لماذا لم تنجح روسيا في الانتقال إلى الديمقراطية (1)

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2023 / 8 / 24

إننا قد نخطئ أحياناً ونحسب الضعف المؤقت في نظام سلطوي كمقدمة لانتقال ديمقراطي، الذي لكي يتحقق يتطلب تغييرات تنظيمية جوهرية في الجسد السياسي. ونفاجأ حين نشهد أن معظم التصدعات في أنظمة الحكم السلطوية لا تجلب ورائها تحولاً للديمقراطية بل تُفضي بدلاً من ذلك إلى نظام سلطوي جديد أو انهيار الدولة والفوضى.

بدايةً، الانتقال الديمقراطي يعني مأسسة قواعد جديدة مثل التسامح حيال المعارضة وقبول المساومة والتفاوض وتقديم التنازلات المتبادلة حتى الالتقاء على حل وسط فيما بين القوى السياسية المختلفة، وتوفير القنوات والإجراءات التعددية اللازمة للمنافسة، والنقل القانوني والسلمي للسلطة وفقاً للنتائج الانتخابية. وفي أثناء مرحلة الانتقال من السلطوية إلى الديمقراطية، تؤدي النُخب السياسية وظيفة محورية: هم الذين يضعون الشروط البنيوية التي تعزز مأسسة القواعد الجديدة. بينما تؤدي المستويات المتدنية من تدوير النخبة إلى المساهمة في عودة الأنظمة السلطوية مجدداً. ولا يتحقق الانتقال الديمقراطي إلا حين تُسَلم حكومة سلطوية السلطة إلى حكومة جديدة تعمل ضمن هذا النسق الجديد من القواعد- الأمر الذي لا يرجح أن يتحقق إذا ما بقيت النخب القديمة كما هي في معظمها في أماكنها.

إلى أي حد تصل الحاجة إلى تدوير النخبة؟ يقول بعض الباحثين أن استقرار الديمقراطية وتثبيتها يعتمد بدرجة أقل على مستوى استبدال أعضاء النخبة القديمة بآخرين من النخبة الجديدة وبدرجة أكبر على قدرة كلا المجموعتين على التوصل إلى توافق حول القواعد الجديدة للعبة. هذه الرؤية- أن الإرادة والمقدرة على تحقيق انتقال "مُتَفق عليه" هما حجر الزاوية- هي الأكثر شيوعاً وسط الباحثين من أمريكا اللاتينية بعد دراستهم الطريقة التي قد أدار بها المعتدلون من كلا النظام والمعارضة في تلك المنطقة مراحل الانتقال من الديكتاتورية إلى الديمقراطية هناك.

في المقابل، هناك باحثون آخرون يفترضون أن مأسسة قواعد ديمقراطية جديدة لا تنجح إلا بعدما يتقلد أشخاص جدد المناصب الأساسية. وفقاً لهذه الرؤية، لن تدخر النخبة القديمة التي ستتشبث بمواقعها وتعيد حتى إنتاج نفسها جهداً لعرقلة نمو النخب الديمقراطية المضادة لها ولزعزعة استقرار النظام الجديد. بل سيكون تغيير النظام أكثر فاعلية حين يملئ أعضاء النخبة الديمقراطية الجديدة المناصب الحيوية ويتمكنون من فرض التغييرات المؤسساتية بأنفسهم من دون الحاجة لتقديم تنازلات تعجيزية لفلول القادة الأوتوقراطيين من النظام القديم.

من الملاحظ أن هذا السيناريو الأخير يتطابق مع تجارب البلدان ما بعد الشيوعية. هناك، كان وجود "ديمقراطيين في السلطة" بالأعلى يرتبط بقوة مع نجاح عملية الانتقال إلى الديمقراطية. من دول البلطيق إلى جمهورية التشيك، كان الأشخاص الموالون للمبادئ الليبرالية نشطون في مأسسة التغييرات الديمقراطية وقيادة مجهودات التثبيت الديمقراطي هناك بنجاح. وربما كان الرئيس التشيكي المنشق سابقاً فاتسلاف هافيل المثال الأشهر من بينهم. لكن، بالطبع، هذه النخب الديمقراطية المضادة القوية لا توجد في فراغ. وأغلب الظن أنها كانت موجودة بالفعل- ولها تأثيراتها الجلية- حيث وجدت تقاليد مدنية حية وقدرات كامنة على التنظيم الذاتي لدى البلد المعني. لذلك، كلما كانت الدرجة التي يحرزها بلد ما على جميع هذه الصُعُد (تقليد مدني قوي، مقدرة على التنظيم الذاتي، ونخب ديمقراطية مضادة) أعلى، كلما كانت فرصته أكبر للانتقال إلى ديمقراطية مستقرة وتثبيتها.

في المقابل، يلاحظ أن البلدان المعوزة في الديمقراطيين الأقوياء أثناء مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية-الجمهوريات السوفيتية الأسبق أذربيجان، كازاخستان، تركمانستان، وأوزبكستان وقعت في هذه الفئة-لم تحقق سوى القليل أو لا شيء من الممارسات الديمقراطية على الأرض، في حين كانت العودة إلى الأوتوقراطية سهلة وسريعة. وهكذا، عبر الفضاء ما بعد السوفييتي، كلما كان من الأكثر احتمالاً أن ينتخب بلد ما أعضاء أو منتسبين من طبقة "النومنكلاتورا" (nomenklatura) السوفيتية القديمة للمناصب ما بعد الشيوعية، كلما كان من الأكثر احتمالاً أيضاً أن يشهد هذا البلد انتكاسة لأي تحرك باتجاه الديمقراطية.

كيف تنسجم الدولة ما بعد السوفيتية الأكبر، الاتحاد الروسي، مع هذه الصورة؟ هناك بعض الدراسات التي تجمع روسيا التسعينات مع مولدوفا وأوكرانيا كحالات للتحول الديمقراطي غير المكتمل أو المجهض، حيث كان ميزان القوة بين النظام القديم ومن يتحدونه على قدر من التعادل لدرجة أصابت الديمقراطية الانتخابية بالهشاشة والتحول الديمقراطي بعدم الاستقرار. لكنني من جهتي، وبخلاف ما سبق، أزعم أن روسيا كانت واحدة من الحالات التي حافظ فيها النظام القديم على أرجحية من القوة جعلت الانتقال الديمقراطي لا يتحقق أبداً. كانت الإصلاحات الروسية تجميلية، وبقيت النخب السوفيتية القديمة ووسائلها لتنظيم علاقات القوة هي المتحكمة. ثم بعد فترة قصيرة من التيه والتخبط، أعادت هذه النخب تنظيم صفوفها وبسط سيطرتها على المجتمع. لذا لا تمثل روسيا حالة انتكاس ديمقراطي- بل حالة ديمقراطية لم تبدأ مسيرتها قط.

من هم النومنكلاتورا السوفييت

مما لا شك فيه أن الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي لم يكن قط حزباً سياسياً بأي مغزى معهود للكلمة، وكان في الحقيقة هيكلية لممارسة سلطة الدولة، وآلية محورية لتسلسل منظومة القيادة الإدارية. من اللجنة المركزية في موسكو نزولاً إلى اللجان الفرعية على مستوى الأقاليم والبلدات في المحليات، كانت الأبنية البيروقراطية للحزب الشيوعي السوفيتي هي نفسها الأجهزة الحاكمة الفعلية للدولة السوفيتية. ولضمان سيطرة مركزية على هذه الأجهزة وقراراتها، أنشأ البلاشفة ما تعرف باسم النومنكلاتورا (تُترجم حرفياً "نظام الأسماء")، التي تضم كافة المناصب البيروقراطية والإدارية من الدرجات المتوسطة والدنيا داخل أجهزة الحكومة والشركات المملوكة للدولة. كان تولي وظيفة في القطاعات الأساسية في المجالات الثقافية والإعلامية والتعليمية وغيرها يتطلب الموافقة من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي. وكان الأفراد الذين شغلوا هذه المناصب هم أنفسهم الذين يشكلون طبقة النومنكلاتورا السوفييتية. في الواقع، كانوا لا يشكلون سوى كسر ضئيل من جملة سكان اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية. وفي أوجها، ضمت هذه الطبقة ما لا يزيد عن حوالي ثلاثة ملايين شخص، بمن فيهم أفراد عائلاتهم. وإذا كان التعداد السكاني للاتحاد السوفيتي بتاريخ تفككه يقارب ثلاثمائة مليون شخص، فهذا يعني أن طبقة النومنكلاتورا شكلت ما نسبته 1 إلى 3 بالمئة من مجمل السكان.

كانت عملية انتقاء الأفراد للانضمام إلى طبقة النومنكلاتورا ذات طبيعة لينينية محضة: تكتنفها السرية بشكل متعمد، مركزية، تبدأ من أعلى لأسفل، وغير ديمقراطية. وقد اتبعت نصيحة لينين بعدم إضاعة الوقت في التفكير حول "ألعاب الديمقراطية الصبيانية" و"عدم التردد لحظة في التخلص ... من عضو غير مرغوب فيه". هكذا كان يتم ملئ جميع المناصب، حتى المنتخب رسمياً منها، بواسطة مرشحين قد حصلوا على تذكية من مسؤولين أعلى منهم لتقديمها إلى الأجهزة التي تنتخبهم. على سبيل المثال، أي شخص يطمح للترشح للخدمة كسكرتير لجنة إقليمية تابعة للحزب الشيوعي السوفيتي كان يتعين أن يتم انتخابه مسبقاً من قبل سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي. ومن ثم أصبحت النومنكلاتورا طبقة مغلقة على نفسها ومحتكرة للحكم مؤلفة من أعضاء مُعَينين يتم اختيارهم ليس على أساس مؤهلاتهم أو قدراتهم، بل على أساس استعدادهم لاتباع وتنفيذ الأوامر. بالتالي اعتمدوا على رؤسائهم وأطاعوا النظام واهتموا بالحفاظ على الوضع القائم الذي أعطاهم مناصبهم وامتيازاتهم في مقابل الولاء التام.

كان لتجربة التنشئة داخل طبقة النومنكلاتورا تأثيراً عميقاً ولا ينمحي على تفضيلات أعضاها. وأدت هذه النخبة السوفيتية وظيفة رعوية، غير ديمقراطية في علاقتها على الجمهور السوفييتي العام. لم تكن وظيفتها أن تُمثل الخليط المتنوع من المصالح داخل المجتمع، بل خدمة الدولة-الحزب، في تأدية مهامها وحراسة أصولها. وبالنسبة لأعضاء النومنكلاتورا، كان الانضباط والطاعة العمياء هما حجر الزاوية. وكان التعليم والبروباجندا والامتيازات الخاصة (مثل الوصول إلى المرافق الطبية أو متجار التجزئة المغلقة أمام المواطنين السوفييت العاديين)، والوسط الاجتماعي المترف المخصص لأعضاء النومنكلاتورا كانت جميعها مُصَمَّمة خصيصاً لتدريبهم على حشد التأييد والمساندة على الدوام وبشكل أعمى لمنظومة الحكم السوفيتية. وكل من أبدى أي مظهر من مظاهر الشكوى أو الامتعاض تعرض فوراً للطرد والحرمان من امتيازات هذه الجنة السوفيتية المغلقة. وبناءً عليه، قد ساعد هذا التهديد الحقيقي والدائم بفقدان المكانة والامتيازات في مجتمع كانت الدولة تهيمن على معظم أوجه الحياة في ضمان امتثال النخب لأوامرها وخلق حوافز قوية لكي يتشرب أعضاء النومنكلاتورا حتى التطرف مبادئ الأيديولوجيا الشيوعية السوفييتية.
____________________________
ترجمة: عبد المجيد الشهاوي
رابط المقال الأصلي: https://www.journalofdemocracy.org/articles/why-russias-democracy-never-began/

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت