الكتابة عن الكتابة

عباس منعثر
2006 / 11 / 7

الكتابةُ، عملياً، تحبير للصفحات. يتلو الحرفُ الحرفَ والكلمةُ الكلمةَ. وتبعاً لأصواتِ اللغةِ ونحوها والعلاقاتِ القائمةِ بين الكلماتِ والصورِ يكونُ المعنى، يكونُ الإيحاء. وسواءٌ توسّعتِ الجملةُ واستطالتْ أو تشكلّتْ من كلمتين فإنها لا تخرجُ، إلا في النادر، عن قاموسِ الكتابةِ والسماع. الصوتُ قانونٌ حتمي، وفي حالةِ الأخذِ عن منهلِ اللغة ذاتهِ من قِـبَلِ الكتاب جميعاً، الخلاقينَ منهم والنظّامين، كيف يختلفُ التأثيرُ، ولِـمَ يتوفرُ لجملةٍ أن تعيشَ طويلاً، بينما تموتُ جملةٌ أخرى ( تحملُ الكلماتِ نفسهَا ربما ) في لحظةِ ولادتِها؟ حينما يقول (يسينين) إنني أتألمُ يا أمي، يتحولُ الألمُ يكبرُ يتضخمُ ُيعدي ُمتلقيهِ، مع أنَّ الجملةَ ذاتها قد قيلتْ، وستـُقالُ، مئاتِ المرّات بطُرقٍ مختلفةٍ وهوائيةِ الصدى. كيف تعيشُ لغةٌ، إذن، وتموتُ أخرى؟

مثلَ اللوحةِ، تهزّنـُا بعضُ النصوصِ من الداخلِ بفورةٍ نجهلُ، في لحظةِ التلقي، سرَّها، رغم قِـدَمِ الإنشاءِ والمسافةِ الزمنيةِ والاجتماعيةِ الواسعةِ التي تفصلُنا عن المنتجِ وفضائهِ. هنا ُيفيدُنا الدرسُ الاجتماعيُّ الحديثُ في السؤالِ لا عن اصلِ أيّ ظاهرةٍ فحسب ( ومنها الإبداعيةِ )؛ بل السؤالُ عن سرّ مداومةِ الأثرِ، وبلغةٍ اجتماعيةٍ : لِـمَ استمرّتْ الظاهرةُ س، ما هيَ عواملُ الاستمراريةِ، وكيف تخطّتْ فعلَ الزمنِ والتغيير؟ عاشَ شكسبير بين القرنِ الخامسِ عشر والسادس عشر، وكتبَ بالّلغةِ الإنكليزيةِ معبراً عن وضعٍ خاصٍ وثقافةٍ خاصّة، وهو، مع ذلك، يؤثرُ في القرنِ الحادي والعشرين، في أفريقيا، مع اختلافِ الوضعِ الوجودي والحياتي ومع اختلاف الثقافةِ للمنتجِ والمتلقي معاً. أين يكمنُ السبب؟

َشهِدَ تاريخُ الأدبِ صعوداً وهبوطاً في بارومتر التقييمِ بالنسبةِ لكتـّابٍ وحركاتٍ وظواهرَ عديدة. حتى المعضلاتُ الفلسفيةُ الأساسية ُينظرُ إليها كلّ مرّةٍ من زاويةٍ مختلفة. ُيمكنُ تذكرّ الإهمالِ الذي غَيـّمَ على شمسِ شكسبير، ُيمكنُ تذكر (لوتريامون) وكيفيةُ إعادةِ الاعتبارِ له، و(جون دون) والشعراء الميتافيزيقيين، بالمقارنةِ مع حجمِ المكانةِ والمآلِ بالنسبة إلى (جون درايدن والكسندر بوب). ألم ُينظر إلى (بليك) كشاعرٍ غريبٍ وغامضٍ في زمنٍ يناطحُ به (شللي) السحاب؟

ربّ كلمةٍ تخلقُ تأثيرَها الآنيّ بقوّةٍ ( القصائد المنبرية الحماسية مثلاً )، لكنها لا تنفكُّ تشحبُ حتى تتلاشى. إذْ أن حياةَ الكتابةِ تتناسبُ عكسياً، معظمَ الأحيان، مع المفضوحية، ومع جهوريةِ استلامِهِ الأوّل. بمعنى : ُكلّما كان العطاءُ الأولُ كبيراً ُكلّما قلَّ عمرُ الأثر، ذلك أنّ النصَ الحقيقيَّ يتسربُ رويداً رويداً، كعلاقةِ السلحفاةِ بالأرنبِ في الحكايةِ المشهورة. الغامضُ، ابن التعددِ الكياني، صنوُ تعايشِ وجهاتِ النظر، وليدُ الرغبةِ في توسيعِ الطبقات، والمباشرُ قاهرٌ للاختلافِ، قسريُّ النظرِ، غيرُ مبقٍ لفعلِِ الاكتشافِ ( الذي تقومُ بهِ القراءةُ ) ُمتنفساً حقيقياً. كلّ اثرٍ، مهما أعطى، لابد أن يشيخُ ويهرمُ بمرورِ الزمن، فقد يدخلُ في باحةِ المعتادِ وقد ُيباشرُ المقلدونَ تقليدَهُ، فيُصبحُ شائعاً ومشاعاً، ثم يستنفدُ مهاراتِهِ بعد وقتٍٍ يطولُ أو يقصر.

لربما يكونُ المبهرُ في نتاجٍ ما جهلُ متلقيهِ، وبعد علمِهِ بما يجهلُ يختفي الإبهارُ، ولربما يعودُ أساساً إلى الجدّةِ في بابِهِِ. ستنتهي جدةُ أيِّ اكتشافٍ إلى تأريخِ الأدبِ، كما تنتمي الاكتشافاتُ العلميةُ إلى تاريخِ العلمِ لا حاضرِه. ففي الشعرُ العربيّ امتدّ جدالٌ طويلٌ عن ريادةِ الشعرِ الحديثِ كما ُسمّيَ وقتها ( أي شعر التفعيلة )، وبعد أن أُستهلكَ هذا السؤال، طلع سؤالٌ يناسبُ التباعدَ الزمنيّ عن عصرِ الريادةِ، واختفتِ الريادةُ من ُسلّمِ الأولوية : من الأكثرُ عمقاً وإبداعاً؟ لتدخلَ أسماءٌ جديدةٌ ظلّـتْ مهملةً أو منسيّةً لعقود. فالكلمةُ التي تستندُ إلى الجدة وحدَها قد ُتعمّرُ لعقدٍ ثم تموت. الجدة تفقد جدتـَها حالَ حضورِها: أي تنفي ما تقدمهُ بمجردِ ما تقدمه. أما الكلمة التي ُتخفي أثرَها وُتسربهُ ببطءٍ فإنها ستعمرُ طويلاً، إلى أن يأتي اليومُ الذي تموتُ فيهِ هيَ الأخرى.

لكلّ اثرٍ أغصانٌ عديدة، هي في الحقيقةِ طبقاتُ إيحائِه. كّلما َيبّسَتِ الشمسُ ُغصناً بزغَ آخر. ولو كانت كلُّ أغصانِ شكسبير في هملت متوقفةً على ( الشبح ) – ذلك الكيانِ الذي توقفنا عن رؤيتهِ بمنظارِ عصرِ المؤلف- لسقطَ النتاجُ كلـُّه. لكنّ الذهنَ الجدليّ هو الذي يوجـِدُ مساربَ تأثيرٍ جديدةٍ كلما كفّ مسربٌ عنِ التأثير. في شعرِ التفعيلةِ ابهرَ الخروجُ الأوليّ على العمودِ الكثيرينَ إلى درجةِ ُعدّ الإسهامَ الجوهري، ثم تحوّلَ هذا الإسهامُ بمرورِ الزمنِ إلى إحدى السماتِ الشكليةِ أو الخارجيةِ أو غيرِ ذاتِ قيمةٍ ولم يعدْ مركزاً في التقدير.

التمايزُ الحقيقيّ في انتقاءِ الكلمةِ، كغُصنٍ أول، ودمجِها في تركيبٍ، وربطِ التراكيبِ في جُمَلِ وربطِ الجمل في علاقاتٍ وربط العلاقاتِ في بنيةٍ تؤدي إلى الأثر. كلّ ذلك اعتماداً على كينونةِ الإبداعِ الأدبيّ الرئيسة: كونَهُ لُغَة. تُـشرِفُ على هذه العمليةِ برُمتها رؤيا الكاتبِ، الغصنُ الثاني، لنفسِهِ وللعالمِ وقدرتـُه على الصوغِ والتصورِ واستعدادُهُ للخلقِ واتساعُ افقِهِ ومنهلِهِ الثقافي، وتقاربُ حدوسِهِ الشخصيةِ مع هواجسِ عصرِهِ، وبعضٍ من هواجسِ العصورِ التي تليه.

المعضلةُ فيما بقيَ كيفَ بقيَ، و إلى أيّ مدىً سيدوم؟

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية