تركيا رفعت سعر الفائدة.. اين المشكلة؟

محمد رضا عباس
2023 / 8 / 26

اصدر البنك المركزي التركي يوم الخميس 24 اب 2023 قرارا برفع معدل سعر الفائدة من 17.5% وهي النسبة التي اقرها البنك في الشهر الماضي الى 25% . القرار جاء من اجل تبريد حرارة ارتفاع الأسعار ( التضخم المالي) في البلد والتي بلغت 43% الشهر الفائت.
القاعدة هي, ان في زمن التضخم المالي المنفلت يحاول البنك المركزي بامتصاص النقد الزائد في البلد وذلك عن طريق بيع السندات الحكومية , زيادة احتياطي البنوك التجارية , وتقليص حجم مزاد العملة , كل هذا يؤدي تخفيض حجم السيولة النقدية في البلاد , ومع قرار البنك المركزي بزيادة أسعار الفائدة , يقل عرض النقد في السوق اكثر , مما يؤدي بالبنوك التجارية رفع أسعار الفائدة الى الأعلى أيضا , والتي بدورها تؤدي الى ارتفاع في اسعار القروض وتقلل الاستثمار المحلي , وبدوه الى انخفاض في اجمالي الطلب العام على السلع والخدمات في البلد , والذي يؤدي الى انخفاض نسبة التضخم المالي في البلاد.
وحتى لا اتعب القارئ , فان القاعدة هي ان مع ارتفاع سعر الفائدة ينخفض الطلب على شراء البيوت , السيارات , الأثاث, السفرات الداخلية والخارجية , والأجهزة الكهربائية , ونتيجة لذلك تتجمد الأسعار ومن ثم تبدء بالتراجع , وهذا ما يرجوه البنك المركزي التركي و الرئيس التركي رجب طيب اردوغان .
تأثير إيجابي اخر لرفع اسعار الفائدة وهو تعزيز قيمة العملة المحلية , وهذا هدف اخر تحتاجه حكومة اردوغان . الليرة التركية تراجعت بوجه العملات العالمية مما انعكست سلبا على الأسعار في داخل تركيا . السبب هو ان التاجر التركي المستورد لجهاز كهربائي معين , على سبيل المثال , سيدفع ليرات إضافية عند تحويلها الى دولارات , وبالتالي فان هذا التاجر سيضطر الى رفع أسعار سلعته . السائح التركي أيضا سيشعر باندثار قيمة الليرة وهو يقوم تحويلها الى اليورو او الدولار او الباوند الإسترليني .
كان رد فعل الليرة في الأسواق التركية سريعا بعد الإعلان عن رفع أسعار الفائدة , وهو صعودها بوجه الدولار الأمريكي وبنسبة 1.41%. اما لماذا صعود قيمة الليرة التركية بوجه العملات العالمية , فان ارتفاع سعر الفائدة تصبح سلعة جذابة الى المستثمرين الاجانب الكبار والذين يرمون استثمار أموالهم في تركيا . أي ان المستثمر الأجنبي والذي يريد استثمار 10 مليون دولار في تركيا ليستفيد من سعر الفائدة المرتفع , عليه ان يحول دولاراته الى ليرات تركية . وهكذا كلما زاد عدد المستثمرين الأجانب الراغبين بالاستفادة من ارتفاع أسعار الفائدة كلما زاد الطلب على الليرة التركية , والذي بدوره يرفع من أسعارها.
وعليه , فان ارتفاع أسعار الفائدة في السوق المحلي ينتج عنها هدفين مرغوبين : انخفاض نسبة التضخم المالي في البلاد و ارتفاع أسعار العملة المحلية بوجه العملات العالمية.
اين اذن المشكلة ؟
المشكلة هو ان ارتفاع أسعار الفائدة في السوق المحلية سوف يؤدي الى تقليص الاستثمارات الداخلية . أي ان رجل الاعمال لا يمكنه فتح مصنع جديد او التوسع في مصنعه القائم , ولا يمكنه شراء مكائن وتجهيزات يريدها مصنعه , المتزوجون الجدد لا يستطيعون شراء سكن لهم لارتفاع سعر الفائدة , ورب العائلة سوف يؤجل قرار شراء سيارة جديدة له . بالمجموع سوف يتراجع حجم الطلب العام على السلع والخدمات , وهذا التراجع سوف ينعكس سلبا على اجمالي الإنتاج المحلي (حجم الانتاج ) , وينمو نموا سالبا وهو ما يسمى بالركود الاقتصادي , وهو ركود مصطنع من قبل المخطط الاقتصادي.
استخدمت إدارة جو بايدن هذه الطريقة ونجحت , فبعد ان رفع البنك الاحتياطي الأمريكي ( البنك المركزي) نسبة الفائدة الى 5.25% , بدء الطلب العام بالانخفاض تاركا وراءه انخفاض في نسبة التضخم المالي الى 3.44% , وهي نسبة معقولة للمستهلك وللبائع .
المشكلة الأخرى التي سوف تعانيها تركيا من وراء رفع سعر الفائدة هو ارتفاع جديد في نسبة العاطلين عن العمل. نسبة العاطلين في تركيا هي 9.6% ومن المحتمل ان تصعد اكثر , وهو عكس ما يجري في الولايات المتحدة الامريكية . في أمريكا بلغت الحاجة الى الايدي العاملة الى 10 مليون عامل , وعليه فان ارتفاع سعر الفائدة في هذا البلد سوف لن يؤثر على فرص العمل لان أصحاب الاعمال في حاجة للعمال. وهكذا , وعلى الرغم من ارتفاع سعر الفائدة , فان الإعلانات على واجهات ابنية الاعمال ما زالت تدعو الراغبين بالعمل الانضمام لهم , وهو امر لم تشاهده الولايات المتحدة الامريكية من قبل , انخفاض في نسبة نمو الإنتاج المحلي مع بقاء الطلب على الايدي العاملة مرتفعا.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت