قالت لنا القدس/ شهادة16

محمود شقير
2023 / 8 / 11

1

يطيب لي بين الحين والآخر أن أعود إلى التأمّل في القصص التي كتبتها خلال السنوات الخمسين الماضية، لأرى كيف انعكست القدس في هذه القصص، وكيف تَمّ التعبير عن المدينة وما حولها من قرى تنتمي إليها، لكنّها تظلّ مختلفة عنها، فيما يتعلّق بدرجة التمدّن واستيعاب ثقافة المدينة والتأثّر بما فيها من عادات وأنماط معيشة وسلوكيّات.
ومنذ البداية أشير إلى أنني حتى هذه اللحظة، لم أتمكّن من امتلاك المدينة على النحو الذي أتمنّاه، ولم أتمكّن من التعبير عنها إلى الدرجة التي أرغب فيها. ربما كان ذلك راجعاً إلى الطبيعة الخاصّة للمدينة وإلى تاريخها الحافل بالتطوّرات، وإلى ما تشتمل عليه من تراث معماريّ متحدّر من عصور مختلفة، وربّما كان ذلك مرتبطاً بالمكانة الدينية للمدينة التي تنمّ عن تعدّدية وتنوّع قلّ نظيره في مدينة أخرى في العالم. وربّما كان الأمر دالاً على مزاج خاصّ لديّ، أو قصور عن القدرة على التعبير عن المكان إن لم يكن المكان متغلغلاً في ثنايا الروح على النحو المطلوب، في حين أنّني أعرف كاتبات وكتّاباً كتبوا عن القدس، واستطاعوا أن يعكسوا روحها في كتاباتهم بدرجات متفاوتة من القدرة والإتقان.
ولعلّ نشأتي القرويّة على تخوم المدينة أن تكون سبباً من أسباب عدم التمكّن من التعبير عن المدينة إلى الدرجة المشتهاة، تلك النشأة التي تركت أثرها على حياتي، بحيث أنّ طول ملازمتي للمدينة، وكثرة تردّدي عليها لسنوات طويلة، وتعرّفي إلى كثير من التفاصيل التي تشتمل عليها، لم يسهم في كسر الحاجز الرهيف الذي بقيت أشعر به تجاه علاقتي بها حتى الآن.
كنت أدرك باستمرار، وأنا أستمع إلى بعض أصدقائي ممن ولدوا في البلدة القديمة داخل السور، وترعرعوا هناك، كيف أنني أفتقر إلى تلك الحياة اليومية المليئة بالوقائع، وبتلك المناخات التي لا يعرفها إلا من عاشها كلّ يوم ولفترة ممتدّة. ولذلك فإنني أشعر في بعض الأحيان، بأنني لم أكن محظوظاً، إذ لم أولد في البلدة القديمة ولم تتح لي فرصة السكن فيها، كي أدرك كيف تستقبل المدينة عتمة الليل وكيف تستيقظ على أشعّة شمس الصباح، وكيف تسري فيها الحياة وتتشعّب وتغتني.
تلك بالنسبة لي أمور في غاية الأهمية، لأنني لا أتقن الكتابة عن المكان إلا إذا كنت ملتصقاً به على نحو حميم، ولأنني لا أعتبر المكان في قصصي مجرّد إطار خارجي، بل أراه جزءاً عضوياً من بنية هذه القصص، وامتداداً أصيلاً لمضمونها ولشكل صياغتها الفنيّة.
لم أعش تلك التفاصيل الحميمة وإنما استمعت إليها من الأصدقاء، وفي تقديري أنّ الاستماع قد ينفع الكاتب لكي يتمثّل ما استمع إليه، ثم يدخله إلى مصهره الخاص، وبعد ذلك يصوغه في مادّة إبداعية، كما لو أنّه كان هناك، خصوصاً وأنّ أجواء القدس ليست غريبة عنّي إلى هذا الحد، فأنا ابنها الذي ولد على تخومها، وأنا ابنها الذي تعلّم في مدارسها ثم أصبح مدرّساً في إحدى مدارسها، وأنا ابنها الذي لم يترك سوقاً من أسواقها إلا مشى فيها عدداً لا يحصى من المرّات.
عرفت عن قرب مساجدها وكنائسها، ودخلت دور السينما فيها ومسارحها ونواديها. دخلت بيوت الأصدقاء داخل سورها وخارج السور، عرفت مداخل البيوت وشكل البناء والمغزى الكامن خلف هذا الشكل وعلاقته بتبدّلات الفصول، وعرفت كيف يتكلّم أهل المدينة وكيف يلفظون الكلام، وكيف تتشكّل عاداتهم وطقوس الحجّ لديهم وشهر رمضان، وكيف يمارسون طقوس الخطبة والزواج ودفن الأموات وتقبّل العزاء فيهم، وغير ذلك من تفاصيل عشتها على امتداد عقود، خصوصاً حينما أصبحت قريتي حيّاًً من أحياء المدينة، ملتصقاً بها في شكل لا انفصام له، وعلى نحو من تبادل التأثّر والتأثير في الاتجاهين مع تفاوت في ذلك، بين المدينة الأصل والحيّ الفرع.

2 .

ويطيب لي أن أتأمّل قدرة القدس على الإشعاع الثقافي وعلى التأثير في ما حولها. وأتذكّر من خلال قراءاتي عن المدينة كيف كان حالها قبل أن أولد، وحينما كنت طفلاً.
كانت القدس وحيفا ويافا، كما يؤكّد المؤرخون المعاصرون، أهمّ ثلاث مدن في فلسطين حتى منتصف القرن العشرين. كانت هذه المدن الثلاث تشكّل المراكز الحضرية الأكثر تمدّناً واستيعاباً لمنجزات الحداثة، التي بدأت تهبّ على فلسطين منذ نهايات العصر العثماني وطوال فترة الانتداب البريطاني. آنذاك، توافد على القدس عدد من الكتّاب المشهورين من أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، للسياحة وللتعرّف إلى المدينة المقدّسة ولإجراء بعض الدراسات المتعلّقة بتاريخ فلسطين وبما فيها من آثار. وتوافد على القدس أيضاً عدد غير قليل من الكتّاب والفنانين العرب، وأقيمت علاقات صداقة بين هؤلاء وزملاء لهم في القدس وفلسطين، لعلّ من أبرزهم المربي والمفكّر المقدسي خليل السكاكيني، الذي سكن بيوتاً خارج سور المدينة وداخل السور، ومن ثمّ في حيّ القطمون. كانت هذه البيوت محطّ أنظار كثيرين من الكتاب والمفكرين العرب. وكانت تقام في القدس ويافا وحيفا حفلات غنائيّة لمطربات مصريّات ومطربين (أم كلثوم مثلاً) إلى جانب المسرحيّات التي يؤمها أبناء هذه المدن من الرجال والنساء (مسرحيات ليوسف وهبي مثلاً). وظهر في القدس وفي غيرها من مدن البلاد، عدد من المفكّرين التنويريين والنهضويّين الذين ألّفوا كتباً ونشروا أفكاراً، كان يمكنها لو أتيح لها الوقت الكافي أن تثمر نهضة متينة الجذور، غير أنّ الوقت لم يتح لها بسبب الغزوة الصهيونية التي أدت في العام 1948 إلى انهيار المجتمع الفلسطيني انهياراً كاملاً، وإلى تدمير المنجزات التي كان يراكمها المجتمع ومفكّروه وكتابه وفنانوه، بحيث وقعت أوّل قطيعة بين ما أنجزه هذا المجتمع وبين الأجيال اللاحقة، تلك الأجيال التي بدا كما لو أنها تبدأ من نطقة الصفر، بعد النكبة التي حلّت بفلسطين وبشعبها.
ومع أنّ القدس الشرقية لم تقع في أيدي الغزاة الصهاينة آنذاك، إلا أنّ سلخ قسمها الغربي منها، وتبديد النخبة المقدسيّة المثقّفة التي كانت تقيم في حي الطالبية وفي حي القطمون في القدس الغربية، ترك أثره الواضح على المدينة، التي احتاجت إلى بضع سنوات لكي تنهض من جديد، وتنفتح على العصر وعلى إنجازاته، وإن كان ذلك على نحو خجول، بسبب مجموعة من التطوّرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي كانت تحكم حركة المدينة نحو المستقبل.
يتبع...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت