لماذا لم تنجح روسيا في الانتقال إلى الديمقراطية (2)

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2023 / 8 / 26

بحلول أواخر الثمانينات، أدرك الحكام السوفييت أخيراً مدى حاجتهم إلى تغيير النظام. كان اتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية على مستوى القمة قد تحول إلى ما يشبه حكومة العواجيز. وكان مكوث الزعيم في منصبه حتى وفاته قد أصبح العرف المتبع حتى مع قادة مسنين وأصحاب مرض من أمثال ليونيد بريجنيف ويوري أندروبوف وكونستانتين تشيرنينكو، رغم تذمر البيروقراطيين من المستويات الصغرى والوسطى من انسداد الأفق أمام طموحاتهم الوظيفية. وقد أدى نظام العواجيز ذلك إلى خنق آمال الترقي الوظيفي والحدَّ من فرص الحراك أو الرخاء الاجتماعي. في 1986، بعد عام من تقلد ميخائيل جورباتشوف منصب السكرتير العام للحزب الشيوعي للاتحاد السوفييتي، كان متوسط أعمار أعضاء المكتب السياسي يبلغ 68 سنة.

ثم تسببت أزمة الانهيار المفاجئ في أسعار النفط منتصف الثمانينات في تفاقم المشاكل المزمنة في الاقتصاد السوفييتي المُخطط، لتجتاح البلاد موجات متعاقبة من النقص الحاد في المواد الغذائية الأساسية واضطراب سلاسل توريدات الحبوب، والتي لم تسلم منها حتى العاصمة موسكو. واعتباراً من بداية التسعينات، كان أعضاء النومنكلاتورا الإصلاحيون يقودهم بوريس يلتسين- وهو عضو سابق في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي وسكرتير أول سابق للجنة الإقليمية في سفيردلوفسك بجبال الأورال- يسنون أسلحتهم استعداداً لمواجهة وشيكة ضد معظم أعضاء الحزب الشيوعي السوفييتي المعارضين للإصلاحات.

في روسيا السوفييتية، سيطر الرجعيون من النومنكلاتورا على الفرع التشريعي، أو مجلس السوفييت الأعلى. وفي مارس 1990، شهدت أول انتخابات حرة نسبياً نجاح أنصار الوضع القائم القديم، وهم مرشحين من الحزب الشيوعي السوفييتي، في إلحاق هزيمة مريرة بالمعارضة (من المستقلين) بفوزهم بنسبة ساحقة بلغت 86 بالمئة من المقاعد. ومن كل أوروبا الشرقية، كان المكان الوحيد حيث لم يُبْلي مرشحو الحزب الشيوعي بلاءً حسناً في الانتخابات الأولى ما بعد الشيوعية هو جمهورية بيلاروسيا السوفييتية الاشتراكية العضو في اتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية (التي سرعان ما أصبحت دولة بيلاروسيا).

كان الفرع التنفيذي- ذو الأهمية الأكبر في السياسة الروسية على مر التاريخ- هو المكان الذي عثر فيه أعضاء النومنكلاتورا الإصلاحيون على قوتهم عقب فوز يلتسن بالانتخابات الرئاسية في 1991 بنسبة مدوية بلغت 59 بالمئة في سباق من أربعة مرشحين. لكن حتى في تلك الانتخابات، كانت المنافسة محصورة إلى حد كبير بين الفصائل المتصارعة داخل النومنكلاتورا: كان خمسة من المرشحين الرئاسيين المسجلين الستة أعضاء سابقين في الحزب الشيوعي السوفييتي في موعد الانتخابات، وكذلك كان الحال مع جميع المرشحين لمنصب نائب الرئيس.

لقد تسببت الأزمة الاقتصادية ومن بعدها التفكك المفاجئ لاتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية قرب نهاية 1991 بداية في حرمان القيادة السياسية الروسية من القدرات التنظيمية والمالية الضرورية لفرض سيطرة سياسية مركزية. وبمطلع التسعينات، ما عادت الحكومة المركزية قادرة على دفع الرواتب لعناصرها الأمنيين وجنودها، ناهيك عن موظفي بيروقراطيتها من المدنيين والمديرين الإقليميين. أصبح تأخر مدفوعات الأجور روتيناً اعتيادياً، وتسبب العجز عن إبقاء السيطرة على المنظومة الأمنية الروسية في تقويض الوظائف القمعية لماكينة الدولة وغذَّى شعوراً بالأزمة في شرعية الدولة. على سبيل المثال، في أكتوبر 1993 تمكن الرئيس يلتسن بصعوبة بالغة من إقناع الجيش بالتدخل لصالحه خلال مواجهته مع مجلس السوفييت الأعلى الخاضع لسيطرة الشيوعيين.

أدى إضعاف الأزمة لقبضة الكرملين على المجتمع الروسي إلى تكاثر في مراكز القوى البديلة. على سبيل المثال، حتى يكسب معاركه مع جورباتشوف والبرلمان، قدم يلتسن تنازلات المرة تلو الأخرى للنخب الإقليمية. ووقع بين عامي 1994 و1998 على معاهدات لتقاسم السلطة والعديد من الاتفاقات المرتبطة مع 46 وحدة مكونة في روسيا، في الغالب تمنح صلاحيات خاصة لمقاطعات منفردة. كما أدت الإصلاحات الاقتصادية التي قلصت من دور الحكومة المركزية في الاقتصاد إلى مزيد من إفساح المجال أمام الفاعلين الإقليميين المستقلين للبروز إلى الواجهة.

النخبة والاستمرارية المؤسساتية

رغم الانزواء الجزئي للمركز الاتحادي، إلا أن التغييرات داخل هياكل الدولة بقيت محدودة وفق أفضل التقديرات. لقد ذهبت أيام المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي واكتسبت مجموعة صغيرة من المصلحين الاقتصاديين نفوذاً جديداً، لكن على معظم مستويات الحكومة والمؤسسات العامة، ظلت مجموعات النومنكلاتورا من الدرجات الوسطى والدنيا لا تزال هي القابضة على السلطة ولا تُبدي اهتماماً يُذكر بأي إصلاحات. كل ما حدث ببساطة كان استعادة لنفس الهياكل التنظيمية والبيروقراطية من الحقبة السوفييتية وبصورتها الكاملة تقريباً في روسيا ما بعد السوفييتية، لكن تحت أسماء جديدة.

من يلتسن نفسه بطول الطريق نزولاً إلى أدنى المراتب، جاء المسؤولون الرسميون الروس مباشرة من بين صفوف طبقة النومنكلاتورا السوفييت. بقيت جميع الهياكل التنفيذية والنيابية والإقليمية والاقتصادية والعسكرية تقريباً في قبضة نفس الأشخاص الذين كانوا يديرونها عندما كان اتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية لا يزال موجوداً. ولم تشهد وزارتي الخارجية والدفاع السوفييتيتين مع الكثير من أجهزة الحقبة السوفييتية الأخرى تدويراً يُذكر في موظفيها. صحيح أن لجنة أمن الدولة (كي جي بي) السوفييتية انقسمت إلى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) وجهاز المخابرات الأجنبية (SVR)، لكن نفس العناصر الأمنية السيلوفيكية (siloviki) (بمعنى، شخص يعمل لصالح جهة حكومية ومُخول باستعمال القوة ضد المواطنين وغيرهم) التي تلقت تدريباً مماثلاً للتدريبات السوفييتية بقيت تدير كليهما. وتبين من تحليلات أجريتها بنفسي أن النخب الروسية طوال التسعينات ظلت تُنتخب من بين أعضاء النومنكلاتورا السوفييت الذين احتلوا ما بين 80 و90 بالمئة من جميع المقاعد في المجالس الأمنية الروسية، وهي الأجهزة الرئيسية المخولة بصنع السياسات عبر الاتحاد.

من جهة أخرى، شهدت البيروقراطية الاقتصادية بعض التدوير. فبغرض مساعدته في الإصلاحات، عَمَدَ يلتسن إلى ترقية رافداً من الوافدين الجدد ممن يفتقرون إلى خلفيات النومنكلاتورا. إلا أن أعدادهم وتأثيراتهم كانت محدودة بما لا يسمح بجلب التغيير الجذري إلى النظام. لذلك، في المراتب العليا من صانعي السياسة الاقتصادية، كان أربعة أخماس (82 بالمئة) ممن يشغلون تلك المناصب في 1988 لا يزالون جالسون في مناصبهم عام 1993.

كذلك على المستوى الإقليمي والاتحادي، استمرت النخب السياسية ما بعد الشيوعية تأتي في معظمها من الرتب المتوسطة إلى العليا في الحزب الشيوعي السوفييتي. لم يحقق انتصارات انتخابية إلا معارضون متفرقون، وكانت انتصاراتهم تلك محصورة على المدن الكبيرة: لا يوجد مجلس تشريعي إقليمي واحد ضم أغلبية من خارج المؤسسة القديمة. وفي كل أنحاء روسيا، كان القادة الإقليميين في معظمهم أباراتشيك (apparatchiks) (بمعنى، موظفين حكوميين) سوفييت سابقين. وفي أوائل التسعينات، كان حوالي نصف جميع رؤساء الإدارات المحلية قد سبق لهم العمل في أجهزة تنفيذية أو تشريعية سوفييتية، وحوالي 20 بالمئة منهم سبق لهم العمل في الدولاب الإداري السوفييتي على مستوى أدنى. ولم يأتي إلا حوالي 30 بالمئة فقط من مكان آخر. وفقاً لدراسة أجرتها أولغا كريشتانوفسكايا، كان أعضاء النومنكلاتورا السوفييت يشكلون 78 بالمئة من النخب الإقليمية الروسية في عام 1992، وكانوا لا يزالون يساهمون بما نسبته 66 بالمئة بعد مرور عشر سنوات.

هذا الحضور الكثيف لأعضاء النومنكلاتورا ضَمِّن أن تبقى روسيا الجديدة واقعة تحت هيمنة أغلب نفس الممارسات السوفييتية القديمة، الرسمية وغير الرسمية على حد سواء. وهكذا انتقلت ذات شبكات القوة والنفوذ السوفييتية القديمة بما تحويه من عناصر محسوبية وزبائنية جلية مباشرة إلى روسيا الجديدة. وكشفت هذه الممارسات عن استمرارية موثَّقة وملحوظة عبر المشهد السياسي ما بعد السوفييتي بأكمله. كان من أشهر هذه الممارسات الباقية ما عُرف باسم "بلات" (blat) (وتعني، استخدام الشبكات والاتصالات الشخصية للحصول على السلع والخدمات)؛ و"قانون التليفون" (telephone law) (وتعني، اعتياد المسؤولين التنفيذيين على ممارسة الضغوط عبر القنوات الخلفية على المحاكم والنظام القانوني)؛ وبونياتيا (ponyatia) (وتعني، القواعد أو "التفاهمات" غير المكتوبة التي تحكم المنشآت والمؤسسات المختلفة لكنها تبقى محجوبة عن الخارجيين من غير المنتسبين لها).

لم تكن هذه الاستمراريات شاملة فقط بل وحرفية أيضاً: لم يقتصر الأمر على مجرد ترحيل أنواع مشابهة من العلاقات من الاتحاد السوفييتي للجمهوريات الاشتراكية القديم إلى الاتحاد الروسي الجديد، بل احتفظت الأغلبية من نفس الأشخاص في المناصب المفصلية بنفس نوعية العلاقات مع نفس الرفقاء القدامى. أصبحت الحوكمة غير الرسمية هي الأساس الذي يلبي الاحتياجات التشغيلية للنظام الجديد. على سبيل المثال، كشفت دراسة مسحية عام 1998 أن 57 بالمئة من النخبة الذين استُطلعت آرائهم كانوا يعتقدون أن الصلات السوفييتية كانت مهمة "جداً" أو "إلى حد ما"، بينما اعتقد 6 بالمئة فقط أنها كانت "غير مهمة". وبحلول عام 2000، أي بعد عقد من انهيار الشيوعية، كان حوالي النصف (47 بالمئة) من النخبة الذين استُطلعت آرائهم لا يزالون يجدون الصلات السوفييتية مهمة. وهكذا كانت تُملأ أغلب المناصب على أساس الولاءات والصلات الشخصية، الأمر الذي زاد من صعوبة الدخول على من يفتقرون لهذه الصلات من الخارجيين. أكثر من ذلك، كان معظم الوافدين الجدد الذين أمكنهم الدخول هم هؤلاء من ذوي الخلفيات الأمنية السيلوفيكية، وحتى ممن تربطهم صلات بالجريمة المنظمة. ومثل هؤلاء لم يكونوا أبداً المادة الخام الصالحة لصنع طبقة حاكمة جديدة أكثر تصالحاً مع الديمقراطية.

هكذا بقيت على حالها الثقافة السياسية السوفييتية في روسيا ما بعد السوفييتية. وما كان يتوفر لدى هذه النخب السوفييتية الباقية كما هي قَلْباً وقَالباً من مخلفات النظام القديم لا الإرادة ولا المهارة اللازمة لإدخال تغييرات ديمقراطية. بل بقوا مثلما جرت عادتهم في الماضي كأعضاء من طبقة النومنكلاتورا السوفييتية، مفطورين حتى النخاع على عادات الولاء والإذعان. وبذلك، من وراء واجهة ديمقراطية شكلية، استمرت علاقات القوة والنفوذ السوفييتية القديمة بنفس صورتها في روسيا الجديدة. على سبيل المثال، بدلاً من أن تضخ دماءً جديدة في النظام من خارجه، تحولت الانتخابات الروسية إلى أداة لتصفية الصراعات الداخلية بين الأفراد من داخل النظام. ومرد ذلك أن نجاح الحملات الانتخابية تطلب الموارد والوصلات نفسها التي كان أعضاء النومنكلاتورا يملكون شبه احتكار عليها، مع اقتصار المنافسين الحقيقيين من وقت لآخر على شرذمة مبعثرة من رجال الأعمال المحليين الأثرياء. لكن حتى هؤلاء أيضاً كانت تربطهم في الغالب صلات بالمؤسسة الرسمية ولهم أصول صنعت منهم ما يشبه طبقة تحتية أخرى من النومنكلاتورا أكثر من أن يشكلوا نخبة ديمقراطية مضادة.

على المستوى الإقليمي، أحدثت الانتخابات في معظمها وقيعة بين رؤساء البرلمانات ورؤساء الإدارات على مستوى الأقاليم والمدن، حيث جاء كل المرشحين تقريباً من النومنكلاتورا. كذلك كان المشهد الاتحادي لا يختلف في شيء يُذكر: في جولة الحسم خلال الانتخابات الرئاسية بتاريخ يوليو 1996، تنافس يلتسن ضد المعسكر المناهض للإصلاح بقيادة جينادي زيوجانوف، الذي كان يشغل منصب نائب رئيس دائرة الدعاية بالحزب الشيوعي السوفييتي القديم، وأصبح الآن زعيم الحزب الشيوعي للاتحاد الروسي بعد إحيائه. كما كانت أصول جميع المنافسين المحتملين الآخرين على المقعد الرئاسي من أمثال الجنرال ألكسندر ليبيد ويوري لوجكوف ويفغيني بريماكوف تعود إلى طبقة النومنكلاتورا.

ومن سخرية الأقدار أن تعيينات يلتسن من الوسط الاتحادي قد فعلت أكثر مما فعلته الانتخابات في فتح أبواب النخبة أمام شخصيات من خارج النومنكلاتورا. ففي عام 1991، كان يلتسن قد أوقف استخدام التصويت لملء مناصب المدراء الإقليميين، وعوضاً عن ذلك سمَّى بنفسه ممثلين شخصيين لمعظم الأقاليم. وما دفعه إلى ذلك بدرجة كبيرة كان إحباطه من تدني معدل تدوير النخبة عبر الأقاليم. لكنه، رغم ذلك، اعتمد بشدة على مسؤولين كانت تربطه بهم معرفة شخصية من أيام ما كان السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفييتي لإقليم سفيردلوفسك أوبلاست، فضلاً عن آخرين كان جورباتشوف قد رَقَّاهم خلال السنوات الأخيرة من عمر الاتحاد السوفييتي. هكذا كانت طبقة النومنكلاتورا السوفييتية القديمة لا تزال هي المصدر الرئيس لأغلب رجال يلتسن عبر الأقاليم الروسية المختلفة.

أسواق جديد، أبنية قيادة سوفييتية قديمة
____________________________
ترجمة: عبد المجيد الشهاوي
رابط المقال الأصلي: https://www.journalofdemocracy.org/articles/why-russias-democracy-never-began/

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت