قالت لنا القدس/ شهادة: أنا والمدينة17

محمود شقير
2023 / 8 / 13

3 .

عرفتها وعرفت اسمها منذ العام 1946 ، وكنت في الخامسة من العمر آنذاك. أذكر أوّل مرّة اصطحبني أبي فيها إلى المدينة. أصابتني الدهشة التي لازمتني طويلاً، وأنا أرى أبنية كثيرة متراصّة وبشراً كثيرين وسيارات وأكداساً من السلع. كنت أتعرّف إلى الفرق بين المدينة وبين قرية لا تحمل الكثير من سمات القرية. هنا حضور بشريّ كثيف وازدحام وحركة وبيع وشراء ودمى وألعاب تدخل البهجة إلى النفس، وفي القرية لا شيء من ذلك على الإطلاق.
بل إنّ إحساسي بالقرية على نحو أكيد، لم يكتمل إلا حينما تخرّجت في المدرسة، وعيّنت معلّماً في إحدى قرى رام الله. هناك، في تلك القرية الصغيرة الملمومة على نفسها، عرفت معنى القرية. عرفت كيف تتجاور البيوت، كيف يمكن سماع أصوات الجيران من شبّاك الغرفة الموارب، كيف تصيح الديوك في الصباح، وكيف تنهق الحمير وتخور الأبقار. كيف ترتفع أدخنة الطوابين التي تخبز عليها الفلاّحات خبز العائلة.
لم تكن تتوفر في قريتي الأمّ سمات القرية المألوفة. رحل جدّي وأسرته ذات نهار من البريّة. هجر مضارب عشيرته البدويّة، واتجه غرباً نحو تخوم القدس. وعلى أرض له هناك بنى بيتاً، ولم يكن في الجوار سوى ثلاثة أو أربعة بيوت أخرى، متناثرة على رؤوس الجبال. وهكذا ظلّت قريتي متباعدة البيوت حتى سنوات قليلة ماضية، حينما ازدادت أعداد الناس فيها وتكاثر العمران، وأصبحت القرية حياً من أحياء القدس.
ولم تكن القدس مدينة المسرّات وحدها بالنسبة لي. كانت الحرب العدوانية على الأبواب. وكنت أرى بأمّ عيني من مسافة ما، كيف تحتدم المعركة على سور المدينة وفي داخلها، وكيف يحمي المقاتلون الفلسطينيون والأردنيون والعرب القسم الشرقي من القدس، من الوقوع تحت سيطرة المنظمّات الصهيونية التي أصبحت جيشاً مسلّحاً له خطره، وله سمعته المرعبة بفعل المذابح التي ارتكبتها هذه المنظّمات في قرى فلسطينية عدّة. عرفت الحرب وأنا طفل، واقترن اسم القدس في ذهني باسم الحرب، على الرغم من الحقيقة التي تقول إنها مدينة السلام.
ولم يغادرني إحساسي بالخوف من الحرب، لا قبل النكبة التي انتهت بتشريد مئات الألوف من أبناء الشعب الفلسطيني، ولا بعد النكبة التي ظلّت تذكّرني بأنّ جنود العدو على استعداد دائم لإطلاق النار على بعض أحياء القدس الشرقية وشوارعها في أيّ وقت. كانت بناية النوتردام التي لا تبعد من باب العامود سوى مئات الأمتار، والتي يتحصّن فيها هؤلاء الجنود، تمثّل بالنسبة لي بؤرة القتل التي تترصّد الناس دون توقيت معلوم.
كانت المدينة غير آمنة طوال سنوات، ومع ذلك فقد أخذت تضمّد جراحها بعد انسلاخ قسمها الغربي عنها، وتحاول النهوض من جديد. وكنت شاهداً مباشراً على بعض تفاصيل هذا النهوض.

4 .

حينما ابتدأت الكتابة أوائل ستينيات القرن العشرين، كانت القدس قد نهضت من جديد، وامتدّ العمران خارج سورها القديم، وظهرت أحياء جديدة، وتداخلت أنماط البناء الموروثة من فترات تاريخية سابقة مع الأنماط الحديثة للبناء، وانتعشت التجارة والسياحة في المدينة، وتكاثرت الفنادق والمطاعم ودور السينما والمقاهي والملاهي التي تظلّ ساهرة إلى ما بعد منتصف الليل. وصدرت في المدينة أربع صحف يوميّة ومجلّة ثقافية واحدة، وانتشرت فيها المكتبات التي تبيع الكتب القادمة من القاهرة وبيروت.
كانت النزعة المدنية تتعزّز في المدينة على نحو ملحوظ، وكنت أتشرّب بعض مظاهر هذه النزعة المدنيّة ولكن على نحو محدود، ولم يكن هذا هو حالي وحدي، فقد كان الأمر ينطبق على الغالبية العظمى من أهل القرى المحيطة بالمدينة.
ربما كان ضعف تجذّر ثقافة التنوير والحداثة في القدس وفي عموم البلاد، بسبب قصر الفترة الزمنية التي ظهرت فيها هذه الثقافة، وبسبب الانهيار الذي أصاب المجتمع الفلسطيني جرّاء النكبة، هو الذي أسهم في تقليص الأثر المطلوب لهذه الثقافة في المدينة نفسها وفي محيطها بالذات، حيث إنّ إشعاع المدينة على المحيط ظلّ محدوداً، بحيث احتفظ هذا المحيط بكثير من عاداته وتقاليده ولهجاته القروية، وبكثير من تخلّفه وتعصّبه لبعض القيم التي تجاوزها الزمن.
وفي فترة لاحقة، وبالتحديد منذ هزيمة حزيران التي أدّت إلى انهيار المجتمع الفلسطيني في ما تبقّى من فلسطين، وإلى الآن، أخذت النزعة المدنيّة تضعف في المدينة نفسها نتيجة عوامل شتّى من أبرزها استمرار الاحتلال والإجراءات التي يقوم بها لتهويد المدينة، وراحت قيم الريف المحافظة تكتسح المدينة، لتصبح أشبه ما تكون بقرية كبيرة، لا تفعل الثقافة فيها أيّ فعل ملموس، ولا تظهر تأثيراتها إلا على نحو محدود.
ومع ذلك، أعتقد جازماً أنّ للقدس فضلاً كبيراً علي، لولاها لما كنت كاتباً. ولولا مجلّتها الثقافية التي نشرت أولى قصصي فيها، ولولا صحفها التي جعلتني على تماسّ يوميّ مع القضايا العامّة، ولولا مكتباتها التي أمدّتني بالكتب الأدبية وبالمجلات الثقافية، ولولا دور السينما فيها التي فتحت لي أفقاً ثقافياً كنت أفتقر إليه، لولا كلّ ذلك لما دخلت عالم الكتابة، أو لعلّني ما كنت لأستمرّ في الكتابة.
غير أنّ مراجعة سريعة للقصص التي ابتدأت بها مسيرتي الأدبية قبل خمسين عاماً، تدلّل على أنّ إحساسي بالمدينة لم يكن شبيهاً بإحساس ابن المدينة بمدينته. كان إلى حدّ كبير، لا يتجاوز إحساسَ القرويّ الذي يأتي إلى المدينة من خارجها، ثم يقيم علاقة من نوع ما معها. يتبدّى ذلك بوضوح في قصص مجموعتي الأولى "خبز الآخرين". ففي هذه القصة التي حملت المجموعة اسمها، وفي قصص أخرى، يتشكّل أبطال قصصي على الأغلب من نساء القرى ورجالها، الذين يأتون إلى المدينة للعمل أو للتسوّق أو لبيع بعض المنتوجات الزراعية، أو لطلب العلاج، ثم يعودون إلى مكان سكناهم بعد قضاء حاجاتهم في المدينة، وبعد الدخول في تجربة حيّة مشخّصة معها، وقطف ثمار هذه التجربة إمّا سلباً وإمّا إيجاباً.
عليّ أن أعترف هنا، أنني كنت أنظر للمدينة وأنا أكتب قصصي الأولى، عبر منظار إيديولوجي متأثّر ببدايات تشكّل وعيي السياسي والعقائدي، الذي يرى المدينة باعتبارها بنية طبقيّة يجور فيها الأغنياء على الفقراء، وهو متأثّر كذلك بتلك النزعة الرومانسية التي عبّر عنها كتّاب أجانب وعرب (بالذات شعراء) وذلك بالردّ على القلق الوجودي النابع من الحضارة الحديثة، بالتمرّد على المدينة وبالدعوة إلى هجرها باعتبارها موطناً للشرّ والتلوّث، والعودة إلى الريف باعتباره موطناً للطيبة والنقاء.
وجدت ضالّتي المنشودة في التحيّز للريف ولما فيه من قيم إيجابية، لم أكن أعتقد أنّ ما يشبهها متوافر في المدينة. وأعترف الآن أنّ ذلك كان محض تبسيط تعوزه الدقّة وبعد النظر واتّساع الأفق.
حينما كتبت قصصي الأولى، أظهرت فيها الجانب السلبيّ للمدينة، متمثّلاً في بعض أنماط من البشر الذين يمارسون القهر على أهل الريف. وحينما أظهرت بعض النماذج الإيجابية فقد كان ذلك بشكل مبتسر، ودون أن أعطي المدينة ونماذجها البشرية حقّها من العناية والاهتمام. وفي وقت لاحق، بعد هزيمة حزيران، تحدّثت في واحدة من قصصي التي كتبتها بعد الهزيمة مباشرة، عن إحدى الشخصيات المدنيّة المكافحة ضدّ الظلم، وبدت المدينة الواقعة تحت الاحتلال، في تلك القصّة مدينة جديرة بالتعاطف والانتباه.
وعليّ أن أعترف بأنني كتبت قصصاً قليلة عن نماذج بشريّة من أهل المدينة. مثلاً، كتبت عن فتاة الصالة التي كانت تعمل في كافتيريا في شارع صلاح الدين. كتبت عن علاقة الحبّ التي بدأت في التكوّن بينها وبين كاتب شاب. ولم أقم بنشر القصّة في أيّة مجلّة أو صحيفة، ثم أعدمتها لأنني لم أكن مقتنعاً بها. كان في القصّة شيء ما غير مكتمل. كنت أبحث عن الصدق الفني في القصّة ولم أجده متوافراً فيها، ولذلك قمت بإعدامها.
أعتقد أنّ الصدق الفني هو الذي يشكّل كلّ تفاصيل المسألة الإشكالية التي أسعى إلى توضيحها في هذا المقام. فحينما أكتب قصّة، فإنّ أوّل ما يتبادر إلى ذهني هو الشخصيات التي تحمل أحداث القصة على كاهلها. أختار شخصيّات قصصي من البيئة التي تتغلغل عميقاً في شرايين دمي. والقرية هي تلك البيئة التي أعرفها جيّداً. وشخصيات القرية هي تلك الشخصيات التي أعرفها جيّداً كذلك، وأعرف لهجتها وكيفيّة نطقها للكلمات. بل إنّ هذه الكلمات هي نفسها الكلمات التي أستخدمها في حياتي اليومية، فرغم التصاقي بالقدس لسنوات طويلة، فإنني لم أفكّر أبداً بضرورة التحدّث باللهجة المدنيّة المقدسيّة. ربما كان ذلك مرتبطاً بضعف الإشعاع الثقافي للمدينة، وربما كانت له علاقة بشدّة التعصّب والانغلاق اللذين فرضتهما القرية عليّ وعلى غيري من أبنائها، بحيث كان مجرّد التلفّظ ببعض كلمات مدنيّة سبباً للتهجّم والسخرية.
كان القسم الأكبر من قصصي يكتفي برصد الحركة الخارجيّة التي يمارسها أبناء القرى أثناء توجّههم إلى المدينة، لإقامة علاقات متنوّعة معها، ثم العودة بعد ذلك إلى القرى التي جاءوا منها. أبطال قصصي ريفيّون والمدينة مكان مبتغى بالنسبة لهم، لكنّه يتجاور مع مكان أصلي هو القرية. والمدينة بالنسبة لهؤلاء هي مكان للتسوّق ولجلب الطعام والكساء من أسواقها، وهي لذلك لا غنى عنها. وهي مكان لبيع المنتوجات، ولبيع قوّة العمل، والعودة إلى القرية ببعض مكاسب ومسرّات حيناً، وببعض أسى وخسارات حيناً آخر.
يتبع...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت