لماذا لم تنجح روسيا في الانتقال إلى الديمقراطية (4)

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2023 / 8 / 30

السقوط مقابل الانتقال

لقد قادت نجاحات "الموجة الثالثة" من التحول للديمقراطية في أمريكا اللاتينية وجنوب ووسط أوروبا أغلب الباحثين إلى التسرع في المساواة بين سقوط النظام وبين الانتقال الديمقراطي، وإلى نعت معظم الأنظمة الناشئة من وسط الحطام باسم "ديمقراطيات جديدة."

وفيما يعكس هذا الالتباس كان ميلهم، خلال التسعينات وبدايات الألفية الجديدة، لمعاملة روسيا ما بعد السوفيتية كحالة انتقال ديمقراطي. وذلك في الوقت الذي كان ينبغي لاستمرارية نخب الحقبة السوفييتية وهيمنتها الباقية، فضلاً عن ممارساتها الرسمية وغير الرسمية، أن تلقي ظلالاً من الشك والتحفظ على تحليلاتهم المتفائلة. في الحقيقة، كانت التغييرات الليبرالية المحدودة التي شهدتها روسيا خلال تلك الحقبة نتيجة طبيعية لضعف عابر أصاب النخب الروسية حينها مقترناً مع إدراكهم للحاجة إلى إجراء بعض الترميمات للنظام حتى لا ينهار فوق رؤوس الكل (وهي ظاهرة تسمى "ثورة الرجال الثواني") (بمعنى، الرجل الثاني في كل مؤسسة من مؤسسات الدولة، من الرئاسة إلى المجلس المحلي).

لقد تركت الأزمة الاقتصادية الدولة عاجزة عن دفع العطايا والإكراميات ورواتب البيروقراطيين والقوات المسلحة والأمنية. ومن ثم بدأت مراكز قوى بديلة للدولة في الظهور. وهو اضطر الكرملين إلى تحمل انتخابات تنافسية متعددة الأحزاب، لكنها لم تسفر عن تغيير جوهري: بقيت طبقة النومنكلاتورا السوفييتية القديمة، المخضرمة في الحيل والعادات والتقاليد المناهضة للديمقراطية، تتبوأ قمة النظام السياسي الروسي واحتفظت بمعظم المؤسسات الرسمية وغير الرسمية من النظام القديم. في 1993، كان أعضاء الحزب الشيوعي السوفييتي السابق يشكلون ما يتراوح بين 80 إلى 90 بالمئة من النخبة السياسية في روسيا. في بولندا، في المقابل، كان الرقم المماثل 30 بالمئة. وكان في إستونيا 44 بالمئة، وفي ليتوانيا 47 بالمئة.

لذلك بدلاً من أن تشهد انتقالاً ديمقراطياً، مرت روسيا بفترة من الضعف السلطوي- لكن حتى ذلك لم يدم طويلاً. ظلت النومنكلاتورا موجودة، وخدم نفوذها كقاطرة لعودة الأوتوقراطية. لقد شهد العقد الأول من الألفية طفرة عالمية في أسعار السلع الأولية ملئت خزائن الحكومة ومَكَّنت الكرملين من إعادة بناء مقدرة الدولة، لكي يسارع بوتين بالرِّدة عن معظم "تعددية الأمر الواقع" التي ازدهرت في عهد يلتسن. وهو ما رحبت به أغلبية النخب الروسية، التي كان يُسعدها أن ترى نهاية للفوضى التي وصمت حقبة يلتسن وأن تعود إلى طريقة الحياة السوفييتية المألوفة لها. لم يكن للمجتمع المدني وجود يُذكر؛ وما كان باستطاعته أن يقاوم حركة النكوص إلى الماضي. وفي غياب مؤسسات ديمقراطية قادرة على العمل أو معارضة منظمة، كان الكرملين طليق اليدين لكي يسيء استخدام السلطة كيفما شاء. واكتسبت هذه العودة إلى الأوتوقراطية نكهة سوفييتية لاذعة حين نكصت النومنكلاتورا، التي عرفت كيف تنجو على قمة الهرم السياسي الروسي، إلى أنماط السلوك الماضية المألوفة.

من الملاحظ أن البلدان التي تعرضت فيها الأوتوقراطية لصدمات أضعفت من مقدرتها على الهيمنة المركزية، لكنها كانت في الوقت نفسه تفتقر إلى الشروط الهيكلية المواتية لنمو وتثبيت الديمقراطية، قد مرت كذلك بتفاعل ديناميكيات مشابهة. وهو ما قد صدق في العديد من البلدان الأفريقية مثلما في الفضاء السوفييتي السابق. وقد شملت الموجة العالمية الحالية من الانتكاس الديمقراطي حالات للعودة إلى الأوتوقراطية في بلدان حيث لم تزد التغييرات الديمقراطية أبداً عن مجرد مظاهر تجميلية في طبيعتها. وتميل الحالات المنتكسة إلى أن تكون البلدان التي تعيش في أعقاب ما يسميها كل من ستيفن ليفيتسكي ولوكان واي "اللحظة الديمقراطية" التي تأتي وتنقضي لأن الشروط اللازمة لديمومتها كانت مفقودة. بهذا المغزى، لم تكن الانتكاسة الديمقراطية الروسية فريدة من نوعها. كانت الرياح معاكسة بشدة لسفينة الديمقراطية هناك وما كانت لتنقذها بضعة مظاهر من الديمقراطية الشكلية. هكذا، حتى لو كان يلتسن قد اختار يفغيني بريماكوف بدلاً من بوتين في 1999، ما كان يُرجح أيضاً أن تنجو الديمقراطية الروسية.

هناك عدة استنتاجات مما سبق جديرة بالتشديد عليها.

أولاً، الدراسات حول حالات الانتقال الديمقراطي تركز أكثر من اللازم على الزعماء الأفراد. بينما لكي نفهم هذه الانتقالات بشكل أفضل، يجب أن نعطي وزناً أكبر لتركيبة النخبة. وجدير بالذكر أن الزيادة الملحوظة في قواعد البيانات المركزة على النخبة خلال السنوات الأخيرة قد سهلت كثيراً من هذه المهمة، وهو ما يمنحنا القدرة على التنبؤ بدرجة أكبر من الموثوقية باحتمالات نجاح أو فشل الانتقال الديمقراطي في دولة ما.

ثانياً، إذا كان للمؤسسات الديمقراطية أن تنشأ وتُثَّبت أقدامها، لابد من توفر تدوير للنخبة. وإحقاقاً للحق، لا يمكن تفادي درجة ما من تسرب النخب من النظام القديم إلى سدة هياكل السلطة الجديدة، لأن استئصال مثل هؤلاء الأشخاص كلياً (حتى لو كان ممكناً) قد يكون ضرره أكثر من نفعه: سيتحولون إلى مفسدين غاضبين لديهم من الوسائل والقدرات لقيادة رد فعل شامل مضاد للديمقراطية. كما أن المحافظة على قدرة مؤسسات المجتمع على مواصلة العمل كما اعتادت دائماً يتطلب بعض الاستمرارية في موظفي البيروقراطية. لكن، في الوقت نفسه، قد يكون تمكين نخب النظام القديم من الهيمنة على المستويات العليا في النظام الجديد وصفة مُجَرَّبة للإخفاق الديمقراطي. عندئذ لن تُصلح المؤسسات من نفسها، وستفشل القواعد والوسائل الديمقراطية الجديدة في تثبيت مبادئها. وبناءً عليه، يعتبر الضغط من أجل درجة ما من تدوير النخبة أمراً مستحباً. وهنا يستطيع صناع السياسة الغربيين مد يد المساعدة من خلال، على سبيل المثال، فرض شروط على المعونة الاقتصادية المقدمة للأنظمة الجديدة.

أخيراً، تعتبر استمرارية النومنكلاتورا على سدة المشهد السياسي الروسي واحدة من أعراض مزمنة أخرى في المجتمع الروسي. لقد وجدت البلدان ما بعد الشيوعية التي كانت تأوي حركات مدنية حية وتقاليد ليبرالية ما قبل شيوعية أن تدوير النخبة أسهل في التحقيق. بينما كانت روسيا ما بعد السوفييتية مُفرَّغة من ذلك، تماماً كما افتقدت إلى مستوى التطور وتقاليد بناء الوطن والروابط مع الغرب التي امتلكتها حالات أخرى أكثر نجاحاً للتحول الديمقراطي. أكثر من ذلك، كانت سبعون عاماً من الحكم الشيوعي قد تركت بصمتها التي لا تنمحي على المجتمع الروسي، الذي كانت تعوزه بدرجة كبيرة المجموعات الاجتماعية (مثل أصحاب الأملاك الخاصة، والرأسماليين والفلاحين والعمال المنضوين في نقابات والموظفين المستقلين) التي أخذت بيد حالات الانتقال بعيداً عن السلطوية في أمريكا اللاتينية وجنوب أوروبا، ووفرت الأساس لنمو المعارضة الديمقراطية في تلك المناطق. بينما الحركات المدنية الروسية لم تزد عن أكثر من حفنة من المثقفين المناصرين للديمقراطية المبعثرين عبر أحياء بضعة من المدن الكبرى. وفي ظل عدم وجود سوى هذه القوة الضعيفة لتقف أمامها، لا عجب أن تشق النومنكلاتورا طريقها بسهولة إلى ذروة هرم السلطة بأريحية وأمان. ولا تزال روسيا بعد مضي ثلاثون عاماً تُظهر العديد من نفس هذه الأعراض المزمنة، وهو ما ينبغي أن يُخَفض من سقف التوقعات حول احتمالات تحولها إلى الديمقراطية في أي وقت قريب.

الخاتمة

في العادة يلقي الباحثون باللائمة عن عودة روسيا إلى الأوتوقراطية مؤخراً على أخطاء اقترفها زعماء أفراد: يلتسن أو بوتين. هذه المقالة تشكك في مثل هذه التأويلات، وتذهب، بدلاً من ذلك، إلى القول بأن روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي لم تشهد انتقالاً ديمقراطياً بل ضعف مؤقت للدولة (القيادة الحاكمة حينها). ومن الأدلة على ذلك عدم تدوير النخبة والاحتفاظ بنفس النوعية من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية التي قامت عليها المنظومة السياسية الروسية في الماضي. وبناءً عليه، كانت عودة المشهد السياسي الروسي إلى الأوتوقراطية فيما بعد مسألة وقت لا أكثر.

لو كانت روسيا قبل ثلاثة عقود خلت، بعد فترة وجيزة من التفكك السوفييتي، ديمقراطية (حتى لو ضعيفة وناشئة لا تزال)، من أو ماذا أفشلها؟ هل كان الرئيس بوريس يلتسن، حين قرر في أكتوبر 1993 أن يسحق معارضيه بالقوة، وضغطه باتجاه دستور يمنح صلاحيات واسعة للسلطة التنفيذية، واختياره الكارثي لفلاديمير بوتين خليفةً له؟ هل لو كان يلتسن قد اختار شخصاً ما آخر، هل كانت الأمور ستختلف في روسيا اليوم؟

الإجابة، على ما أخشى، قد لا نجدها في شيء على قدر من السطحية مثل قيادة سيئة. ويصبح السؤال "من أضاع روسيا" بلا معنى لأن روسيا، من وجهة نظر الديمقراطية، لم "تُكْسَب" حقاً إلى المعسكر الديمقراطي قط. لقد انهار الاتحاد السوفييتي في عام 1991، لكن لم يحل محله انتقال ديمقراطي حقيقي. بدلاً من ذلك، بقي النظام الشيوعي السابق في مكانه، مع القليل من مظاهر التحول الشكلية: نفس الذئب السوفييتي القديم لكن في هندام جديد. لقد بقيت المجموعات والمؤسسات الحاكمة من الحقبة الشيوعية في مواقعها إلى حد بعيد على قمة الهرم السياسي الروسي. الاستثناء الوحيد كان- أو كان ينبغي له أن يكون- هو اقتصاد السوق، لكن حتى هناك استحوذت النخب القديمة لأنفسها على الأصول والمواقع الأكثر ربحية. هكذا كانت عودة روسيا إلى الأوتوقراطية في نهاية المطاف مجرد مسألة وقت.
____________________________
ترجمة: عبد المجيد الشهاوي
رابط المقال الأصلي: https://www.journalofdemocracy.org/articles/why-russias-democracy-never-began/

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت