لماذا لم تنجح روسيا في الانتقال إلى الديمقراطية (3)

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2023 / 8 / 28

أسواق جديد، بهياكل قيادة سوفييتية قديمة

مع بداية التسعينات، كان الوضع الاقتصادي الروسي قد بلغ من السوء مداه. في 1992، أثناء تولي يلتسن رئاسة الوزراء، لجأ ايجور جيدار إلى حزمة إصلاح تنتهج تقنية "العلاج بالصدمة"- الإنهاء الفجائي للضوابط السعرية، تحرير التجارة، تثبيت العملة، خفض الموازنة العامة، وبيع أصول الدولة- بغرض تحويل دفة الاقتصاد السوفييتي المنهار نحو اقتصاد السوق الحر.

إلا أن استمرارية النخبة السوفييتية في نفس مواقعها تسببت في تشويه الإصلاحات الاقتصادية والرأسمالية الروسية الوليدة. في الواقع، كانت الدولة تُخَصخِص نفسها بنفسها، وفي الوقت نفسه تُجيز لمسؤولي الدولة تحقيق أقصى درجات الاستفادة من هذه العملية. لذا كان من الملاحظ أن علاقات السوق في الدولة الروسية الجديدة اعتمدت في الغالب على نفس شبكات القوة والنفوذ ونفس ممارسات الحوكمة غير الرسمية الموروثة من الأزمنة السوفييتية. كانت روابط المرء واتصالاته وعلاقاته بالنظام القديم هي كلمة السر والمفتاح لبوابة العبور إلى المشاريع والفرص الاقتصادية. وكان أعضاء النومنكلاتورا (ومعظمهم يعيشون في موسكو) يملكون من الصلات والمعارف الشخصية ورأس المال ما يكفي لاقتناص الفرصة، وذلك بالنظر إلى أنهم إما احتفظوا بنفس مواقعهم العامة القديمة لكي يستخلصوا بفضلها إتاوات طائلة من الاقتصاد الخاص الناشئ، أو انتقلوا من مواقعهم تلك إلى فرص أكثر ربحية في قطاع المال والأعمال. كان المديرون العموم يستحوذون على حصص ومصالح مالية في شركات الدولة التي كان يتم خصخصتها تحت قيادتهم وإشرافهم.

البيانات تؤكد ذلك. فمن أصل 296 من أباطرة المال والأعمال الروس في الموجة الأولى بعد الشيوعية، كان 43 بالمئة منهم من ذوي خلفيات تعود إلى النومنكلاتورا السوفييت. وكان الأفراد الذين يديرون الشركات المملوكة للدولة في 1993 هم إلى حد بعيد نفس الأشخاص الذين كانوا يديرون تلك الشركات قبل عام 1991، وزهاء ثلثي نخبة رجال المال والأعمال من القطاع الخاص في عام 1993 كانوا أعضاء سابقين في الحزب الشيوعي السوفييتي. وما يصل إلى 61 بالمئة من المستثمرين الجدد كانوا قد سبق لهم العمل لصالح الدولة السوفييتية، وحتى من نسبة الـ 39 بالمئة المتبقية كان أكثر من النصف ينتمون إلى عائلات تعود أصولها إلى طبقة النومنكلاتورا.

لم يكن للانتقال من يلتسن إلى بوتين أي أثر عكسي على استمرارية الأوليغارشية ذات الروابط القوية مع طبقة النومنكلاتورا من الحقبة السوفييتية. وفي 2001، كان 41 بالمئة من كبار رجال الأعمال الروس قد سبق لهم العمل ضمن الهيكل الحكومي السوفييتي. وكانت شريحة كبيرة من نسبة الـ 59 بالمئة المتبقية ترتبط بصلات عائلية أو أخرى بأعضاء من طبقة النومنكلاتورا.

ظلت الشركات الروسية الناشئة تعتمد بشدة على ما تتفضل وتنعم به الحكومة الروسية عليها من فوائد وامتيازات. ومن ثم وجد الرأسماليون الجدد مصالحهم تتقاطع وتتلاقى بقوة من مصالح المسؤولين الحكوميين، الذين جمعت بينهم بالفعل قيم وأصول النومنكلاتورا المشتركة. هكذا، على عكس ما تصبوا إليه نظرية التحديث، لم تكن طبقة رجال المال والأعمال الروسية الناشئة أبداً القوة الصالحة لإطلاق التحول الديمقراطي. بل على العكس، لم تدخر هذه الطبقة الجديدة وسعاً لإجهاض التوجهات الديمقراطية وعرقلة محاولات الإصلاح- ومن ضمنها مجهودات الاستقرار الاقتصادي والخصخصة- خشية من انطلاق هذه التوجهات بسرعة أكبر من اللازم أو في اتجاهات قد تؤدي بهؤلاء المسؤولين وحلفائهم من رجال الأعمال إلى مكاشفة ومحاسبة تجلب لهم المتاعب.

النومنكلاتورا يردون الصفعة

على خلفية احتفاظ الأباراتشيك (مسؤولي الحكومة) السوفييت بقبضتهم على سدة المشهد السياسي الروسي، لم تُحدث صدمات مثل انهيار الاتحاد السوفيتي للجمهوريات الاشتراكية وضعف الدولة في بدايات التسعينات أثرها في إضعاف نفوذهم. بل نلاحظ عودتهم بعد عقد من الزمن لاسترداد مكانتهم السابقة وتثبيتها. وتعبيراً عن غضبهم من فقدان مكانتهم الاجتماعية في روسيا الجديدة ما بعد السوفييتية، كانت هذه المجموعات "تنضح بأفكار وتوجهات النظام القديم الكارهة للتغيير، وبحنين العودة إلى مكانة الإمبراطورية والقوة العظمى التي خسرتها روسيا". وعلى حد قول نائب رئيس الوزراء سيرغي شاخراي، "أغلبهم قد خلعوا بذلتهم الشيوعية لكنهم لم يتغيروا، لهذا السبب، إلى أشخاص مختلفين." استمرت عقلية الأباراتشيك (الموظفين الحكوميين السوفييت)، كما استمرت أنماط السلوك والرغبة في المحافظة على طريقة الحياة الآمنة والمتميزة الماضية. والحال كذلك، لا عجب، إذن، أن تجد استعادة الأساليب التقليدية لطريقة عمل الدولة الروسية ترحيب ودعم النومنكلاتورا الروس.

لذلك، بمجرد أن خَلَّفت الإصلاحات آثارها المؤلمة على عموم الشعب وتراجعت بسبب ذلك شعبية الرئيس الإصلاحي بوريس يلتسن عبر البلاد، عندئذٍ حانت اللحظة لكي تضغط المجموعات المرتبطة بالنومنكلاتورا لكي يوقف الإصلاحات ويعزل المصلحين الأساسيين. في ديسمبر 1992، أجبر مجلس السوفييت الأعلى بأغلبية كبيرة من الأباراتشيك يلتسن لكي يقيل جيدار ويُسمى بدلاً منه لرئاسة الوزراء فيكتور تشيرنوميردين، العضو المخضرم السابق لثلاثين سنة في دهاليز الحزب الشيوعي السوفييتي وصاحب الروابط المتينة بعناصر النظام القديم. وبحلول منتصف العقد، كانت الرِّدة التي هَندَّسها ما يسمى حزب النومنكلاتورا قد بدأت تؤتي أوكلها، حين تباطأت الإصلاحات الداخلية وبدأت السياسة الخارجية تأخذ منحى أكثر عدوانية وحتى انتقامية. ثم جاءت اللحظة الرمزية بتاريخ 24 مارس 1999، حين سمع رئيس الوزراء يفغيني بريماكوف (خليفة تشيرنوميردين) بخبر شروع الناتو في قذف يوغوسلافيا بينما كان في طريقة إلى واشنطن لزيارة دولة. أمر طائرته بتغيير المسار من فوق الأطلسي والعودة إلى موسكو.

ثم اكتسب هذا المنحى قوة أكبر لدى تولي الرئيس الحالي فلاديمير بوتين السلطة بنهاية العقد وبداية الألفية الجديدة. في بداية عهده، أدى النمو الاقتصادي والارتفاع في أسعار النفط إلى تحسين ماليات الدولة ومقدرتها التنظيمية، وهو ما زاد من معدلات الشعبية والتأييد العام للكرملين. لم تعد هناك حاجة بعد للتسامح مع التعددية الموروثة من حقبة يلتسن. لذلك شرع بوتين في القضاء على مراكز القوى التي برزت إلى السطح أثناء ضعف المركز الاتحادي، وأعاد بسط سيطرة المركز على الأقاليم، واستقطب إليه أقطاب القطاع الخاص ووسائل الإعلام المستقلة، وقمع المعارضين، وتلاعب في الانتخابات لدرجة ما كان يتخيلها أحد قبل عشر سنوات فقط.

جاء رد النخب السياسية الروسية على عودة بوتين لانتهاج الأوتوقراطية هزيلاً. بالنسبة لهم، كان ذلك يعني العودة لنفس قواعد اللعبة الواضحة والمألوفة في الماضي- من الآن فصاعداً سيصبح المستقبل قابلاً للتنبؤ به والتحكم فيه مجدداً. انتهى تيه عدم اليقين وعدم الاستقرار الذي وصم حقبة يلتسن. لقد استعاد بوتين الهرمية البيروقراطية التي تحفظها النخب الروسية عن ظهر قلب وتجيد التعامل معها والتربح من ورائها. وهو ما جعلهم يشعرون براحة وطمأنينة أكبر يفتقدونهما منذ سنوات.

تلك كانت ولا تزال هي العناصر البارزة في مشروع بوتين. بدلاً من خلق مؤسسات جديدة من الصفر، اختار بوتين أن يستعيد نفس هياكل الدولة القديمة رغم ما أصابها من وَهَن سطحي، بحالتها دون إصلاح وبث الحياة فيها مجدداً. وكان من دواعي غبطة النومنكلاتورا الروس أن يعودون أدراجهم إلى نفس هياكل الحكم وأساليب التعيينات والتوظيف والمناهج الإدارية المفطورين عليها منذ نعومة أظافرهم من الأيام السوفييتية الخوالي، ولو في صورة أكثر حداثة وتكنوقراطية.

على سبيل المثال، كان بوتين قد وضع المجلس التشريعي تحت سيطرة شبه كاملة لحزبه روسيا الموحدة بعد سنوات قليلة من رئاسته. وكان حزب روسيا الموحدة لا يواجه معارضة برلمانية تُذكر فحسب، بل تحولت اجتماعاته الداخلية أيضاً إلى ما يشبه مؤتمرات الحزب الشيوعي السوفييتي: حيث تُتلى قوائم طويلة من الإنجازات، وتدوي عواصف التصفيق الحار، وتُمرر القرارات بالإجماع، وتنهال أغلظ الأيمان من نُخب الحزب بالولاء للزعيم و"خطه العام." كذلك كان ميل بوتين لتعيين الضباط العسكريين والأمنيين في أعلى المناصب السياسية من التقاليد الموروثة من الممارسات السوفييتية القديمة. وهكذا أصبح المجلس الأمني لبوتين يتشابه من حيث الحجم والهيكلية مع المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي أكثر من تشابهه مع المجلس الأمني في عهد يلتسن. ووفقاً لتقديري الشخصي، قد داوم مجلس الأمن الروسي في عهد بوتين باستمرار على تعيين ما لا يقل عن 70 بالمئة من أعضائه من أشخاص ذوي خلفيات النومنكلاتورا. وشملت العناصر الأخرى لاستعادة الماضي السوفييتي الطبيعة الانعزالية المتقوقعة والمنغلقة على نفسها بازدياد للنخبة، والمضاعفة المطردة في امتيازاتها، وتوجهها الأبوي والتسلطي في تعاملاتها مع الشركات والأعمال الخاصة، وسعيها الدؤوب لإعادة تأميم الاقتصاد، وحتى استعادة رموز سوفييتية مثل النشيد الوطني السوفييتي وصور ستالين. ويلاحظ أن هذا المنحى قد اكتسب زخماً وبروزاً أكبر منذ غزو بوتين لأوكرانيا في 2022.

إن هذه العودة الروسية إلى الأوتوقراطية والتي تبدو بازدياد مشابهة للعودة إلى الحقبة السوفييتية غير مستغربة على الإطلاق بالنظر إلى استمرارية أعضاء النومنكلاتورا السوفييت على أعلى المستويات عبر المشهد السياسي الروسي. كل ما هنالك ببساطة أن الأباراتشيك السوفييت، وهم مجموعة تحظى بتمثيل واسع ضمن النخبة الروسية المعاصرة، عادوا أدراجهم إلى الأنماط المألوفة. وقد بَيَّنَ تحليل أجريته بنفسي أن من أعلى مئة عضو من النخبة السياسية في عهد بوتين خلال الفترة من 2010 إلى 2020، كان حوالي 60 بالمئة قد بدأوا حياتهم العملية وهم أعضاء في النومنكلاتورا السوفييتية أو كان أحد والديهم عضواً فيها. ومن الملاحظ أن عملية الإحلال داخل النومنكلاتورا تتم بالتدريج، حيث يُفسح الجيل الحالي ببطء الطريق أمام الجيل القادم. وهو ما يعكس الطبيعة المستقرة للنظام نظراً لغياب المكون الثوري من تركيبة النخب. لذلك، بعد ثلاثين عاماً من سقوط النظام السوفييتي، لا تزال نُخبة صغيرة لم يسبق لها قط في الأزمنة السوفييتية أن شكلت أكثر من كسر ضئيل من مجمل السكان هي القابضة بيد من حديد على السلطة والمكانة الاجتماعية في روسيا ما بعد السوفييتية.

إما السقوط أو الانتقال

____________________________
ترجمة: عبد المجيد الشهاوي
رابط المقال الأصلي: https://www.journalofdemocracy.org/articles/why-russias-democracy-never-began/

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت