عنف المستوطنين جزء من منظومة القمع والهيمنة لدولة الاحتلال (1 من3)

نهاد ابو غوش
2023 / 8 / 14

نهاد أبو غوش
وسط استمرار التصعيد الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والذي يندرح في إطار ما يسميه كثيرون محاولات حسم الصراع بالقوة العسكرية وليس عن طريق المفاوضات والاتفاقيات، برز موضوع "عنف المستوطنين" إلى واجهة الأحداث لعدة أسباب ابرزها تبنيه والدفاع الصريح عنه من قبل أوساط رسمية نافذة ومن قبل حركات سياسية تشارك في حكومة الائتلاف اليميني ما يؤشر لخيارات هذه الجماعات ورؤيتها لحسم الصراع، ثم تكرار وانتشار حوادث عنف المستوطنين على مساحة الأراضي المحتلة بحيث بات ينذر بأن يكون شكلا رئيسيا للمواجهات ولم يعد ممكنا الادعاء بانه مجرد حوادث فردية متفرقة، إلى جانب الاهتمام الدولي بهذا التصعيد إلى درجة بدت فيها المواقف الدولية جاهزة ومهيّاة لإدانة هذا الشكل من العنف دون تردد.
عنف المستوطنين، أو إرهابهم ضد الفلسطينيين، ليس ظاهرة جديدة في يوميات الاحتلال والصراع، ولا هو وليد مرحلة وصول اليمين المتطرف للحكم، بل هو كامن في جوهر سياسات الاحتلال والاستيطان التي دشنتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ويمكن العثور على عشرات الحالات النافرة التي ما تزال حاضرة بقوة في الذاكرة الفلسطينية ومن بينها مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل التي نفذها (الدكتور) باروخ غولدشتاين عضو حركة (كاخ) التي أسسها الحاخام مائر كهانا في شباط /فبراير 1994. ومن نفس هذه البيئة، أي من تنظيم "كهانا حي"، أحد مشتقات حركة (كاخ) خرج الإرهابي نتان زادة من مستوطنة تبوح المقامة على أراضي قرية زعترة، مرتكب مذبحة شفاعمرو التي قتل فيها أربعة افراد من فلسطينيي هذه المدينة الجليلية، ومرت ذكراها الخامسة عشرة قبل أسابيع. وكذلك المستوطنون منفذو جريمة إحراق عائلة دوابشة في تموز 2015، والتي أفلت منفذوها من العقاب على اثر صفقات مع النيابة إما بسبب كونهم قُصّرا أو بذريعة انتزاع اعترافاتهم تحت الضغط والتعذيب المزعوم.
عنف مرتبط بتنظيمات إرهابية
يمكن النظر للحالات السابقة على أنها حوادث فردية متفرقة مع أنها في الغالب اقترنت بتنظيمات موصومة بالإرهاب مثل حركة كاخ أو تشكيلات ميليشوية تتبنى العنف مثل شبيبة التلال، وجماعة تدفيع الثمن (تاغ محير)، وإلى جانب ذلك هناك من يرى بأن الاستيطان بحد ذاته هو عمل مخالف للقانون الدولي ولقرارات الأمم المتحدة كما نص على ذلك مجلس الأمن 2334 في ديسمبر 2016 الذي استرشد بدوره بفتوى محكمة العدل الدولية في لاهاي في تموز 2004 بشأن الجدار والاستيطان.
يربط كثير من المراقبين تصاعد عنف المستوطنين بالثقل الذي اكتسبه هؤلاء والثقة التي باتوا يتمتعون بها بعد صعود حكومة ائتلاف اليمين المتطرف للحكم في إسرائيل برئاسة بنيامين نتنياهو ومشاركة ممثلي تيار الصهيونية الدينية أبرز ممثلي المستوطنين بوزن ملحوظ ومؤثر في هذه الحكومة. ومع هذا يمكن لأي متابع ملاحظة أن حوادث العنف والإرهاب المنسوبة للمستوطنين سبقت ذلك، وهي ظلت في تصاعد إلى الدرجة التي أقلقت ممثلي الإدارة الأميركية. حيث سبق لمساعدة وزير الخارجية الأميركي فيكتوريا نولاند ان بحثت هذا الموضوع في ديسمبر 2021 في عهد حكومة نفتالي بينيت، مع وزير الأمن الداخلي آنذاك عومر بارليف. وما كاد هذا الوزير المنتمي لحزب العمل أن يذكر مصطلح "عنف المستوطنين" حتى انهالت عليه الانتقادات من داخل الحكومة ومن خارجها، حيث وبخه رئيس الحكومة بينيت بالقول أن وجود عناصر هامشية ضمن مجتمع اليهود في المناطق يجب الا يدفع إلى التعميم على مجتمع بأكمله. ووصفت زميلته في الحكومة أييلت شاكيد المستوطنين بأنهم "ملح الأرض" بينما اتهمه الوزير الحالي بتسلئيل سموتريتش وزعيم حزب الصهيونية المعارض حينها بأنه يشارك في حملة كاذبة ومعادية للسامية لتشويه سمعة المستوطنين، أما بنيامين نتنياهو فاتهم الوزير بارليف بأنه يشوّه سمعة إسرائيل بدلا من الحديث عن تصاعد موجة "الإرهاب" الفلسطيني.
في وقت أبكر من ذلك رصدت حركة "السلام الآن" بشكل إحصائي وملموس ظاهرة تنامي عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، حيث أظهرت بيانات المتابعة من العام 2012 وحتى العام 2021 والتي بلغ عددها أكثر من ألف ومئتي حالة، ازدياد عدد حالات العنف من قبل المستوطنين ضد الفلسطينيين خلال العام 2021 بمقدار مرتين ونصف المرة عن العامين اللذين سبقا، وخلصت بعد تحليل مئات البيانات والمعطيات التي جمعتها منظمة "ييش دين" إلى وجود ارتباط وثيق بين ما يسمى "البؤر الاستيطانية غير القانونية" وبين عنف المستوطنين، حيث تبين أن 63% من بين 1256 حالة عنف وقعت في جوار تلك البؤر العشوائية التي استمرت في التوسع والتطور دون تدخل السلطات. وشملت تلك الحالات الاعتداءات الجسدية على الفلسطينيين، والإضرار بالممتلكات والمحاصيل الزراعية، إلى جانب الاستيلاء على الأراضي واغتصابها بالقوة.
ويظهر معدو التقرير دهشتهم لعدم قيام الضحايا الفلسطينيين في معظم الحالات بتقديم شكاوى للشرطة أو الجهات الرسمية الإسرائيلية على هذه الاعتداءات، ويعزون ذلك لعدم ثقة الفلسطينيين بجدوى هذه الشكاوى، وتظهر الاحصائيات أنه في نصف حالات العنف المسجلة فقط قدمت شكاوى، وقامت الشرطة بإغلاق الغالبية الساحقة من الشكاوى، في حين قدمت لوائح اتهام في 47 واقعة فقط.
وقد سجل معدل مشابه لهذه الاعتداءات في النصف الأول من العام 2023 بحسب تقرير لهيئة تنسيق المساعدات الإنسانية في الأراضي الفلسطينية التابع للأمم المتحدة، الذي أورد أن 591 اعتداءا سجلت خلال الشهور الستة الأولى من العام 2023. وفي تقرير أورده حنان غرينوود في صحيفة "يسرائيل هيوم" يشير إلى أن النصف الأول من العام 2023 شهد وقوع 680 حادث "احتكاك" مقابل 950 حادثا على امتداد العام الأسبق.
1- Times of Israel ، بالعربية 17 ديسمبر 2021
2- موقع السلام الآن 22/ نوفمبر 2021 https://peacenow.org.il/the-illegal-outposts-and-settlers-violence?fbclid=IwAR1--8fPhEq4A_ep-HENbweVdeETaQ9cuIMkSqMsaltOv2__QonLddgU6z8

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت