مدن فاتنة وهواء طائش/ رام الله التي هناك

محمود شقير
2023 / 8 / 26

1
تسكنني تماماً مثل القدس.
هي، بالنسبة لي، المدينة الثانية بعد القدس.
لم يحدث أن كانت لي صلات وطيدة ببقية المدن الفلسطينية مثلما هو الحال مع القدس ورام الله. وحينما أقول رام الله، فإنني أعني ضمناً، البيرة، أخت رام الله، المجاورة لها، الملتحمة بها من دون انفكاك. عملت مدرّساً في البيرة أواسط الستينيات من القرن الماضي، درَّست ثلاث سنوات في المدرسة الهاشمية الثانوية، وسكنت آنذاك في رام الله. سكنت بيوتاً عديدة، بعضها قريب من دوار المنارة، حيث مركز المدينة الصغيرة الوادعة، وبعضها الآخر بعيد من مركز المدينة، يكاد يقع على تخومها، حيث الأراضي المنحدرة نحو الوديان المليئة بأشجار الزيتون والتين والعنب، التي تحيط برام الله من الشمال والغرب تقريباً، فتجعلها مدينة ذات امتداد ريفي بهيج. (بهيج لجهة ما يعنيه الريف من طبيعة خلابة، لا من جهة ما يعنيه من عادات وتقاليد)
دخلتها أول مرة وأنا فتى في السادسة عشرة.
تقذفنا الحافلة القادمة إليها من القدس، من جوفها، في محطتها الأخيرة بالقرب من سينما دنيا، السينما التي ظلت مغلقة منذ الانتفاضة الأولى (كما لو أنه من المفروض ألا تكون هناك دور للسينما ما دامت هناك انتفاضة!) ثم ما لبث أصحابها أن هدموها قبل عام ليقيموا في الفراغ الناشئ عن هدمها موقفاً عاماً للسيارات. (إساءة أخرى لتراث المدينة المعماري، واعتداء على الذاكرة، ذاكرة المدينة ومحبيها!)
من هناك، بالقرب من سينما دنيا التي لم يعد لها وجود على وجه الدنيا، كنا نمشي على الأقدام. على وجه الدقة، كنت أنا أمشي على قدمي، وكذلك بعض العمال من أبناء عمومتي المرافقين لأبي. أما أبي، فقد ابتدع لنفسه تقليداً مريحاً إلى حد ما، إذ يجد في انتظاره عاملاً من أهل القرية التي نقصدها، ومعه حمار على ظهره برذعة. يركب أبي الحمار ونمضي خلفه، ووجهتنا قرية عين عريك التي لا تبعد كثيراً من رام الله. لم يكن ثمة سيارات قادرة على الوصول إلى القرية. كانت مهمة أبي تكمن في تمكين السيارات من الوصول إلى هناك. كان يشرف على شق شارع يصل بين القرية والمدينة، صيف العام 1957. كنت ما زلت طالباً في المدرسة. اعتاد أبي أن يأخذني معه في العطل الصيفية، للعمل في الورش، مقابل بضعة دنانير في الشهر.
استأجرنا بيتاً في القرية نقيم فيه طوال ذلك الصيف.
لأول مرة لا يقيم أبي في خيمة كما جرت العادة في ورش أخرى وفي أماكن أخرى. البيت الذي أقصده، ليس سوى غرفة واسعة لها شبابيك مستطيلة تعبرها في الليل رياح الصيف المنعشة. أنام الليل كله باستمتاع كبير، وفي أحيان غير قليلة كانت أطياف بعض الفتيات اللواتي يصادفنني في أزقة القرية وبساتينها، تزورني في الأحلام، أدرك أن حياتي تنفتح على مسارب جديدة، وأن ريف رام الله مسؤول بشكل أو بآخر عن ذلك، أو عن جزء منه.

2

في العطلة الصيفية التي ستحل بعد عام، أغدو أقرب إلى رام الله.
ينصب أبي خيام ورشته في الطيرة، حيث تجثم الآن مباني دار المعلمات، التي دخلتها العام 1965 لأشارك في ندوة قصصية أمام المئات من طالبات الدار. لأول مرة في حياتي، أقرأ قصصاً أمام الجمهور. قرأت على أسماع الطالبات قصة "اليوم الأخير" التي كتبتها قبل ذلك اليوم بوقت ما، ثم نشرتها في مجلة "الأفق الجديد" المقدسية.
اختار أبي موقعاً لخيامه، لا يبعد كثيراً من الشارع الذي يجري العمل فيه، للربط بين قرية عين قينيا ورام الله. لم يعد أبي بحاجة إلى حمار ينقله أول كل أسبوع من قرب سينما دنيا إلى الطيرة، فالمكان قريب، ويمكن الوصول إليه سيراً على الأقدام خلال دقائق. كان لأبي سرير حديدي يرافقه في كل مكان يقيم فيه، وهو يتنقل من قرية إلى أخرى لشق الطرق. تبدّت قيمة هذا السرير في الطيرة بالذات! أما أنا فقد كنت أفرش كل ليلة بطانيات فوق أرض الخيمة الترابية، ثم أجيل النظر في أرجاء الخيمة قبيل إطفاء ضوء "الفنيار" الشحيح، فذلك واجب تقتضيه متطلبات السلامة، أقصد سلامتي الشخصية. يستلقي مساعد والدي فوق بطانياته في الجهة المقابلة لي، يقوم بالواجب نفسه حفاظاً على سلامته الشخصية، بل إن والدي، وهو مستلق في علياء سريره، يمارس هو الآخر أعمال المراقبة، ولم يكن صعباً علينا تحديد الأهداف المعادية. بعد ذلك مباشرة، نبادر إلى حمل أحذيتنا، نهوي بأعقابها على العقارب الساعية هنا وهناك، نسحقها، نتلذذ بسحقها، ثم نجلس في انتظار أن تظهر عقارب أخرى تنغل بها التربة الحمراء، أتحسر على الغرفة الواسعة ذات الشبابيك المستطيلة في عين عريك. مع ذلك، لا بد من النوم في نهاية المطاف، لأنه لا يعقل أن يظل المرء ساهراً في انتظار عقرب لا يدري متى سيظهر له، لكي يقتله قبل أن يلدغه. يقرأ مساعد أبي آية الكرسي بصوت مرتفع، كأنه يأخذ على عاتقه أمر حمايتنا جميعاً من خطر العقارب. ولا بد من أن أبي كان بدوره يقرأ الآية نفسها، من دون أن نسمعه، لأن عقرباً ظهر ذات ليلة على قماش الخيمة فوق رأسه. أما أنا، فلم أكن أحفظ سورة الكرسي، أكتفي بقراءة سورة الفلق ثلاث مرات متتالية، ثم أنام.
من موقعي الريفي في الطيرة، بدأت أعدّ خطط الغزو، غزو رام الله ذات الأسرار المثيرة للفضول. (لم أكن آنذاك قد قرأت خطط ماوتسي تونغ لغزو المدينة من الريف!) أعد الخطط بيني وبين نفسي من دون علم أبي، لأنه قد يعتبر ذلك ترفاً لا لزوم له. لم يحدث هذا الأمر، أقصد الرغبة في غزو المدينة، صدفة! ثمة مقدمات لذلك، وقعت من دون قصد مسبق.
ذلك أنني اعتدت في ساعات ما بعد الظهر، رؤية أسراب من النساء الشابات والفتيات اللواتي يكبرنني قليلاً أو يصغرنني قليلاً في السن، يتهادين فوق الطريق الترابي، قادمات من رام الله، وهن يرتدين ملابس مدنية تكشف عن سيقان بيضاء متناسقة وأذرع رشيقة. يلهب منظرهن الطازج خيالي، أزداد قناعة بأن رام الله تنطوي على مكر غير قليل، وهي ترسل لي (لي!) هذه الأسراب من النسوة الفاتنات الذاهبات الى الكروم في أوقات الأصيل الرخية. صارت المرابطة على ناصية الطريق واحدة من مهامي اليومية، أراقب النسوة والفتيات عن قرب، أمتع ناظري بأشكالهن الجميلة، وبجمالهن الخلاّب. أستمع إلى كلامهن العذب وبعض تعليقاتهن التي تعقبها ضحكات موزونة رقيقة.
لم يخطر ببالي مرة أن أتبعهن إلى الوادي حيث كروم التين والعنب، لأن ذلك سيفسد خططي، سيجعل أبي ينتبه إلى أن ثمة اختراقاً في جدار مراقبته لي قد وقع، بل إنني كنت أحتاط لمرابطتي على ناصية الطريق إزاء أية مساءلة، أصطحب معي رواية لمحمد عبد الحليم عبد الله. كنت مغرما آنذاك بقراءته. أصطحب معي "بعد الغروب" أو "شجرة اللبلاب". يبدي أبي ارتياحه لمجرد أن يراني أقرأ في أي كتاب، المهم عنده أن أقرأ دوماً، لأن الكتاب، أي كتاب، مرتبط في ذهنه بالمدرسة، والمدرسة هي التي سوف تمنحني شهادة المترك، والشهادة هي التي ستأخذني إلى الوظيفة، والوظيفة هي التي ستمكنني من مساعدته على تحمل نفقات الأسرة الكبيرة. كانت روايات محمد عبد الحليم عبد الله، بما تخللها من رومانسية مجنحة، تملأ نفسي بالمشاعر الجياشة، وبالرغبة في التشبه بأبطالها من الموظفين الذين يستأجرون بيوتاً للسكن في المدينة، ثم تسوقهم الظروف الى الوقوع في حب نساء ينتظرن قدومهم لكي يقعوا في حبهن، أو لكي يقعن في حبهم.
كنت راغباً في الذهاب إلى رام الله، للتجوال في شوارعها وأحيائها، لعل فتاة جميلة فارعة القوام تنتظرني هناك، لكي تقع في حبي أو أقع في حبها. كان محمد عبد الحليم عبد الله مسؤولاً عن ذلك إلى حد كبير! جاءت الفرصة السانحة بفضل أبناء عمومتي الذين يعملون في الورشة مع أبي. هم أول من اقترح عليّ الذهاب لاستئجار الدراجات الهوائية، فرحت لذلك، لأن ثمة من يفكر مثلي بغزو المدينة.

3

ها أنذا أدخلها وأحاول التعرف إليها عن قرب.
عبر التعرف إلى المدينة تزداد ثقتي بنفسي، أشعر بأنني مقبل على مفاجآت غير قليلة في الحياة. أبي يحفظ حكمة لا أدري أين عثر عليها: كلّ من جدَّ وجد. لم يكن يقصد بذلك ركوب الدراجات في شوارع المدينة. يقصد المداومة المستمرة على قراءة كتبي المدرسية وعدم الالتفات إلى أي شيء آخر سواها. اعتدت على تفسير حكمة أبي على هواي، من دون أن أناقشه في الأمر لأنه لا يحتمل النقاش.
ثمة سيارات من مختلف الأشكال والألوان تغدو وتروح في الشوارع. بين لحظة وأخرى تنطلق أبواق بعضها، مدوية لأي سبب، قد يكون ذلك مزعجاً للراغبين في الهدوء التام، لكنني اعتبرته واحداً من العناصر التي تميز المدينة عن القرية، ولم يكن يسبب لي أي إزعاج، بل إنني كنت أستمتع في زمن سابق حينما أتمكن من التسلل إلى داخل سيارة متوقفة لسبب ما، أضغط على عجلة القيادة، حيث مركزها تماماً، فيصدر من ثم، ذلك الصوت المنغّم المحبوك.
ثمة نساء ورجال يسيرون فوق الأرصفة، نساء من النوعية نفسها التي كنت أراها ذاهبة إلى الكروم، ونساء بملابس تقليدية، نساء كبيرات في السن تقريباً، يتهادين فوق الأرصفة أو يظهرن في النوافذ وعند أبواب البيوت. ثمة صبايا من النوع الذي تهفو نفسي إليه، يقفن بدلال خلف درابزين الشرفات. اجتهدت في إرسال نظرات مشبوبة متماهية مع سلوك أبطال الروايات التي أقرأها، غير أن نظراتي المشبوبة لم تجد أية فتاة تتجاوب معها. أواصل السير في شوارع المدينة مع أبناء عمومتي الذين يتلفتون مثلي في كل اتجاه.
للمدينة سحرها الخاص، سحر يتسلل بخفة إلى قلبي ويملأ حواسي.
ليست المدينة مزدحمة بالخلق، وهذا أمر أشعرني بالألفة معها منذ اللحظة الأولى. إنها مدينة صغيرة لا تعقيد فيها ولا اضطراب. يبدو عليها أنها مكتفية بنسائها ورجالها، وبمن يأتيها من القرى المجاورة من رجال ونساء. يأتونها للعمل وللبيع والشراء، أو لمجرد التمتع بزيارتها والتردد على مطاعمها ومقاهيها. (بعد حصولي مباشرة على الشهادة الثانوية العامة، سأعمل مدرساً في إحدى القرى التابعة للمدينة، أكتب قصة "الفتى الريفي" التي أتحدث فيها عن زيارة قام بها أحد فتيان القرية إلى رام الله خفية عن أبيه. كان الفتى واحداً من تلاميذي في المدرسة. استوحيت قصتي من زيارته للمدينة، لم يرق له الأمر، لأنه لا يرغب في أن يكون بطلاً لقصة يقرأها الناس)
رحنا نبحث عن محل لتأجير الدراجات الهوائية.
انصب اهتمامي كله على ركوب دراجة هوائية في شوارع رام الله. شعرت أن ذلك يكفيني ويحقق لي متعة لا أطمح إلى ما هو أكثر منها في اللحظات الأولى لانطلاقتي في المدينة. ويبدو أن ذلك أنساني _مؤقتاً_ فكرة الاستمرار في التماهي مع أبطال محمد عبد الحليم عبد الله، أو ربما شعرت أن وجود أبناء عمومتي معي، سيحد من التعبير عن رغبتي في التعرف إلى فتاة أقع في حبها وتقع في حبي. ربما أدركت أنني بحاجة إلى توفير مستلزمات أخرى، مثل تلك التي توفرت لأبطال عبد الحليم عبد الله: وظيفة، بيت مستأجر في حي مكتظ بالجيران، عمر مناسب تعقبه احتمالات الحب والزواج، أو احتمالات الدخول في أزمة ثقة مع الحبيبة، تدمر هذا الحب. إذاً، ثمة مستلزمات! كنت قليل التجربة، ما زلت أحمل في قلبي لوعة الإخفاق التي سببتها لي فتاة في القدس! لذلك، انصرفت بكل جوارحي إلى ركوب الدراجات.
اجتزنا ميدان المغتربين، مشينا قليلاً في الشارع الذي يمضي نحو مدرسة رام الله الثانوية، هناك عثرنا على المحل المنشود. شاهدنا الدراجات الهوائية مركونة بانتظام مثير فوق حيطان المحل، استأجر كل واحد منا، نحن الأربعة، دراجة هوائية. مضينا نعبر فوق الدراجات شوارع المدينة، بخاصة تلك التي لا تشهد حركة سير نشطة، مضينا في الشارع الموصل إلى المدرسة الثانوية، شارع جميل تحف به الأشجار، يتمشى فيه أناس من أهل المدينة، خصوصاً الصفوة المثقفة منهم بملابسها الحديثة المميزة التي تنم عن بسطة في العيش.
نقود الدراجات في المرة الأولى بحذر، لا نبتعد من بعضنا بعضاً إلا ما ندر.
في مرات لاحقة، صرنا نتوغل على نحو أكثر اندفاعاً في شوارع المدينة. ندخل ميدان المغتربين، نتجه نحو دوار المنارة، ننطلق في شارع الإرسال الذي تحف به هو الآخر أشجار لم يبق منها الآن إلا القليل القليل. نجوب الشارع نفسه عائدين في اتجاه المنارة، ندخل الشارع الرئيس المؤدي إلى سينما دنيا، نكاد نقترب ونحن على الدراجات من الطريق الترابي المؤدي إلى الطيرة، ثم نعود مرة أخرى إلى سينما دنيا، وإلى ميدان المغتربين، ومن هناك إلى الشارع الذي يهبط في اتجاه قرية بيتونيا. نجتاز الشارع الذي تتجاور من حوله بنايات لها أسطحة من قرميد، حولها بساتين محاطة بأسوار أو "سناسل". نظل منطلقين فوق الدراجات حتى تخوم القرية ثم نعود إلى قلب المدينة، نسلم الدراجات إلى صاحب المحل بعد انقضاء الوقت المتفق عليه، ومن ثم نمضي إلى خيام ورشة أبي فرحين، لا يعكر صفونا سوى هدير الطائرات التي تخترق فضاء رام الله متجهة نحو الشرق.
ثمة ثورة في العراق. هذا ما تردده الإذاعات، لم يكن لدينا مذياع في الخيمة. في النهار يجلس أبي تحت ظل شجرة، يراقب العمال وهم يكدحون تحت حرارة الشمس الحارقة، يسأل بعض المارة من القرويين العائدين إلى القرية عن آخر الأخبار. في المساء، نتحلق جميعاً أمام باب الخيمة، نستمع إلى أبي وهو يعلق على الأخبار التي انتهت إليه بكلمات كلها أمل ورجاء، نستمع بعد ذلك إلى أخبار النساء، يرويها مساعد أبي، المتيم بهن، كلما سنحت له فرصة لذلك. يبدي أبي بعض التحفظ على مثل هذه الأخبار، حرصاً منه على مشاعري الغضة كما يبدو، غير أنه لم يحاول مرة إيقاف تدفقها، ربما لأنه كان راغباً في الاستماع إليها.
الطائرات تابعة لسلاح الجو البريطاني، كما تقول الإذاعات، وهي متجهة نحو الأردن لتحمي الحكم هناك من أية هزة مشابهة لما وقع في العراق. (سوف تأتي طائرات أخرى بعد ذلك بسنوات كثيرة، للتحليق في سماء رام الله، لتفريغ حمولاتها من الصواريخ فوق بعض مقرات السلطة الوطنية الفلسطينية، وذلك في انتفاضة الأقصى. طائرات هيلوكبتر لها شكل العقارب التي كنا نسحقها بأعقاب أحذيتنا. تروع هذه الطائرات الأطفال في رام الله وفي غيرها من مدن البلاد)

4

الآن بعد انقضاء ما يزيد عن أربعين عاماً على تلك الانطلاقة الصغيرة في شوارع رام الله، أبدو شبه مقتنع بأنني لم أتمكن حتى هذه اللحظة من فض أسرار المدينة على الرغم من صغرها الملحوظ، فقد ترددت عليها بعد ذلك كثيراً من المرات، سكنت فيها، وما زلت أعمل فيها طوال السنوات السبع الماضية. أشعر أنني ما زلت أهفو إلى معرفتها على نحو أفضل. أحبها، تشتاق نفسي إليها باستمرار، أتأمل بيوتها القديمة بأسطحة القرميد، أتأمل البنايات ذات الطوابق العديدة التي أخذت تنتشر على أطراف شوارعها الرئيسة وفي بعض أحيائها الجديدة، أتأملها من نافذة مكتبي، أطيل التفكير فيها، أشعر أنني مازلت بحاجة إلى مزيد من الوقت لامتلاكها على نحو نهائي أكيد، أو يبدو أنني أحاول البحث عن ذلك السحر الغامض، سحر المدينة الوادعة الذي استقر في قلبي وأنا بعد فتى في السابعة عشرة، ولم يعد سهلاً عليّ امتلاك ذلك السحر من جديد، إلا عبر مقاومة عنيدة للزمن، تتولاها الذاكرة التي لا تحب أن تفقد أماكن سبق لنا أن أحببناها وتعلقنا بها.
أغادر مكتبي بين الحين والآخر، أذهب للتمشي في شوارعها المكتظة بأجيال جديدة من الشباب، الذين يترقبون مرور فتيات في مثل أعمارهم وهن يرتدين أزياء حديثة، يلقون بالكلام العذب على مسامعهن، ثم يرافقونهن _إن كانوا على موعد معهن_ إلى محل لتناول البوظة أو شرب العصير، وقد لا يحظون بمرافقتهن إن لم يكونوا على موعد معهن. في هذه الحالة، فإنهن لا يلقين بالاً إلى كلامهم العذب المعسول. أقول لنفسي: للشباب منطقهم الذي يتأبى على روح المحافظة التي تتفشى في المدينة، يتأبى عليها بالعلن حيناً، وبالسر أحياناً أخرى.
ثمة وفرة من بنات القرى المحيطة بالمدينة، أو حتى النائية عنها، يتدفقن كل صباح عبر شوارع المدينة، بعد أن يغادرن سيارات الفورد والحافلات القادمة من هناك، يتجهن إلى أعمالهن في البنوك والشركات والمؤسسات التي أخذت تتكاثر في رام الله منذ قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية. أراهنّ يرتدين أحدث ما تبيعه محلات النوفوتيه للطبقة الوسطى من سكان المدينة والأرياف، فأتذكر تلك السنوات الموغلة في البعد، حينما كنت مدرساً في قرية خربثا بني حارث، لم تكن تتوفر آنذاك مدرسة للبنات فيها، فاضطرت ثلاث بنات ممن أبدى أهاليهن رغبة ملحة في تعليمهن ، إلى الالتحاق بمدرسة الذكور في القرية. ذات يوم زار المدرسة مسؤول في إدارة التعليم، وقع نظره على إحدى الفتيات، وهي في الصف السادس الابتدائي، لاحظ كيف أن نهديها آخذان في النمو تحت مريولها المدرسي. قال: هذه البنت يجب أن تعزل عن الأولاد، ثم تراجع عن رأيه فيما بعد لدوافع إنسانية، كما يبدو.
سيارات الفورد والحافلات القادمة من القرى تقذف بالفتيات وبالشباب إلى قلب المدينة للعمل. تذكرت أبي، قلت من دون مباهاة: كان له دوره في تمكين المدينة من توصيل قيمها العصرية إلى الريف. فالشوارع التي شقها بلا كلل، وهو منهمك في الوقت نفسه في متابعة أخبار المنطقة التي لم تهنأ، إلا ما ندر، بلحظة فرح منذ ذلك الزمان، لعبت دورها في رفع العزلة عن الريف، غير أنها في الوقت نفسه، في زمن لاحق، لم تعصم المدينة من الخضوع لقيم الريف التي وجدت فرصتها السانحة حين انكسرت الآمال، وتغيرت الأحوال من سيء إلى أسوأ والعياذ بالله.
أذهب وحدي للتمشي في شوارع المدينة، وأشعر أن ثمة واقعاً جديداً يتشكل فيها، لكنه غير واضح، ما زال ملتبس السمات، بحيث تستطيع العثور على الشيء ونقيضه في الوقت نفسه.

5

في زمن مضى، كنت أقضي ساعتين أو ثلاثاً من بعض أيام الأسبوع، وأنا أتمشى في شوارع المدينة بعد المساء، صحبة صديقي الناقد محمد البطراوي، الذي دلني على الطريق الى الحزب. لم تعد المدينة بالنسبة لي مجرد شوارع مكرسة لركوب الدراجات! هل تغيرت المدينة أم تغيرت أنا؟ ربما تغير كل منا، أنا والمدينة.
برزت رام الله في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، باعتبارها واحدة من أهم ساحات النشاط السياسي في البلاد. تجمعت فيها نخب سياسية من مختلف الأحزاب والقوى السياسية، التي تركت أثراً ملموساً بنشاطها على المدينة وعلى ريفها وعلى مجمل البلاد. رام الله، منذ تلك الأيام، أخذتني إلى السياسة على نحو أكيد.
صديقي الذي دلني على الطريق، التحق بالنشاط الحزبي في فترة مبكرة من حياته، ثم دخل المعتقلات والسجون. كدّس تجربة لا يستهان بها في مواجهة سياسات القمع وتكميم الأفواه، وقد جاء دوره الآن لكي يضمني إلى صفوف الحزب. كنا نجوب شوارع رام الله، نتأمل المدينة والناس بعض الوقت، ثم نستغرق في شتى الأحاديث حول السياسة والأدب والثقافة والفن. كان صديقي مثقفاً يتمتع ببراعة في السرد، وفي الدفاع عن أفكاره. كنت أصغي إليه حيناً، وأحاوره حيناً آخر. في بداية الأمر كنت ضيق الأفق، متعصباً لقناعاتي التي ورثتها من أسرتي ومن المجتمع.
بعد سنتين من الحوار المتصل ، انتسبت إلى الحزب.
ابتدأت الطقوس الأولى لهذه العملية التي غيرت مجرى حياتي، في محل "أريزونا" للمرطبات الذي يقع بجوار سينما دنيا. سبق أن أشرت لهذه الواقعة في كتابي المكرس للقدس "ظل آخر للمدينة". لم يعد هذا المحل على قيد الحياة الآن، وإلا لكنت زرته مثلما زرت، بعد غياب طويل في المنفى القسري، كل البيوت التي سكنت فيها، خلال إقامتي في رام الله إبان فترة الستينيات من القرن الماضي. (أشعر كما لو أن هذا الأمر وقع البارحة، مع ذلك، لا مفر من القول إنه وقع في القرن الماضي!)
كم تبدو الفكرة محرجة محيرة!
تذهب إلى بيت لم تعد لك أية علاقة به، تقول لساكنيه وأنت تستنفر كل ما لديك من دماثة وحسن نية: أقمت هنا ذات مرة، وأرغب في إلقاء نظرة على البيت من الداخل إذا أمكن. أهلاً! سيلوي الزوج "بوزه" بعدم ارتياح. قد تكون زوجته الشابة تستحم في تلك اللحظة، تغني بصوت عالٍ في الوقت نفسه. سيبدو الأمر محرجاً بكل تأكيد، وليس من اللائق أن يضطر زوجها إلى إيقافها عن الغناء لأن متيماً بالبيت وصل للتو. قد يساوره الشك بأنك تجيء لهدف آخر، هدف غير بريء، ولأنك اصطدمت بوجوده في البيت، فإنك تنتحل لنفسك عذراً أقبح من ذنب. قد تقع في مشكلة بسبب سوء الظن. (مجتمعنا ليس سهلاً حينما يتعلق الأمر بالنساء!) من الأفضل إذاً، أن تمارس البحث عن حياتك التي مرت من هنا، على نحو جزئي عابر وبما تيسر من إمكانات. تقترب من البيوت التي سكنتها، تعاينها من الخارج بحذر، تتذكرها وأنت عائد إليها مبتهجاً لهذا السبب أو ذاك، أو محملاً بالهموم والهواجس، بالمخاوف من اعتقال سوف يأتي ذات ليلة. تتذكر في الوقت نفسه، جاراً طيباً هنا اعتاد أن يعلم حماره بعض كلمات وإشارات، فلم يفلح في تعليمه شيئاً. جارة طيبة هناك ترمي للقطط قطعاً صغيرة من اللحم المفروم، امرأة عجوزاً لا تكف عن الثرثرة، فتاة مراهقة تناطح الحيطان، ثم تنكفئ على نفسك عائداً من حيث أتيت، فالبيوت لا تعرف إلا من يسكنون فيها، وعليك أن تعترف بأن تلك واحدة من المعضلات التي تدخل الأسى إلى قلبك، كلما أردت أن تجمع شتات نفسك من توزعها عبر بيوت كثيرة وأمكنة ومدن. (المكان الوحيد الذي لم أفكر بزيارته هو سجن رام الله الذي احتجزتني فيه سلطات الاحتلال الاسرائيلي ثلاثة أشهر العام 1974. قيل لي إن المحتلين هدموا زنازين السجن قبيل مغادرتهم للمدينة، اعتقاداً منهم أن ذلك قادر على طمس جرائمهم ضد المعتقلين والسجناء الفلسطينيين)

6

رام الله واحدة من المدن التي أحببتها وما زلت أحبها.
لكنني حينما أجتاز شوارعها هذه الأيام، فإنني أفعل ذلك وحيداً في أغلب الحالات، من دون أصدقاء، مع أن الأصدقاء موجودون، وصديقي الذي دلني على الحزب ما زال موجوداً، وما زال صديقي بحق وحقيق على الرغم من تبدل الأزمان. غير أنني صرت أكثر ميلاً إلى العزلة ونشدان الوحدة. لذلك، أذهب للتمشي في شوارع المدينة وحدي. هل قلت التمشي! نعم، وأثناء ذلك، أذهب إلى كشك الصحف والمجلات، أو إلى الصيدلية، أو إلى البنك، أو إلى المكتبة التي تبيع الكتب مقابل موقف السيارات الذي ظهر إلى الوجود بعد هدم المبنى الخاص بسينما دنيا، أو إلى مكتبة رام الله العامة. أذهب لاستلام راتبي (فأنا ما زلت موظفاً حتى الآن!) أو لشراء دواء أو لشراء مجلة أو كتاب، أو لاستعارة كتب من المكتبة العامة. أمارس في الوقت نفسه رياضة المشي للتخفيف من خطر تراكم الدهون السيئة على جدران شراييني. إذاً، أنا أحاول اصطياد عصفورين، أو عصافير عدة بحجر واحد.
أجتاز شوارع المدينة من دون تدقيق زائد كما كان الحال في الماضي، ألقي نظرات سريعة على البضائع الكثيرة المنسقة بإتقان خلف الواجهات الزجاجية، وعلى المجمعات التجارية التي يتردد عليها رجال ونساء من مختلف الأعمار، أحاول ما أمكن تلافي الاحتكاك بأجساد الفتيات، المحجبات وغير المحجبات اللواتي يتقاطرن فوق الأرصفة بلا انقطاع. أجاهد في أحيان غير قليلة كي أجد لي طريقاً بين الشباب الذين يتجمهرون فوق الرصيف، متكئين على حديد الدرابزين الفاصل بين الشارع والرصيف، أو الذين يتحلقون بلا هدف تقريباً أمام بعض المحلات التجارية، يدخنون السجائر، يتضاحكون بسلاسة وانطلاق. (هؤلاء الشباب الذين لا يعرفون التزمت ويمارسون حياتهم من دون تعقيدات، هم أنفسهم الذين يتصدون لجنود الاحتلال عند الحواجز، يتلقون الرصاص بصدورهم!)
يداهمني إحساس مفاجئ بأن زمني مضى وانقضى، وأن الميدان الآن مهيأ وحسب لهؤلاء الشباب. أشعر بشيء من القنوط، ثم لا ألبث أن أدخل في اشتباك مع نفسي، كما لو أنني أرفض في أعماقي هذا الإحساس. أقول لنفسي: زمني لم ينقض بعد. أمضي في المكابرة وأقول: ما زلت أرى نفسي في بعض الأحيان، ذلك الفتى الذي جاب شوارع المدينة وهو في السابعة عشرة من عمره، لم يتبدل على الرغم من عسف الزمان. ما زالت نفسه تهفو إلى التعرف إلى فتاة جميلة تقع في حبه ويقع في حبها، وما زال يشعر أن رام الله التي عرفها قبل سنوات عديدة، تغفو هناك في قلبه مثل فتاة بريئة تنتظر محباً مخلصاً طال انتظاره.
أوائل الستينيات (من القرن الماضي) حتى أواسطها، لم تكن الأمور على هذه الدرجة من التعقيد كما هي عليه الآن، أو هذا ما يخيل لي على أية حال. كانت ثمة حماسة، على الرغم من القمع ومصادرة الحريات، وثقة في المستقبل بغير حدود. كان لذلك أسبابه ودوافعه الصحيحة. كان ثمة بالإضافة إلى ذلك، رغبة في التبسيط وعدم الذهاب بعيداً في رؤية الأمور. مع ذلك، عشنا زمننا مدفوعين بالرغبة الجارفة في رؤية الأحوال وهي تنصلح بسرعة، غير أن هزيمة حزيران، قلبت كثيراً من الموازين.
سكنتُ رام الله سنوات عديدة. كنت في عز الشباب، أقرأ الكتب بنهم، أكتب القصص القصيرة والمقالات، أواظب على مشاهدة الأفلام. أصبحت معنياً إلى حد كبير بالعمل الحزبي، ما جعلني أمارس دوراً تعبوياً منتظماً بين الطلاب. كانت لي صداقات حميمة في المدينة، ألتقي بالأصدقاء في بيتي أو في بيوتهم، وفي الشوارع والمطاعم والمتنزهات. كانت لنا مسراتنا الصغيرة: فريق كرة القدم في المدرسة الهاشمية، جلب لنا بعض هذه المسرات. أبدينا اهتماماً كبيراً بهذا الفريق الذي طالما ألحق بفرق المدارس الأخرى هزائم، جعلتنا معتزين به أشد اعتزاز. يقف مدير المدرسة في الصباح الذي يعقب الظفر، مملوءاً بالفخر، أمام الطلاب وهم مصطفون في طابور الصباح، يخطب فيهم قائلاً: إن الهاشمية قلعة لا تقهر. تستبد بنا النشوة ونحن نصغي لهذه الكلمات! أما إذا حلت بالفريق هزيمة، فإن مدير المدرسة لا يظهر في ذلك الصباح الذي يعقب الهزيمة، أمام الطلاب.
كانت رام الله تحيا حياة بسيطة آنذاك. لم يمنعها ذلك من مراكمة مزيد من الصفات التي تجعل المدينة مدينة بحق: ثمة مهرجان غنائي صيفي يجري تنظيمه كل عام، مطاعم، فنادق، متنزهات، دور للسينما، شركات، مصانع صغيرة وأخرى متوسطة، صلات حية للمدينة بأبنائها المغتربين في المهجر، وثمة قدر من الانفتاح الذي يكفل قدراً من الحريات الشخصية وإنْ باعتدال. لكن هزيمة حزيران، مرة أخرى، جاءت لتكسر الكثير من التوقعات والآمال.
اليوم، على الرغم من وجود السلطة الوطنية الفلسطينية، التي ينبغي عليها أن تسرِّع في عمليات تمدين مدننا، فان الحال لا يسر البال، ولا يروق للناظر أو للمتابع. فالمحافظة والتزمت وقيم الريف المتخلفة، التي كرسها الاحتلال الاسرائيلي وهيأ لها الظروف للانتعاش، تمارس دورها السلبي، في رام الله وفي غيرها من مدن البلاد. الشوارع التي شقها العمال الذين عملوا تحت إشراف أبي لكي تربط القرى بالمدينة، وأسهمت في زمن سابق في نقل ما تضخه المدينة إلى القرى من قيم عصرية، أخذت في سنوات لاحقة تضخ إلى المدينة، قيماً لا تصلح للمدينة، بل إنها تحول المدينة إلى مجرد قرية كبيرة، والمسؤولية لا تقع على عاتق أبي بطبيعة الحال.

7

ما زلت أخرج للتمشي في شوارعها، أو على الأصح، لقضاء شأن من شؤوني هنا وهناك. أتمشى، وألاحظ ما يعتمل في قلب المدينة من تحولات، حيث تتكاثر فيها وفي البيرة، مواقع غير قليلة للثقافة وللفنون ولمحطات التلفزة والإذاعة، لا تجتمع في أية مدينة فلسطينية أخرى. تتجمع فيها وزارات ومكاتب للسلطة الوطنية، منظمات غير حكومية، مؤسسات للمجتمع المدني، موظفون وموظفات من بعض الدول الأجنبية، خصوصاً في المنظمات غير الحكومية وبعض المراكز الثقافية الأجنبية. ثمة أعداد كبيرة من العائدين إلى وطنهم الذين يقيمون الآن في رام الله والبيرة، بينهم نخبة من المثقفين والإعلاميين والمهنيين، الذين عاشوا في مختلف المنافي، وحملوا معهم خبرات وتجارب وأنماط معيشة حضرية، تجعلهم قادرين على إثراء تجربة المدينة في التحول إلى مدينة حقيقية، يتعزز فيها المجتمع المدني وتصان فيها الحريات العامة، ومن ضمنها الحريات الشخصية بالذات.
بين الحين والآخر، أمضي إلى مكتبة رام الله العامة لكي أستعير بعض الكتب، أجتاز الشارع الذي يوصلني إلى المكتبة. الشارع يحمل اسم صديقي نزيه قورة، الذي قضى في الغربة، بعد أن أبعدته سلطات الاحتلال من رام الله. أتذكر أحلامنا المشتركة حينما التقينا بعد هزيمة حزيران مباشرة. رحنا نعمل معاً في قيادة منظمة سرية للمعلمين، مهمتها مواصلة إضراب المدارس احتجاجاً على وجود الاحتلال وعلى عبثه بمناهجنا التدريسية. كان صديقي ينتمي إلى الأفكار نفسها التي أنتمي إليها ، لكن له اجتهادات مختلفة عن اجتهاداتي، خصوصاً في ما يتعلق بحل القضية الفلسطينية. مع ذلك، بقينا نتحاور باستمرار حول قضايا سياسية وفكرية كثيرة. حينما أبعدتني سلطات الاحتلال بعد ذلك من القدس، التقينا في المنفى بعض الوقت، زرت بيته في دمشق، ونمت في البيت ليلة واحدة.
ذات يوم، قبل سنتين، التقيت ابنه. التقيته أمام المكتبة العامة التي تعمل فيها أمه، على رصيف الشارع الذي يحمل اسم أبيه. أخبرته بأنني أحد أصدقاء أبيه. تحدثت بإيجاز عن مدى اعتزازي بأبيه، وعن مقدار احترامي لذكراه. أصغى إليّ بأدب وانتباه، شكرني ثم مضى مسرعاً إلى قلب المدينة، مضيت إلى داخل المكتبة العامة، مصراً على أنني ما زلت أعيش زمني! قلت لنفسي: زمني لم ينقض بعد، ورام الله، على الرغم من التمنع والاستعصاء اللذين تبديهما نحوي في هذه الأيام، ما زالت، وستظل تشكل جزءاً مهماً من تجربتي في الحياة.
إنها مدينة الصبا والشباب، الأحلام الكبيرة والأمنيات.

2002

يتبع...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت