وجهتا نظر تستشرفان القرن الواحد والعشرين

كامل عباس
2023 / 8 / 11

وجهتا نظر تستشرفان القرن الواحد والعشرين
كتابان صدرا مؤخرا في دمشق
الأول حمل عنوان – تشريح التدميرية البشرية – لعالم النفس الشهير ايريك فروم – ترجمه الى العربية محمود منقذ الهاشمي وصدر عن دار نينوى بطبعته الأولى عام 2016.
الثاني حمل عنوان- الأعوام المائة القادمة, استشراف القرن الحادي والعشرين – للكاتب الأمريكي جورج فريدمان . نقله الى العربية منذر محمود محمد ونشرته دار الفرقد عام 2019 .
• حول الكتاب الأول : ان ايريك فروم عالم نفس شهير ولكنه في هذا الكتاب يبدو كفيلسوف انساني مذهل : يستشف المرء هذه الرؤيا من احترامه العميق للمناضل كارل ماركس واعتبار محاولته من أجل التغيير- التي كانت لصالح الطبقات المظلومة - محاولة يجب ان تُحترم ولا يمكن ان يكتب أحد في عصره أفضل مما كتب تعاطفا مع الطبقة العاملة التي لن تخسر في الثورة سوى اغلالها كمثال على تعاطفه مع كل مقهور في عهود السيطرة الاستغلالية الطبقة - كما يسميها عالم النفس - والأهم من ذلك فهمه لأمريكا ماضيا وحاضرا ومستقبلا وهو الذي لجأ اليها هربا من جحيم الفاشية في المانيا وعاش فيها بقية حياته حتى توفي عام 1980 .
ان كتابه الذي نحن بصدده آخر مؤلفاته وهو من جزأين , ولكن بكل اسف شّوهت الترجمة عمل الكاتب ربما لخدمة تسويق الكتاب , والمكتوب يُقرا من عنوانه حيث سماه – تشريح التدميرية البشرية – أما فروم فلم يقل هذا الكلام ابدا وعنوان كتابه هو تشريح نزوع الانسان الى التدمير – والفرق كبير بين العنوانين وخلاصة كتابه هي الدعوة لقراءة تاريخنا قراءة جديدة بعدما وصلنا بعد ستة ألف عام من السيطرة الطبقية الى لحظة أصبح العلم والتقنية معا في خدمة المسيطرين , يورد مثال غاية في الدقة حول الطيارين الذين يلقون بحمولتهم من القنابل والصواريخ على البشر ويقتلون الملايين من البشر دون أن يهتز فيهم شعرة , فهّمهم هو إرضاء سادتهم كي يستمروا في وظائفهم. ان التطور في ظل السيطرة الطبقة نمّى الصفات السلبية عند الانسان مثل الكره والحقد والنرجسية والبغض والتدمير وأضعف الصفات الايجابية مثل الحب والحنان والعيش المشترك لمواجهة الطبيعة وقساوتها والمأساة هو في تثبيت هذه الصفات وانتقالها وراثيا عند النوع البشري برأي فروم.
أنقل هذه الفقرة التي وردت في الجزء الأول ص 338 كما جاءت مع اعتراضي على ترجمتها الركيكة (( واخيرا فلتخفيض النرجسية الجماعية لا بد من زوال الشقاء والرتابة والعجز وهذا لا يمكن ان يتحقق بتحسين الأوضاع المادية فقط. انه لا يمكن ان يتحقق الا نتيجة تغيرات شديدة المفعول في النظام الاجتماعي لتحويله من نظام السيطرة الطبقية الى نظام يتوجه الى الحياة. ان ذلك يتطلب الدرجة العليا من المشاركة النشيطة والمسؤولية ...... ان ستة آلاف من السيطرة الطبقية وما فيها من عدوانية اوصلتنا الى هنا , واذا حدث واوجدنا نظاما جديدا يتوجه للحياة فان الرؤى الت كانت يوتيبية عند بوذا ويسوع وإنسانيّي عصر النهضة سوف يتم تثبيتها بوصفها حلولا عقلية وواقعية تخدم البرنامج البيولوجي للإنسان وتحافظ على الفرد والنوع معا ))
• حول الكتاب الثاني :
على مدى أربعمائة صفحة من القطع الكبير حدثنا جورج فريدمان عن القوة العسكرية الهائلة لأمريكا وخصيصا القوة البحرية التي لا تقهر , وهو على الضد من الكتاب الأول يدعو في كل صفحاته امريكا الى ان تستعد للحرب التي ستنتصر فيها كما انتصرت في كل الحروب السابقة ليبدأ العصر الذهبي لأمريكا في النصف الثاني من القرن . انه دعاية للقتل والتدمير من أجل عظمة أمريكا ,فالقرن الحالي يجب ان يكون قرن امريكي بامتياز شاء من شاء وابى من أبى بفضل صواريخها الفرط صوتية ولكنه يطمئننا بأن التدمير سيكون اقل من تدمير الحرب العالمية الثانية كما جاء في فصل نهاية اللعبة ص 335 ( في منتصف القرن العشرين دفعت البشرية خمسين مليون حياة ثمنا للحرب العالمية الثانية. بعد مئة عام على تلك الحرب المدمرة سوف تقع الحرب الفضائية الاولى حيث سيبلغ عدد ضحاياها قرابة خمسين الفا من البشر غالبيتهم من اوروبا وذلك اثناء وقوع الهجوم البري الذي ستشنه المانيا و تركيا و الهجوم الذي سيقوم به الاخرون في الصين. ستفقد الولايات المتحدة بضعة الاف من الاشخاص في تلك الحرب. ستقوم حربا عالمية بكل معنى الكلمة ولكن اذا اخذنا بعين الاعتبار التقدم التكنلوجي في مجال الدقة والسرعة فيمكننا القول انها لن تكون حربا شاملة أي انه لن تسعى اية مجتمعات لإبادة مجتمعات اخرى. ولكن هناك قاسما مشتركا بين هذه الحرب وبين الحرب العالمية الثانية فالولايات المتحدة التي تعرضت الى اقل الخسائر كانت هي الرابح الاكبر من الحرب وكما خرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية بقفزة هائلة في مجال التكنلوجيا و اقتصاد متين وتمتعت بوضع جيوسياسي أكثر سطوة و قوة، فإنها ستخرج من دائرة الحرب القادمة الى ما يمكن ان نطلق عليه العصر الذهبي لأمريكا هو عصر جديد سيتسم بالنضوج في طريقة استخدامها للقوة. )
يذكرني فصل نهاية اللعبة بكتاب زميل مشابه له اسمه - لعبة الأمم -
يحدثنا كاتبه الدبلوماسي الأمريكي مايز كوبلاند في كتابه هذا حديثا رائعا وشيقا وبمنتهى الصدق والصراحة والواقعية عن سياسة أمريكا الخارجية بعد الحرب العالمية الثانية التي عايشها وشارك فيها بنشاط من خلال مركز التخطيط الاستراتيجي في وزارة الخارجية الامريكية والذي يسميه مركز اللعب بدلا من مركز التخطيط .
حقا ان اللعب بالعالم من قبل الادارات الأمريكية المتعاقبة - بعد وفاة فرانكلين روزفلت - هي وزميلاتها في ادارة الاتحاد السوفياتي ومن بعده الاتحاد الروسي, مسؤولة عما آل اليه وضع العالم الآن , وها هو فريدمان وزملاؤه من اليمين المحافظ يدعون امريكا الى الكف عن اللعب بالطريقة القديمة لطريقة واستبدالها بالتكشير عن أنياب امريكا العظيمة والاستعداد لحرب تعمل فيها صواريخ فرط صوتية أشد دمارا من السابق , وهكذا بكل بساطة يطلب من امريكا السير على خطى بوتين في غزوه الهمجي لأكرانيا واستعمال القوة العارية لتركيع البشر واحتقار التاريخ الانساني كله أيضا مع نصائح للقيادة العسكرية الحالية في ان تجعل الحرب خارج أراضي الولايات المتحدة لتقلل من الخسائر الأمريكية في الأرواح والممتلكات , وهي على هذا الطريق في جعل اوكرانيا تقاتل عنها وبعيدا عن أرضها .
تعليق :
في عام 1775 م شنت 13 مستعمرة في شمال أمريكا حربا طاحنة ضد بريطانيا العظمى سميت بحرب الاستقلال أو حرب التحرير دامت لمدة ثمانية سنوات بين كّر وفر حتى حققت الفوز سنة 1783 م ومن يومها تأسست دولة الولايات المتحدة الأمريكية كجمهورية دستورية اتحادية وتضم خمسين ولاية فضلا عن العاصمة واشنطن التي تعد مقاطعة فدرالية مستقلة, وفي عام 1861نظّم ملاك العبيد والمزارعون في الولايات الجنوبية الأمريكية عصيانا شاملا بغية دعم نظام العبودية وأعلنوا انفصال ولايات الاتحاد الفدرالي الجنوبي عن الولايات الشمالية, واندلعت الحرب الأهلية الطاحنة بين الشمال والجنوب والتي دامت لأربع سنين متواصلة, تكللت بانتصار الشمال وهزيمة الجنوب سنة 1965والغي قانون الرق الذي سبّب الحرب .
ان عظمة أمريكا كدولة مُستمد من هذا التاريخ وهو السير باتجاه ما يتطلّبه التطور الاجتماعي.
أتابع تيارا في داخل امريكا أصبح له حضور قوي في الفلسفة والأدب والسياسة والاقتصاد والاعلام والصحافة يوّد العودة بأمريكا الى نهج فرانكين روزوفلت في السياسة وخطابه المسمى الحريات الأربع.
في الفلسفة يعبر عنه أجمل تعبير الراحل الكبير الفيلسوف جون رويلز , وهو أعمق من أضاف وأغنى لبرالية قرن الأنوار وذلك في كتابه الشهير – العدالة كإنصاف - والذي قال فيه :المجتمع السليم هو تعاون منصف بين مواطنين أحرار من جيل الى جيل , كما لايمكن أن ننسى جهود فلاسفة آخرين من داخل وخارج امريكا مثل ايريك فروم والعالم انشتاين وصموئيل هنتنغتون وغيرهم كثيرون نبّهوا الى خطورة الاستمرار بهذا الطريق في أمريكا حتى أن فروم أجرى دراسات يذكرها في كتابه عن أمريكا وممارسة الجنس بشكل جماعي من قبل محافظين امريكيين في نواد خارج بيوتهم هربا من السأم والضجر الذي وصل الى حد لا يطاق عبّر عنه سياسيا مؤخرا حزب سياسي وطني جديد، أطلق عليه اسم "فورورد"، أي "إلى الأمام".
وقال السياسيون الذين كانوا ينتمون للحزبين، الجمهوري والديمقراطي في بيانهم الأول إن الحزب الجديد يأتي "تلبية لمطالب ملايين الناخبين، الذين يقولون إنهم مستاؤون من نظام الحزبين في الولايات المتحدة".
ويترأس الحزب الجديد المرشح الديمقراطي السابق للرئاسة، أندرو يانغ، والحاكم الجمهوري السابق لنيوجيرسي، تود ويتمان. ولكن فريدمان وزملاءه من المحافظين بالتعاون مع الادارة الحالية على ما يبدو تمكنوا من ايقاف الانطلاقة الأولى لهذا الحزب .
ما اعرفه أن استمرار الادارة الأمريكية بنفس عقلية ترامب سيجعله ينتصر في الانتخابات القادمة او أي شخص مشابه له وهذا يعني ان الحرب الذي يدعو للاستعداد لها السيد فريدمان ستقود الى حرب اهلية جديدة في الداخل الأمريكي أعتقد ان النصر فيها سيكون حليف اتجاه انساني يفرز رئيسا جديدا مشابها للراحل الكبير فرانكلين.
كل الحروب في التاريخ لها وظيفة واحدة وهي اشاعة الحقد والكراهية والبغض بين الناس تضاعف خطرها الآن بعد ان وصلنا الى تقنية متطورة استطاع فيها المسيطرون طبقيا خلق انسان يستعمل عقله بشكل احادي الجانب اذا صح التعبير ولمصلحته الخاصة . ولكن الطريق الصحيح هو فسح المجال لتطور العقل والعاطفة معا باتجاه خلق انسان يحب لأخيه ما يحب لنفسه . لكن طريقهم جفف العواطف عند البشر واوصلنا الى ما نحن عليه من استنزاف لموارد الطبيعة يديره مليارديريين يهمهم مصالحهم على حساب عامة البشر .
طريق الألف ميل يبدأ بخطوة هي :
ايقاف تك الحروب التي تتمدد وقد تستمر لعقود تنتهي بتدمير كوكبنا اذا لم يتدارك العقلاء الوضع بدعوتهم الى طاولة جديدة يرسم فيها العالم طريقا جديدا لحفظ الأمن والسلم الدوليين لا مكان فيه لفيتو حققته دول منتصرة في الحروب

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت