السلام العالمي لكانط والرؤية البهائية لمستقبل النظام العالمي- (10-14)

راندا شوقى الحمامصى
2023 / 8 / 8

5 لماذا الدين وليس "العقل وحده"؟ Why Religion and not “Reason Alone”
المناقشة السابقة تقود إلى سؤال مهم و تضع وجها لوجه خطط حضرة بهاءالله و كانط للسلام العالمي: لماذا إختيار الدين على الفلسفة بوصفه نظرة (رؤية) للعالم موحّدة؟ أو، لوضع الأمر بطريقة أخرى، ماذا يقدم الدين للبحث من أجل السلام في العالم و الذي تفتقر إليه الفلسفة؟ للإجابة على هذه الأسئلة و تلك ذات الصلة، فمن الضروري دراسة إقتراح كانط في ضوء التاريخ الحديث.
وفقا لكانط و الآثار (الكتابية) البهائية المقدسة، فالبشر أساسا عقلانيون بالطبيعة. وبعبارة أخرى ، فالسلوك العقلاني و الفكر هو أكثر ملاءمة لطبيعتنا الأساسية من السلوك غير العقلاني و لو أننا مع ذلك لدينا إرادة حرة في التصرف بطريقة غير عقلانية. و مرة أخرى، فهذا لم يُفسّرْ على وجه التحديد في مقالة "السلام الدائم" لكانط ولكنه يكمن وراء حججها. وهذا هو السبب أن يقول كانط ، على سبيل المثال، أننا ننظر بدونية الى أولئك الذين يفضلون الحماقة و الفوضوية، "حرية مجنونة لفرد عقلاني" (Kant 1983, 115) و التي [النظرة الدونية] تقيد "فساد الطبيعة البشرية." (المرجع نفسه 116) و أن الآثار (الكتابية) البهائية المقدسة تؤكد على أن " ... الرّوح الإنسانيّ الّتي يمتاز بها الإنسان عن الحيوان فهي تلك النّفس النّاطقة [النفس العقلانية rational soul]، وهذان الاسمان أي الرّوح الإنسانيّ والنّفس النّاطقة هما عنوان شيء واحد، ..." (عبد البهاء، مفاوضات عبد البهاء: 52). و ما يدعوه كانط "فساد الطبيعة البشرية"، قد وصفته [البهائية] بأنه هو ما لدينا من "الطبيعة الحيوانية" (PUP 41) و التي يجب علينا التغلب عليها من أجل أن نرتقى إلى مستوى ما لدينا من الإمكانات الإنسانية و العقلانية المتميزة. بالطبع، يجب أن نتذكر أن في الآثار (الكتابية) البهائية المقدسة، أن النفس الناطقة (العاقلة) تتطلب المساعدة من "الروح الإيمانية the spirit of faith " (المفاوضات: 52) من أجل أن "تطّلع على الحقائق اللاّهوتيّة والأسرار الإلهيّة". (المرجع نفسه). وبالتالي فإن العقل ليس مستقلاً تماما فيما يخص التعاليم الأخلاقية التي ترتكز في النهاية على الله تعالى. فالعقل قد يُثْبت صحة هذه التعاليم، ولكن الإثبات وحده ليس هو السلطة/النفوذ الذي مصدره النهائي هو الله. و كانط لا يعترف بأي حاجة لمثل هذه المساعدة لأنه ينكر أننا لا نستطيع أن نعرف أبداً المتعالي، فى ذاته أو "الحقائق السماوية."
و على الرغم من طبيعتنا العقلانية، فالبشر لا يتصرفون دائما بعقلانية. على الأقل بعض القادة لا يهتمون للتناقض المنطقي في أعمالهم إذا كانوا يستطيعون الحصول على ما يريدون من خلال التصرف بشكل غير عقلاني. إنهم لا يعجبون بعالمية الضرورة الحتمية CI، و على إستعداد تام لينغمسوا في مرافعة خاصة [دفاعاً] عن أنفسهم. فهْم على إستعداد ل أخذ فرصهم ويكون مقبولاً لديهم قيام قادة آخرين بنفس الشيء، وبالتالي، من المفارقات أنهم يوفون بمقولة كانط المأثورة التي فيها يجب علينا أن نكون على إستعداد لرؤية سلوكنا و قد تم تعميمه. ثم هناك دوافع أخرى للعمل بصورة غير عقلانية - مثل الإعتقاد في مصير وطني أو في إيديولوجية معينة أو حتى الإعتقاد في "نظافة الحرب war hygiene" كما فى للتخلص من الضعيف وغيرالصالح. و في القرن العشرين، فإن البشرية شهدت كل هذه الدوافع في حالة فاعلة. وبالتالي ، فمن الواضح أن القادة يجب أن يختاروا عمدا أن يكونوا معقولين/منطقيين في تعاملاتهم المحلية والدولية. وهذا يعني أنهم يجب أن يكونوا على إستعداد للتضحية بمزايا معينة من أجل العقل و الأخلاق الرشيدة. و عن طيب خاطر يجب عليهم التخلي عن الحرية لاستغلال ضعف أمة أخرى أو مصيبة طبيعية، و لتفويت فرصة لتشكيل تحالف مفيد أو لاكتساب أراض جديدة أو لإضعاف المنافس السياسي أو الاقتصادي. ولكن لماذا كانوا يريدون أن يفعلوا ذلك؟ ما هو الموقف الأساسي الذى شجعهم على إتخاذ مثل هذا الاختيار؟
بالنظر إلى السجل التاريخي، فإنه من الصعب تجنب الإستنتاج أنه في حين أن العقلانية هى ضرورية لبناء السلام، فإنها ليست بأي حال من الأحوال كافية. و ما هو مطلوب هو الشيء الذي يمكن أن يحفز البشر ليرغبوا فى تطبيق العقل، و يرغبوا فى أن يكونوا على إستقامة عقلانية و ليرغبوا فى تقدير أنفسهم والآخرين. فمقالة "السلام الدائم" تفسر كيف يمكن للعقل أن يساعدنا على القيام بهذه الأشياء في العمل السياسي لكنها لا توفر الدافع للرغبة للقيام بها بهمّة، وخصوصا عند ما يكون من مصلحتنا تجاهلها. فما الذى يمكن أن يملأ هذه الفجوة؟
إذن، ما هو مطلوب ليس فكرة فكرية /عقلانية بحتة ولكن بدلا من ذلك سلوكاً وجودياً أو موقفاً تجاه الجنس البشري والعالم الذى هو ليس أنا، و الغريب، و الآخر . و يجب أن تكون شيئا لا يَعتمد فقط على المنطق الحسابي من الربح والخسارة، و لى و لهم أو "الصديق والعدو". و أيضا يجب أن لا تكون مجرد عقلانية ولكن لما وراء (عابرة) العقلانية، أي ليست مجرد فكرة ولكن فكرة مع قوة تحويلية (تبديلية/تغييرية) شخصية وجماعية. وبعبارة أخرى، فإنها لا يمكن أن تكون موضوعية (محسوسة) فقط ولكن يجب أن يكون لها الجانب الذاتي (المعقول/المعنوى) كذلك، بحيث أنها تمس حقا قلوب الناس لأن الأفكار التي لا تلمس القلب مهما كانت مدروسة جيداً فإنها قد يمكن أن يصيبها الضمور بكل يسر و بسهولة جدا. و يجب أن يكون هناك ليس فقط نظرة/رؤية عالمية جديد، ولكن يجب أيضا أن يكون هناك شعور عالمي جديد، و عميق، و إحساس شخصي وجدانى من الإرتباط بجميع الشعوب والإلتزام بمستقبلهم معاً. فالإتفاق الفكري البحت لا يكفي لإحداث طريقة جديدة للوجود في العالم being-in-the-world. عبد البهاء يجعل هذا واضحا عندما يقول:
" الروح القدس توحّد الأمم وتزيل سبب الحرب والصراع. إنها تحوّل البشر إلى عائلة واحدة كبيرة، وتضع أسس وحدة الجنس البشري. فإنها تشيع روح الإتفاق الدولي و تكفل السلام العالمي." {ترجمة تقريبية} (FWU 85)
إشارته إلى العائلة (العالمية) تفتح واحدة من أقوى وأعمق التجارب الذاتية للحب المعروفة للبشرية. فمن شأن تطبيق هذه المشاعر على البشرية أن يجعلها تقطع شوطاً طويلا في إقامة سلام حقيقي .
إن عدم وجود مثل هذا العنصر لما وراء (العابر) العقلانية و التحويلي/التغييرى في مقالة "السلام الدائم" هو واحد فقط من الإختلافات الحاسمة بين كانط و الآثار (الكتابية) البهائية المقدسة. و على عكس الآثار (الكتابات) البهائية المقدسة، فإن كانط لا يعطى إعتباراً لهذا الموضوع على الإطلاق، فعلى ما يبدو فى إعتقاده بأن العمل السياسي والدبلوماسي في الإطار الحالي كافٍ للوصول إلى هدفه. و أنه يهمل الحاجة إلى التحول و التغيير الشخصي و الفكري لكل من الجماهير التى يجب تمثيل وجهات نظرها نيابياً و للدبلوماسيين و السياسيين الذين يجب عليهم صياغة وتنفيذ الإتفاقات. و بعد كل شيء، فإن كل من هذه المجموعات [الجماهير، الدبلوماسيين و السياسيين] قد شُكل تفكيرها و شعورها بواسطة نظام الدولة القومية لمعاهدة وستفاليا التنافسي بتركيزه على السيادة الوطنية المطلقة. و ربما مقترحاته تضع الأسس الموضوعية من أجل السلام ولكنها تغفل الشروط المسبقة اللازمة الذاتية [الوجدانية] على قدم المساواة من أجل السلام.
ووفقا للآثار (الكتابية) البهائية المقدسة، إن الدافع لتبنى طريقة الوجود في العالم being-in-the-world و اللازمة لتأسيس والحفاظ على سلام دائم، يجب أن يأتي من الحب. كما يقول حضرة بهاءالله: "... فلا يفتخر الإنسان أنّه يحبّ وطنه، بل يفتخر بأنّه يحبّ جنسه ..." (كتاب بهاءالله و العصر الجديد). و يفسر حضرة عبد البهاء لماذا يحدث هذا:
"الله وحده هو الخالق، والجميع مخلوق بقوته. و لذلك، يجب علينا أن نحب البشر لأنهم مخلوقاته، مدركين أن الكل ينمون على شجرة رحمته، و عبيد إرادته القديرة ومظاهر رضوانه." {ترجمة تقريبية} (PUP 230)
ويقول في مكان آخر،
"إن نصيحتى و موعظتى لكم هى هذا: كونوا لطفاء مع جميع الناس، وأحبوا الإنسانية، وانظروا الى جميع البشرية كذوى القربى وعبيد الله العلي ... لقد خلق الله الكل و الجميع راجعون الى الله. و لذا، أحبوا الإنسانية من كل قلبكم وروحكم." {ت ت} (PUP 290–291)
و حضرة بهاءالله يحدد الهدف النهائي، فيقول: "إن ربكم الرحمن يحبّ أن يرى من في الاكوان كنفس واحدة وهيكل واحد." (منتخبات: 107). و هذا الحب الكونى يستند على أبوة الله: "الله هو الأب للجميع" (عبد البهاء، PUP 266) بغض النظر عن ظروفنا الدنيوية أو الحالة الروحية. ووفقا لحضرة عبد البهاء: "نحن عبيد إله واحد، و ذلك بأننا نتوجه إلى أب منان واحد، ونعيش في ظل قانون إلهي واحد، و نطلب حقيقة واحدة و شوق واحد." (PUP 66). و بآفاق عالمية من الحب، فنحن بطبيعة الحال ننهج نحو الآخرين بالنية الحسنة، والرغبة في معاملتهم كغاية في أنفسهم بدلا من أنهم وسائل، ونريد مثل هذه المعاملة لتكون معياراً عالميا للسلوك. كما يبين حضرة عبد البهاء:
"وثالث مناقب العالم الإنسانيّ نيّة الخير وهي أساس الأعمال الخيريّة وقد رجّح بعض المحقّقين النّية على العمل، لأنّ النّية الخيريّة نور محض وهي منزّهة مقدّسة عن شوائب الغرض والمكر والخداع، فمن الممكن أن يعمل الإنسان عملاً مبروراً بحسب الظّاهر ولكنّه يكون مبنيّاً على مصالح شخصيّة مثلاً يعتني القصّاب بخروف ويحفظه ولكن عمل القصّاب المبرور هذا مبنيّ على غرض الانتفاع، ونتيجة هذه الحضانة ذبح الخروف المظلوم، فكم من أعمال كثيرة مبرورة باعثها الأغراض الذّاتيّة، أما نيّة الخير فمقدّسة عن هذه الشّوائب." (عبدالبهاء، من مفاوضات عبدالبهاء: 82)
مع النية الحسنة العالمية كأساس لأفعالهم، فإن البشر يتم تحويلهم و تغييرهم باطنياً بحيث أن البشر سوف يختاروا أن يعملوا على النحو الصحيح وليس من الشعور بالواجب أو الخوف أو الإستقامة المنطقية ولكن من الرغبة الداخلية لفعل الشيء الصحيح، و الرغبة فى تطبيق الضرورة الحتمية categorical imperative فى تعاملاتهم مع الآخرين. و مع حسن النية، فكل شخص يختار أن يكون حارس أخيه و لديه حس "الإهتمام الأقصى" لرفاه الآخرين. فالنية الحسنة تفعّل تحول و تغيير الشخصية الباطني لأنها ببساطة لا يمكن الإستعاضة عنها بأية لوائح ظاهرية مهما كانت مفصّلة. و عندما النوايا الحسنة تكون هى أساس الدبلوماسية، فالمشاكل مثل الخداع، والسرية و الأساليب المخادعة - و كلها ذكرت في مقالة "السلام الدائم" لكانط - تختفي ليس بسبب المعاهدات الرسمية و المخاوف بشأن الإتساق و الإستقامة المنطقية أو مفاهيم الواجب، ولكن بسبب النية الحسنة حيث أن الدبلوماسيين يفتقرون الى الرغبة في ارتكاب مثل هذه الأفعال و المشاكل. و علاوة على ذلك، مع النية الحسنة، فإن شعوبهم لم تعد تتوقع منهم أن ينغمسوا في الغدر من أجل "الصالح الوطني".
نحن نعلم هذا من التاريخ: فمن دون حب حقيقي وحسن النية، فإن الدبلوماسيين سوف يكونوا أحراراً في دعم المعاهدات طالما أنها تناسب مصالحهم للقيام بذلك. فمعاهدة كيلوج برياند - 1929 Kellogg-Briand هى مثال على ذلك. فجميع المحرضين و المشاركين في الحرب العالمية الثانية كانوا قد نبذوا الحرب، ومع ذلك كانت معاهدة كيلوج برياند غير كافية لكبح جماح عديمي الضمير. و بوضوح، فإن ضبط النفس الحقيقي يجب أن يأتي من الباطن و يجب أن يُولد من إقتناع عميق، أي يجب أن يأتي من التحول فى الشخصية و طريقة جديدة للوجود في العالم being-in-the-world. و بقدر ما أنهم [الدبلوماسيون] أهملوا هذا الجانب لتحقيق "السلام الدائم" فإن مقترحات كانط غير كافية لمهمتهم.
ربما يعترض معترض على مشروع "السلام الدائم" بأكمله، وكذلك النموذج الثاني من الضرورة الحتمية لكانط، أي الأمر الإحترازى فى معاملة الآخرين كما أنهم غايات و ليسوا كوسائل بأنه بالفعل يغطي مسألة حسن النية. في الواقع ، يبدو أن كانط يعطي إعترافا ضمنيا بأهمية حسن النية بتكريسه قواعداً ضد البنود السرية (Kant 1983, 107) و التكتيكات غير الشريفة. (المرجع نفسه 109). فالمشكلة واحدة، بطبيعة الحال، لأن الدبلوماسي قد يوقّع على أي عدد من هذه البروتوكولات دون نية حسنة مخلصة. "إن المرء قد يبتسم و يبتسم و قد يكون شريراً". وعلاوة على ذلك، فالوسائل الدبلوماسية والسياسية، في حين أنها لازمة في تأسيس و الحفاظ على السلام الدولي الدائم، لكنها ليست كافية لضمان النية الحسنة العالمية المطلوبة. فإن القادة و الحكومات و معهم السياسات و المواقف، تغييرها حتمى لا محالة. فالحقيقة الفاصلة هى أن كانط لا يعرّف على وجه التحديد و لا وضع النية الحسنة أو الحب كعناصر حاسمة في "السلام الدائم"، و يبدو أنه يعتقد أن القيود الخارجية/الظاهرية/الموضوعية التي تقدمها المعاهدات والإتفاقات و الإتفاقيات العقلانية البحتة يمكن أن تخلق وتحافظ على السلام دون أي تحول و تغيير فى الشخصية.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت