فشات خلق

كامل عباس
2023 / 8 / 15


استوقفني البارحة أحد المارة وأنا في طريقي الى سوق الخضار وسلّم عليّ بحراره , لم أعرفه في البداية قال لي :
- انا زميلك , لقد درّسنا سوية في ثانوية عبد المنعم رياض طيلة العام الدراسي 1969- 1970 أنت استاذ علوم وأنا استاذ رياضيات وكنا الاثنين نُدرّس من خارج الملاك .
تذّكرته في الحال فتعانقنا عناقا حارا من جديد
- أنا أتابعك على الفيسبوك ومُعجب بقصصك اكثر من مقالاتك السياسية
- صرنا اثنين
- أعجبت بقصة حملت عنوان – أوراقي الغاضبة من سجن تدمر الى شواطئ اللاذقية –
- لم اكتب بحياتي قصة لها هذا العنوان وانا أحرص ان تكون عناوين قصصي قصيرة تيمنا بالمثل الشعبي – المكتوب يُقرأ من عنوانه -
أخرج الصديق هاتفه الخليوي وابرز لي الخاطرة مع صورتي, دُهشت ! قرأت الصفحة الأولى . انها بخط يدي ولم يتغير فيها سوى العنوان, لقد كتبتها في آب عام 2017 وكانت صفحتي وعدد أصدقائي قليلون آنذاك, لكن الخاطرة اعجبت الصديق أكرم جهاد حوراني فنشرها على صفحته , وهو مشهور سياسيا هو وأخته فداء والمرحوم أبوه أيضا , فأعجب بها الكثيرون ونُشرت من قبلهم الكترونيا وورقيا . الكترونيا سمّاها الناشرون – بوح هاتك – أما وورقيا فقد سمّوها بهذا العنوان الذي يحتفظ به صديقي. تذّكرت رفيقي ابراهيم صموئيل واحدى القصص في أول مجموعه له والتي حملت عنوان – المرحاض – ولم تضع لها الصحف التي نشرتها هذا العنوان بل غيّرته كما جرى في خاطرتي مما جعله يُعلق في احدى الصحف قائلا : مما يشكو المرحاض وما به ؟!
في طريق عودتي الى البيت وأنا مُحّمل بأكياس الخضار- بعد ان انتقل السوق من جانب بيتي الى حي القنيناص البعيد نسبيا- فاضت بي الذكرى عن فشات خلقي ولا بد ان كثيرا من متابعي على صفحتي يتذّكرون فشات خلقي من خلال حلقاتي التي فاقت الثلاثين تحت عنوا ن– سيرة وانفتحت –
يعرف من يتابعني من الأصدقاء الافتراضيين على فضاء النت أنني مواليد قرية بشراغي, ريف جبلة عام 1949وانني تخرّجت منها علم 1971بمدة خمس سنوات - سكنتها في المدينة الجامعية ,أربع منها على حساب كلية العلوم, والخامسة على حساب كليةا لتربيية ,وفيها نلت شهادة الدبلوم العامة , وطيلة الخمس سنوات لم اتّعرف على شارع ابي رمانة ولم اقرأ طيلة السنين الخمس سطرا واحدا خارج منهاج كتبي الجامعية. لكن شغقي للقراءة قادني بعد الدراسة الجامعية الى كتاب أصول لفلسفة الماركسية الذي قادني بدوره الى السياسة حيث لاقى هوى في قلبي وروحي فأنا ابن قرية حفرت في ذاكرتي معاناة فلاحيها مع الطبيعة والدولة , وكانت الدولة ولا تزال اقسى من الطبيعة – في طفولتي شهدت مضابط جماعية بحق فلاحيها لأنهم يقطعون أحراش الغابات من اجل خبز التنور . وكنت وما زلت اتساءل من أين لهم الحطب ان لم يكن من غابات قريتهم حتى يخبزوا رغيفهم , ولم تكن معاناة الفلاحين مع شرطة الحراج فقط بل ومع شرطة الريجي وشرطة مأموري الضرائب وكلهم يحتاجون الى الرشوى كي تكون المضابط قليلة الوزن والحجم ؟؟؟!!
قادتني السياسة الى غربة داخل وطني ما زالت مستمرة حتى كتابة هذه السطور لقد خلقني الله ببنية حسية عصبية شديدة , ومع ذلك لم ينفجر قولوني بعد بسبب فشات خلقي وانا اعتبر نفسي حتى اللحظة خرجت من السجن الصغير الى السجن الكبير. لكن بصراحة لم تعجب فشات خلقي على الورق رفاقي وقد رأى فيها معظمهم انها ذاتية وسيئة ولا تدور حول فكرة واحدة وليست ملتزمة وبالتالي لاتليق بمناضل مثلي , مماسبّب لي احباطا شديدا حيث كنت قارئها الوحيد وما زلت احتفظ بالكثير منها حتى اللحظة مثل مسرحية – أرنب ارنب في الجولان ,اسد أسد في لبنان.
استّمرت فشات خلقي على الورق حتى بعد خروجي من السجن ولكن رأى فها الكثير من رفاق الفيس بوك أنها تمتع وتفيد . وها أنذا اعدكم بفشات خلق جديدة ستكون مفيدة لي على مستويين .
تهدئة ما يسميه دكتور الهضمية – همروجة أمعائي المتهيجة
رسائل الاعاجب التي تاتيني هو الشرط الأول للأدب - أن يمتع ويفيد - بعيدا عن تصنيفاته ومقاييسه , سأترك قلمي بالطول والعرض
لم تقتلني فشات خلقي السابقة . هل يمكن أن تقتلني فشات خلقي الجيدة ؟ اكون شاكرا لله اذا تّم ذلك فانا اركض وراء الموت والموت يهرب مني

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت