العسكر طاعون الشعوب - الحلقة الثانية

سعود سالم
2023 / 8 / 18

٦ - أن احد مفاتيح العلاقات الإنسانية الجماعية هو مايسمى “بالعنف“، ليس العنف الفردي المحدود، والذي تركز عليه عادة أجهزة الإعلام المختلفة في أوربا لتضخيم مبيعاتها المتعلقة بالصناعات الأمنية، كالجريمة والإرهاب، إنما العنف الجماعي المنظم، أي “عنف الدولة“ وعنف المؤسسات الرسمية التابعة لها مثل المحاكم والسجون وأجهزة الشرطة وقمع الشعب والمؤسسات العسكرية المتنوعة. والعلاقات الدولية مبنية أساسا على هذا العنف المقنّع تحت عدة تسميات مختلفة، مثل الحرب الوقائية، والحرب ضد الإرهاب، والحرب من اجل الديمقراطية والحرية. هذا العنف المنظم يبدو على الدوام كخلفية ثابته مستمرة عبر التاريخ لهذه العلاقات المتشابكة. والمؤسسات العسكرية بكل أنواعها، هي الجهاز، أو الآلة الضخمة الأساسية التي تواصل بواسطتها هذه الدول استعمال القوة والعنف، من اجل الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والسياسية والثقافية في العالم من جهة، ومن ناحية اخرى من اجل استعباد مواطنيها، واستلاب حرياتهم الأساسية. أن المؤسسات العسكرية الأمريكية، والمؤسسات العسكرية التابعة للدول الرأسمالية بشكل عام، تشكل أولا وقبل كل شيء تهديدا تستعمله هذه الأنظمة لحماية مصالحها الرأسمالية في أية بقعة على سطح الكرة الأرضية . وهي قادرة عمليا بواسطة جيوشها المعدنية الحديثة على ضرب أي موقع وتخريب أية مدينة واحتلال أية دولة أخرى في ظرف أيام أو أسابيع قليلة، وذلك بأقل ما يمكن من الخسائر البشرية والمادية فيما يتعلق بقواها الهجومية. هذه الجيوش تشكل العمود الفقري لهذه الأنظمة، وليست مجرد مؤسسات فخرية للمهرجانات السنوية، أو أعياد ميلاد الملوك والأمراء والعقداء، أو لإحياء ذكرى “الاستقلال“. إن دورها محدد وأساسي، ولا يمكن اعتباره جانبيا أو فرعيا. فالجيش الأمريكي على سبيل المثال، يعتبر أضخم مؤسسة صناعية في العالم، ينتمي إليها أكبر العلماء والخبراء والمهندسين والمخططين، وتخرج من مصانعها احدث أجهزة الدمار وأسلحة الموت التي لايستطيع أن تخطر على بال بشر. وتصدير هذه الأسلحة، أو على الأقل جزء منها، يعتبر أكبر مصدر للدخل بالنسبة لأمريكا وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل وبقية دول أوربا الرأسمالية. ففرنسا على سبيل المثال يبلغ دخلها من بيع الأسلحة عدة مئات من المليارات في السنوات الأخيرة وعقدت صفقات ضخمة مع استراليا والبرازيل والهند وقطر ومصر ولبنان والسعودية، والقائمة لا نهاية لها. وفرنسا تحاول منذ سنوات الضغط دوليا من اجل رفع الحضر على تصدير السلاح إلى الصين، ليس من اجل عيون الصينيين والصينيات، وإنما من اجل توسيع سوقها المدمرة. أن المؤسسات العسكرية الرأسمالية هي أولا وقبل كل شيء مؤسسات وشركات اقتصادية وأدوات سياسية، وهي في تعاون مستمر وفعال مع بقية الشركات الرأسمالية من أجل السيطرة على السوق العالمية، يساندها في ذلك كل جهاز الدولة ـ وزارة الخارجية، السفارات والقنصليات المختلفة، والمراكز الثقافية والحجرات التجارية ومراكز الصداقة الخ. إنها ليست مجرد دبابات وصواريخ وطائرات تتراكم في المعسكرات ليأكلها الصدأ كما في بلدان العالم الأخرى. والكل يعرف مساهمة هذه المؤسسات العسكرية في الاختراعات الحديثة، والتي آمن ضمنها شبكة الانترنت، التي خرجت من جماجم العسكر الأمريكيين.

٧ - إن محاولة التفكير وتحليل العلاقات الإنسانية على مستوى المجتمعات الدولية المختلفة، تفضي بنا مباشرة إلى حقيقة أولية في غاية البساطة، وهي انه لتغيير العلاقات العالمية، وبنائها من جديد على أسس سليمة وخالية من “العنف“، لابد من التساؤل عن “الجيش كمؤسسة عسكرية“، وعن "ضرورة" وجود مثل هذه المؤسسات على المستوى الدولي وعن دورها الفعلي. فعلى مدى التاريخ، يبدو واضحا أن الجيوش منذ تكونها لا تخدم، ولم تخدم سوى هدف واحد يتيم هو “السلطة“. ولا يوجد أي جيش في العالم لا يخدم، أو يمارس السلطة بطريقة أو بأخرى. وأسطورة الجيوش الشعبية ما هي إلا خرافة نقدمها للشعب الجائع لكي يواصل قيلولته الطويلة دون أن يستيقظ. إن أي شعب من الشعوب لا يحتاج إلى الجيش إلا في ظروف محددة، بل شديدة التحديد. وقد اختفت هذه الظروف ـ على الأقل نظريا ـ تماما من الساحة السياسية المعاصرة، ما عدا بعض الاستثناءات، وذلك حين يكون الاحتلال واضحا، ومتفقا عليه دوليا، مثل حالة فلسطين، وبلاد ألباسك وارلندا وكردستان، على سبيل المثال. أي أن الشعوب الوحيدة التي هي في حاجة إلى جيش شعبي لتحريرها من الاحتلال العسكري، هي بالذات الشعوب التي لا تمتلك هيكلا “دوليا“ وفشلت جيوشها الشعبية في مواجهة الإحتلال ونيل إستقلالها، بعد سنوات طويلة من النضال والدماء المسفوكة أضطرت في النهاية للخضوع للأمر الواقع وحل هذه الجيوش والخضوع للإحتلال. بمعنى أن أي شعب يتمكن من تحرير نفسه، وبناء الهيكل السياسي الذي يناسبه، لم يعد في حاجة إلى الجيش، أو المؤسسة العسكرية. ذلك ان الجيش كقوة تدميرية هو مجرد وسيلة، وليس غاية في حد ذاته. وعندما يؤدي مهمته التاريخية في التحرير، ليس له سوى أن ينحل ويندمج في المجتمع الذي أنتجه لهذا الهدف الوحيد بالذات. ولهذا السبب لا بد لنا أن نتساءل بجدية عن ضرورة تواجد الجيوش في دول العالم الثالث، وبالذات إذا أخذنا في الاعتبار ما سبق قوله عن تقدم الجيوش الرأسمالية وقوتها التدميرية المروعة، نظرا لشهيتها المفتوحة دائما في الاستحواذ على كل الثروات، والتحكم في مصادر الطاقة، الخ. وحين نأخذ في الاعتبار أن جيوش العالم الثالث لن تستطيع أن تواجه هذه الجيوش، ولا أن تحقق هدفها المعلن في حماية البلاد إذا ما هوجمت من قبل أية دول أوربية، أو أمريكية، فإنه من الضروري أن نتسائل ما فائدة هذه الجيوش ؟ ولماذا تنفق أفريقيا التي يموت شبابها محترقا في رمال الصحراء وغرقا في مياه البحر بحثا عن لقمة العيش والحياة الكريمة، لماذا تنفق أكثر من ٢٤ مليار من الدولارات على جيوشها المهلهلة ؟. ألا إذا افترضنا ـ بسوء نية مبيتة ـ أن مهمة الجيش في هذه البلدان هي حماية السلطة، وقمع الجماهير حينما تستيقظ من غفوتها، ومناوشة الجيران الفقراء كلما شب نزاع بين أميرين أو بين الجنرال ونائبه كما حدث في السودان. ولكننا لسنا إلى هذا الحد من سوء النية، ولذلك نواصل البحث والتساؤل عن معنى تكوين مؤسسات متخصصة في القتل والتفجير والتدمير تبتلع ميزانيات هذه الدول التي يموت مواطنيها من الجوع والجهل والعطش.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت