المشهد العراقي .. صراع التحاصص

عبدالله عطية شناوة
2023 / 8 / 14

كل طرف من أطراف ما اصطلح عليه بــ ((العملية السياسية)) في العراق يعرف ما يريد، كل منها يريد الحفاظ على نظام المحاصصة الطائفية ـ الإثنية، ويعمل في ذات الوقت على توسيع حصته من غنائمها. طرف واحد فقط، هو مقتدى الصدر، الذي وجد أن المحاصصة تلحق به غبنا، لا يمكنه من ترجمة تميزه عن باقي الأطراف، ويحول دون تحقيق تطلعه للقيام بدور ((السيد القائد)).

أراد مقتدى كسر طوق المحاصصة، عن طريق دغدغة كل المشاعر الشعبية المعلنة والمضمرة ضد المحاصصة وفسادها، ومغازلة كل الأطراف ما عدا المالكي، الذي سبر تطلعات الصدر لأحتلال موقع مرشد جمهورية العراق الإتحادية، وفي ذلك وظف مقتدى على نحو مرتبك الخطابين السياسي والديني. السياسي موجه لفرقاء العملية السياسية، وللمجالين الأقليمي والدولي، والديني للتلاعب بذلك الطيف الواسع الهجين الذي يتكون منه ما يسمى بالتيار الصدري.

لكن مقتدى فشل في مسعاه لعزل المالكي، لان كل طرف من أطراف منظومة المحاصصة، أدرك أن أية خطوة باتجاه عزل طرف من أطرافها، يحمل لها جميعا ــ على نحو منفرد أو جماعي ــ خطر الأقصاء. وساعد المالكي في البقاء مؤثرا في المنظومة، تهور مقتدى وصبيانيته، وافتقاره التام الى الحس السياسي.

نقطة ضعف مقتدى، رغم شعبيته الطاغية في الشارع الشيعي المعدم، أنه ليس سياسيا يمتلك الحس والوعي السيايين، ويحسن استخدام أدوات الصراع السياسي على نحو ناجح وقوي، وهو يدرك هذا النقص فيحيط نفسه بجماعات موزائيكية من سياسيي الصدفة، يتوهم فيهم براعة سياسية، ليس لها أي أساس على الواقع، ويتأرجح هو وقراراته السياسية بين نصائحهم المتناقضة، ويجهد لسد النقص في الجانب السياسي، بالإتكاء على الجانب الديني، المتمثل بإرثه الأسري. وهنا أيضا مشكلة فمقتدى في الحقيقة ليس رجل دين حقيقي، ولقب حجة الإسلام الذي يستخدمه إحيانا هو أدنى مراتب التراتبية الدينية الشيعية، يحصل عليها من أتم ــ وربما حتى من لم يتم ــ ما يسمى بدراسة السطوح، وهي الدراسة الحوزوية الأولية في المؤسسة الدينية الشيعية.

ولهذا فمقتدى غير قادر على أرتجال خطبة دينية، أمر يجعله، في خطبه المكتوبة يمزج بين الدين والسياسية. ولا تطمح الأوساط البسيطة التي تضع نفسها رهن إشارته إلى أكثر من هذا، يكفيها هذا لأنها مطحونة اقتصاديا ومهمشة سياسيا. وقبل هذا وذاك فقيرة معرفيا.

المشكلة إذن في توافق مرتزقة العملية السياسية على قواعد مكنتهم من احتلاب موارد البلاد الاقتصادية، ومراكمة ثروات هائلة، أسسوا بها جيوشا ومليشيات، مستعدة للتقاتل في ما بينها نيابة عنهم، للإحتفاظ بعطاياهم. يحاول بعضهم أحيانا تغيير تلك القواعد، كما فعلت العائلة البارزانية عام 2017، والتي أحبط حيدر العبادي محاولتها، بمناورات أتسمت بقدر لا بأس به من الذكاء. ولولا عودة كركوك الى حضن الدولة الإتحادية، لزجت العائلة البارزانية الشعب الكردي في حرب مع باقي مكونات العراق، ذودا عن ما أسماه البارزاني مسعود حينها بـ (( حدود الدم )).

يمكن تلخيص الأمر بأن العراق محكوم من زمر متنافسه لا يملك أي منها القدرة على إقصاء بقية المنافسين، أرتضت جميعا ـ بعض منها على مضض ـ التوافق على تحاصص موارد العراق الأقتصادية فيما بينها، وإهمال مصالح الشعب العراقي بكل مكوناته، وهي تستغل المعاناة الشعبية الناجمة عن ذلك في عملية الصراع الذي يشتد حينا ويخفت حينا آخر، تحت شعارات من قبيل: الأصلاح، وحقوق الكرد، والمقاومة الإسلامية والدفاع عن المكون السني.

هذا هو المشهد العراقي باختزال، وكل اختزال لا يخلو من خطأ.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت