العمل»، فهو يخطئ ويوضح ماركس خطأه بقوله:
نحن هنا في الواقع إزاء «الحق المتساوي»، ولكنه ما يزال «حقا برجوازيا» يفترض، ككل حق، عدم المساواة. إن كل حق هو مقياس واحد على أناس مختلفين ليسوا في الواقع متشابهين ولا متساويين، ولذا فإن «الحق المتساوي» هو إخلال بالمساواة وهو غبن. وفي الحقيقة، إن كل فرد ينال لقاء قسط ميساو من العمل الاجتماعي قسطا متساويا من المنتوجات الاجتماعية (بعد طرح المخصصات المذكورة).
بيد أن الناس ليسوا متساوين: أحدهم قوي والآخر ضعيف، أحدهم متزوج والآخر أعزب، لدى أحدهم عدد أكبر من الأطفال ولدى الآخر عدد أقل الخ..
ويستنتج ماركس:
«…لقاء العمل المتساوي، وبالتالي لقاء الأسهام المتساوي في الصندوق الاجتماعي للاستهلاك يتلقى أحدهم بالفعل أكثر من الآخر، ويصبح إذن أغنى من الآخر والخ.. ةلاجتناب جميع هذه المصاعب لا ينبغي أن يكون الحق متساويا، بل ينبغي أن يكون غير متساو…»
وعلى ذلك لا يمكن بعد للمرحلة الأولى من الشيوعية أن تعطي العدالة والمساواة: تبقى فروق في الثروة وهي فروق مجحفة، ولكن استثمار الإنسان للانسان يصبح أمرا مستحيلا، لأنه يصبح من غير الممكن للمرء أن يستولي كملكية خاصة على وسائل الإنتاج، على المعامل والآلات والأرض وغير ذلك. زإذ دحض ماركس عبارة لاسال الغامضة على النمط البرجوازي الصغير بصدد «المساواة» و«العدالة» بوجه عام، قد أظهر مجرى تطور المجتمع الشيوعي المضطر في البدء إلى القضاء فقط على ذلك «الغبن» الذي يتلخص في تملك أفراد لوسائل الإنتاج، ولكنه عاجز عن أن يقضي دفعة واحدة على الغبن الثاني الذي يتلخص بتوزيع مواد الاستهلاك «حسب العمل» (لا حسب الحاجة).
(لا حسب الحاجة).
إن الاقتصاديون المبتذلون ومنهم الأساتذة البرجوازيون بمن فيهم «صاحبنا» توغان يولمون الاشتراكيين على الدوام زاعمين أنهم ينسون أن الناس غير متساوين و«يحلمون» بإزالة هذه اللا مساواة. وهذا اللوم ان برهن على شيء فإنما يبرهن فقط كما نرى، على أن السادة الأيديولوجيين البرجوازيين جهال جهلا مطبقا.
إن ماركس، عدا أنه يحسب الحساب بدقة لحتمية اللا مساواة بين الناس، يأخذ بعين الاعتبار كذلك أن مجرد انتقال وسائل الانتاج إلى ملكية عامة للمجتمع كله («الاشتراكية» بمعنى الكلمة المعتاد) لا يزيل نواقص التوزيع واللا مساواة في «الحق البرجوازي» الذي يظل سائدا ما دامت المنتوجات توزع «حسب العمل».
ويستطرد ماركس:
«… ولكنها تلك مصاعب محتومة لا مناص منها في الطور الأول من المجتمع الشيوعي كما يخرج من المجتمع الرأسمالي بعد مخاض طويل وعسير. فالحق لا يمكن أبدا أن يكون في مستوى أعلى من النظام الاقتصادي ومن درجة تمدن المجتمع التي تناسب هذا النظام…»
وعليه، إن «الحق البرجوازي» في الطور الأول من المجتمع الشيوعي (الذي يسمى عادة بالاشتراكية) لا يلغي بصورة تامة، بل يلغي بصورة جزئية، فقط بالمقدار الذي بلغه الانقلاب الاقتصادي، أي فقط حيال وسائل الانتاج. «فالحق البرجوازي» يعترف بها ملكا خاصا لأشخاص منفردين. أمّا الاشتراكية فتجعلها ملكا عاما. بهذا المقدار ليس غير، يسقط «الحق البرجوازي».
ولكنه يبقى مع ذلك في جزئه الآخر، يبقى بصفة ضابط (محدد) لتوزيع المنتجات وتوزيع العمل بين أعضاء المجتمع. «من لا يعمل لا يأكل»، هذا المبدأ تلاشتراكي قد طبق؛ «لقاء كمية متساوية من العمل كمية متساوية من المنتوجات»، وهذا المبدأ الاشتراكي الآخر قد طبق أيضا. ولكن ذلك ليس بالشيوعية بعد. إن ذلك لا يزيل بعد «الحق البرجوازي» الذي يعطي الناس غير المتساوين مقابل كمية من العمل غير متساوية (غير متساوية فعلا) كمية متساوية من المنتوجات.
يقول ماركس أن هذا «نقص»، ولكن لا مفر منه في الطور الأول من الشيوعية، لأنه لا يمكن الظن، بدون الوقوع في الطوبوية، بأن الناس، بعد اسقاطهم للرأسمالية، يتعلمون على الفور العمل في صالح المجتمع بدون أية أحكام حقوقية، ناهيك عن إلغاء الرأسمالية لايعطي فوراً ممهدات اقتصادية لمثل هذا التغير.
ولا وجود لأحكام عير أحكام «الحق البرجوازي». ولذا تبقى الحاجة إلى دولة تصون الملكية العامة لوسائل الإنتاج وبذلك تصون تساوي العمل وتساوي توزيع المنتوجات.
تضمحل الدولة، لأنه ينعدم الرأسماليون وتنعدم الطبقات فيستحيل بالتالي قمع أية طبقة.
ولكن الدولة لا تضمحل بعد بصورة تامة، لأنه تبقى صيانة «الحق البرجوازي» الذي يكرس اللا مساواة الفعلية. ولاضمحلال الدولة بصورة تامة يقتضي الأمر الشيوعية الكاملة.
يتبع

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت