في إشكالية العقل والتعقل عند الإنسان

عباس علي العلي
2023 / 8 / 27

إشكالية العقل والتواصل بين الناس من منظومة الفكر والتفكر تظهر لنا أنماطا متعددة من العلاقات البينية، منها ما هو متقارب لكنه يحتفظ بنوع من الاستقلالية والتأني ومرد ذلك أن الأفكار الحقيقية والجادة والمؤسسة لما بعدها، لا تنتقل بذات السرعة التي تنتقل بها بقية الأفكار البسيطة أو المعتادة والتي من سهولها تعبر الحواجز والتحفظات، هناك نمط أخر من الأفكار التي تحمل معها رؤيا بعيدة وأستراتيجية معقدة لكنها تبني حلول وتتوسم مستقبلا تريده متحركا وحرا، وهذا أيضا من الصعب أن يتعايش في مجتمع يسلم بحقيقة القضاء والقدر مثلا أو تتبنى مقولان ليس بالإمكان أفضل مما كان، هنا أيضا تتعثر هذه الأفكار أولا لأن حجمها ومقدار تأثيرها لا يتناسب ولا يتوافق مع القدرة العقلية العامة والخاصة، وقد لا تنجح في بناء وجود لها، عملية بناء عقل في مجتمع أضاع مفاتيحه الكبرى أو تغرب عن ضميره، عملية من الصعب أن تتم بشكل طبيعي، فصنع العقل الواعي الإيجابي تماما مثل خلق انسان جديد من طين غير مستعمل سابقا.
هناك نمط أخر من العقول السائدة والتي تحمل نوعا من القدرة على التجاوب وهو العقول التي تشكك ثم تمتحن ثم تقبل بما يصلها، هذه النمطية نادرة لكنها موجودة وتزداد مع إزدياد عوامل التحرر والتعليم وأحترام الذات، وهي تقريبا لشكل الجزء المهم من الواقع الفكري والمعرفي، ومع أن هذا النمط ينمو ببط وينتشر بهدوء لكنه في الغالب مقموع ومغيب، ومحارب من الكثير من ما يسمى بالوسط الفكري السلطوي والاجتماعي المهيمن الذي يسعى لفرض معادلاته وقوانينه على لعقل الجمعي بأي طريقة، إن ارتباط السلكة بكافة مفاصلها بفكرها وأيديولوجيتها تفرض نوعا من المحددات والمحرمات على بقية الأفكار والعقول المنافسة والمناظرة.
الغريب للمتتبع للواقع العقلي والفكري هو ما نشاهده من هيمنة عجيبة عليه من قبل ما يعرف بالغوغاء المرددون لأفكار ثابتة لا تتزحزح برغم هزيمتها، أولئك القشريون أو الذين يتعاملون مع الظاهر المحسوس دون أن يفهموا تركيبة الفكر والعلاقات التي تربط أجزاءه أو تربطه بالمجتمع، ويبقى العقل السطحي القشري هو السائد والحاضر الاكبر في الواقع، وهو الذي يملأ الواقع ضجيجا وانشغالا دون أن يقدم فكر أو يصنع رؤيا، ولأنه عقل تبريري انتقادي مستفز، تجده في كل فكرة يدافع عن نفسه وكأنه المدان، ذلك لأنه لا يملك القدرة على الاستيعاب والهضم وتطوير الفهم، فلا يغرنك من يحمل هذا العقل فالفيل والعصفور كلاهما يحمل دماغا وعقلا مختلفا، ولكنهما بتصرفات به بذات الطريقة، العقل العميق المركب الراشد يقلب الفكرة على سبعين وجها حتى يقرر الرد، أما عقول السطحين فإنها قبل أن يكمل القراءة قد كون ردا كاملا مؤطرا غير قابل للنقاش، وهنا نقع في المصيبة أن من يتكلم سيتهم بالجهل والتخلف والفراغ والهذيان وربما بالكفر ايضا.
فمثلا حينما يسعى فكر ماضوي متحجر على مقولاته مهزوم بالعجز وعدم القدرة على أن يعي إشكاليته الذاتية من أن يتحرك في فضاء الزمن وحرية التطور، هنا ينشط بقوة مدعوم من عقلية جمعية مماثلة له ومؤيده بكل قوة لفرض نمط من الثقافة السلبية الإنهزامية التسليمية الخانعة للواقع، والمستجيبة لكل عوامل التقهقر والنكوص، بحجة أن الماضي لا يمكن أن يتكرر أو يتطور لأنه وليد فرصته النادرة والتي لا يمكن صناعتها مرة أخرى وهو النموذج الأرقى و الأبقى الذي يجب أن يسود، هنا على الفكر الحر والعقل المستنير أن يغادر موقع المتفرج أو الناقد الكلاسيكي ليقود ثورة القيم الفكرية بروح الإصلاح والتأسيس المستجد، وأن يحمل مسئولية النهوض بالواقع وتغييره طبقا لما يتناسب ليس مع إحداثيات الزمن وحدها، بل مع ضرورات الوجود والديمومة ومنها عوامل الدين والمنطق والعقل الراشد، فالعملية ليست إبدال ثقافة بثقافة وهذا محال، بل عملية تصحيح وتصويب لصنع العقلانية المنتجة للفكر والثقافة من داخل مكنونها النامي لينهض هو أيضا بالمسئولية الوجودية التكوينية.
إن إشكاليات العقل والفكر تبقى على مر التاريخ تعاني من نفس التحديات ونفس القوانين ونغس المعاناة بالرغم من كل التطور الحضاري والفكري، والسبب لا يعود فقط لطبيعة العقل وحده والفكر عموما، بل السبب الرئيسي والغالب هي العوامل النفسية التي تتحكم بالإنسان وتسيطر عليه في سلسلة من التفاعلات الذاتية والموضوعية، وعلينا أن نفهم أن الإنسان هو الإنسان يبقى يتصرف بكل القوانين الحاكمة أجتماعيا وفكريا طالما أنه يعاني أصلا من تنازع وجودي بين العقل والنفسي، بين الحلم والعمل، بين الذات والموضوع.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت