آتى اليوم الموعود للأمم (8)

راندا شوقى الحمامصى
2023 / 8 / 28

الآلهة الثلاثة الزائفة

نعم لا تزال القوة الحيوية تموت بعد أن لُعن هذا السبب القوي وأظلم هذا النور الباهر وهُجر هذا المعقل الحصين وأطرح هذا الثوب الجميل. بل إن الله نفسه قد خُلع عن عرشه في قلوب الناس وأخذ العالم الوثني يعبد ويمجد تمجيداً حاراً صاخباً آلهة كاذبة صوّرتها له خيالاته الباطلة وهلّلت لها أيديه الضّالة تهليلاً فاسقاً. وما الأصنام المهمّة في معبد البشرية الدنس إلا الآلهة الثلاثة: القومية والجنسية والشيوعية تلك التي طفقت الحكومات والشعوب تعبدها الآن على درجات متفاوتة، ديمقراطية أكانت هذه الشعوب أم دكتاتورية، في السلم كانت أم في الحرب، في الشرق كانت أم في الغرب، مسيحية كانت أم إسلامية. أما بطارقة هذه الآلهة فهم السياسيون والمتضلّعون في الحكمة الدنيوية أو من يسمّون أنفسهم بفلاسفة العصر، وأما قربانها فأشلاء الجموع المذبوحة، وأما أناشيدها وأورادها فالشعائر العتيقة والرسوم المضرّة القبيحة؛ وأما بخورها فدخان البلاء المتصاعد من القلوب الجريحة الكسيرة: قلوب المحزونين والعجزة والمشردين. أما النظريات والسياسات السقيمة المنحطة التي تتحدى الدولة وترفع من قدر الأمة إلى ما فوق الجنس البشري أو تحاول أن تخضع أجناس العالم الأخرى تحت سيطرة جنس واحد أو تميز بين الأسود والأبيض أو ترتضي سيادة طبقة واحدة ممتازة على الطبقات الأخرى - فهي المبادئ السوداء الكاذبة المعوجة التي سوف يستثير بها كل فرد أو كل شعب يؤمن بها أو يعمل بمقتضاها غضب الله وانتقامه إن عاجلاً وإن آجلاً.

وإليك التحذير الذي نطق به عبدالبهاء حين قال: "ستبذل الحركات الجديدة العامة كل قوّتها في تنفيذ مقاصدها وسيعلو أمر حركة الشمال (اليسار) علوّاً كبيراً وينتشر نفوذها."

هذه المبادئ التي تبعث على الحروب وتشلّ أوصال العالم تناقض الحقائق المبرئة المنقذة الزاخرة التي أعلنها بهاءالله منظم أمر الجنس البشري جميعاً ومخلصه مما هو فيهوتعارضها معارض لا يرجى لها اتفاق - وهي حقائق يجب أن تعد القوة المحركة والعلامة الفارقة لظهوره: "يعدّ العالم في الحقيقة وطناً واحداً ومن على الأرض هم أهله"، "ليس الفخر لحبكم أنفسكم بل لحبّ أبناء جنسكم". وقال: "كلكم أثمار شجرة واحدة وأوراق غصن واحد"، "أبذلوا أفكاركم وعقولكم في تربية الملل وأقوام الأرض، لعل ... جميع الجنس البشري يصبح حامي نظام واحد وساكن مدينة واحدة ... أنتم تسكنون في دنيا واحدة وجئتم إلى الوجود بإرادة واحدة"، "إياكم أن تفرقكم شئونات النفس والهوى كونوا كالأصابع في اليد والأركان للبدن". وقال مرة أخرى: "كل شجيرات الأرض من شجرة واحدة، وكل القطرات من بحر واحد وكل الكائنات من كائن واحد"، وقال كذلك: "الإنسان اليوم هو من يقوم بخدمة جميع من على الأرض."


ضعف أركان الدّين

لا ينبغي أن تعدّ اللادينية ونتاجها البشع هو اللغة المثلة (؟) التي ترهق روح الجنس البشري في يومنا الحاضر مسؤولة وحدها عن البلايا التي تحدق به إحداقاً محزناً بل ينبغي أن ندخل في حسابنا شروراً ورذائل أخرى هي في معظمها نتائج مباشرة "لضعف أركان الدين" باعتبارها عوامل مساعدة في الجريمة المركّبة التي يتهم بها الأفراد والأمم وعلامات الإنحطاط الخلقي الناتج من خلع الدين عن العرش وإحلال هذه الأصنام المغتصبة محله تبلغ من الكثرة والوضوح بحيث لا يمكن لأحد أن يخطئها حتى ولا الملاحظ العابر للأوضاع الإجتماعية الحاضرة. ومما لا يزال يجلل بالسواد السجل الذي رقمت فيه جرائم إنسانية لا تتوب، تفشي خرق القوانين، وشرب المسكرات، ولعب القمار، وارتكاب الجرائم، والحب المسرف للذّات والشهوات والثروة والزخارف الدنيوية الأخرى، وتفسّخ الأخلاق الذي يتجلى في المسلك النزق حيال الزواج، وضعف الرقابة الأبوية، وارتفاع نسبة الطلاق، وانحطاط مستوى الأدب والصحافة، واعتناق نظريات هي بعينها ضد الطهارة والفضيلة والعفّة وهي شواهد تدلّ على الاضمحلال الخلقي وتغزو ربوع الشرق والغرب وتتسلل إلى كل طبقة من طبقات المجتمع وتنفث سمومها في أفراد الجنسين شيباً وشبّاناً.

فلا عجب إذا رأينا بهاءالله الطبيب الإلهي يعلن قائلاً: "في هذا اليوم تغيّرت أذواق الناس وتبدّلت قوى إدراكهم كما بعثت رياح الدّنيا المخالفة وألوانها المختلفة الزّكام إلى الأنوف فحرمت الناس من نفحات الظهور."

طافحة مُرّة حقّاً هي كأس الإنسانية التي عجزت عن أن تستجيب لنداء الله كما نادى به مظهره الأسمى وأخمدت مصباح إيمانها بخالقه وحوّلت الولاء المقتصر عليه وحده إلى الآلهة التي صنعها خيالها تحويلاً ليس بالقليل ولا باليسير ودنّست نفسها بالشرور والرذائل التي لا بد لمثل هذا التحويل أن يولّدها بالضرورة.

أيها الأحباء الأعزاء ...

على هذا الضوء يجب علينا -نحن أتباع بهاءالله- أن ننظر إلى عقاب الله هذا الذي طفق ينزل في السنوات الختامية من القرن الأول من التقويم البهائي بعامة الجنس البشري وأخذ يلقى مثل هذا الإضطراب المحيّر في شؤونه كافة، وما أطبق هذا العقاب الشديد ببراثنه عليه إلا لجريمته المزدوجة وبسبب الأمور التي فعلها والأمور التي أغفلها وإساءاته وعجزه البيّن عن القيام بواجبه الواضح الجليّ نحو الله ومظهره ودينه. إلا أن الله لا يعاقب أبناءه لأنهم أساءوا كما بيّنا في صدر هذه الصحائف فقط، بل يعاقب لأنه عادل ويؤدب لأنه محب ودود. أما وقد أدّبهم فإنه لفرط رحمته بهم لا يريد أن يتركهم وشأنهم. والواقع أن تأديبه إياهم إنما يهيّئهم للمهمة التي خلقهم من أجلها. وهو يؤكد لهم هذا على لسان بهاءالله فيقول: " بلائي عنايتي ظاهره نار ونقمة، وباطنه نور ورحمة." فالنيران التي أجّجها عدله الإلهي تطهّر الإنسانية الغافلة الآثمة وتصهر عناصرها المتنافرة المتنازعة كما لا يستطيع أي عامل آخر أن يغفل أنها ليست ناراً إنتقامية مخرّبة فقط بل هي أيضاً عملية نظامية تقدّمية غايتها الخلاص والتطهير، وهي تتذرّع إلى غايتها هذه بتوحيد الكوكب بأسره والله يتم خطته إتماماً خفيّاً بطيئاً لا هوادة فيه ولا شفقة. وإن كان المنظر الذي يواجهنا اليوم منظر عالم متعثّر في شباكه وحبائله، غافل غفلة تامة عن الصّوت الذي ظلّ يدعوه إلى الله قرناً كاملاً، خاضع خضوعاً مخزياً إلى صوت الزبانية الذين يزينون له التردّي إلى أعماق الجحيم.

غايـــة اللـــــه

وما غاية الله إلا أن يفتح العصر العظيم، العصر الذهبي بين يدي إنسانية طال عهدها بالانقسام والعذاب؛ وذلك بوسائل هو وحده القادر على إيجادها وهو وحده القادر على أن يدرك كنهها. حقّاً إن حالتها الراهنة بل ومستقبلها المباشر المظلم محزن، إلا أن مستقبلها البعيد متألق مجيد التألق يبلغ من التألق حدّاً لا تستطيع عين أن تستجليه.

ولقد كتب بهاءالله وهو يستعرض مصائر الجنس البشري المباشرة فقال: "تهبّ رياح اليأس من جميع الجهات وتهيج، وتزداد انقلابات العالم واختلافاته يوماً فيوماً. وتتجلى آثار الهرج والمرج لأن الأسباب الموجودة (للأنظمة القائمة) الآن لا تغني ولا ترضي." وأعلن في موضع آخر فقال: "تبلغ الحال شأنا لا يسمح المقام بذكره." إلا أنه من الناحية الأخرى تأمل مستقبل الإنسانية فتنبّأ تنبّؤ الواثق في سياق حديثه مع المستشرق إدوارد ج. براون المتخصص في الآداب الفارسية فقال: "ستزول هذه الحروب العقيم والنزاعات المدمرة ويأتي السلام الأعظم." ... يجب أن تكفّ هذه المنازعات والمجازر والفتن ويصبح الناس جميعاً قبيلاً واحداً وأسرة واحدة." وتنبّأ فقال: "سوف يطوى بساط الدّنيا ويبسط بساط آخر." وكتب أيضاً فقال: "بعد حين سوف تتغيّر كل حكومات الأرض ويعمّ الظلم العالم وبعد الشدّة العامة تشرق شمس العدل من أفق الغيب." وقرر زيادة على ذلك فقال: "ترى الأرض اليوم حاملة وعما قريب تشاهد أثمارها المنيعة وأشجارها الباسقة وورودها المحبوبة ونعمها الجنية." وكذلك كتب عبدالبهاء فقال: "يصبح جميع الملل والقبائل.. ملة واحدة ويتلاشى النزاع الديني والمذهبي والتباين الجنسي والنوعي والاختلاف الوطني، ويصبح الجميع على دين واحد ومذهب واحد وجنس واحد وقوم واحد ويسكنون في وطن واحد هي الكرة الأرضية."

وما الذي نشاهده في هذه الآونة وهي "أخطر أزمة في تاريخ الحضارة" تعيد إلى الأذهان الأوقات التي "تموت الأديان فيها لتولد أخرى" - إلا أن مرحلة المراهقة من مراحل تطور الإنسانية البطئ العسير - مرحلة النضج التي يكمن الوعد بها في تعاليم بهاءالله ويستقر في نبوءاته، وما هياج عصر الإنتقال هذا إلا خاصة من خصائص غرائز الشباب الطائشة الحادة بمهازله وإسرافه وغروره واعتداده بنفسه وتمرّده واحتقاره النظام.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت