وهم العودة الى ماض تبخر

عبدالله عطية شناوة
2023 / 8 / 7

يتصاعد في عديد من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نشاط تيار ثقافي عنصري يحمل مزيدا من مخاطر التفتت الأجتماعي، والأحتراب لمجتمعاتنا المنكوبة. هذا التيار الذي بدأ يحظى بشيء من الأنتشار، يحمل شعار ((العودة للجذور))، وهو يذكرنا يوميا بان العراقيين والسوريين واللبنانيين والمصريين والمغاربة والجزائريين الحاليين ليسوا عربا، وأن مشكلتهم تتلخض في تمازج أعراقهم النبيلة، مع عرق ((الغزاة العرب الوضيع)).

كثير هي الأشياء التي يمكن وقف سيرورتها، والبدء بها من جديد، من نقظة البداية. لكن التأريخ ليس من بينها أبدا، ولذلك تصبح دعوات العودة بالتأريخ الى الوراء، ليست رجعية فقط، بل عبثية ومدمرة حين تقترن بفكر عنصري، يميز بين الجماعات البشرية على أساس منحدراتها العرقية.

والحقيقة أن لأنتماءات الأثنية والثقافية التي يروجون للعودة اليها بعد ((تطهير)) المجتمعات من العرق العربي، ماتت بل، وشبعت موتا، منذ عصور سحيقة. وليس بأمكان أي منّا التأكد، من إتصال نسبه بكلكامش أو هانيبعل، أو رمسيس أو دريد ين الصمة. على مدى قرون تمازجت الدماء، والثقافات، وتكونت سمات مشتركة، مقابل تواري لغات وثقافات، بكل ما تحمله من أفكار وتصورات. ولا أدل على ذلك من أننا ما زلنا بحاجة إلى خبراء أجانب ليفكوا لنا نصوصا أثرية من لغات وادي الرافدين ووادي النيل وبلاد الشام، التي يدعي حاملوا شعار العودة ألى الجذور، ومنكروا وجود شعب عراقي وآخر سوري، وثالث مصري، الأنتماء اليها.

أبني الذي ولد في بلاد المهجر ولا يجيد لغة والديه، ولا يمكن إعتباره عراقيا أو مغربيا أو عربيا، إلا من باب المجاز. فماذا عن أبنائه وأحفاده؟ وأي معنى لأنتماء أحفاده الى أجداد عرب؟ فكيف لأجيال لا حصر لها تعاقبت منذ الغزو العربي، أن تنسب نفسها الى جماعات أثنية، كانت قد تفتت حتى من قبل الغزو العربي ((اللعين)) بفعل غزوات سابقة من جانب الفرس وروم بيزنطة وروما؟

أنها صبيانية تتلبس لباس العلم، وعنصرية تتستر بمظلومية تأريخية. ولا يستبعد أن تكون وراء تغذيتها جهات لا تريد خيرا بشعوب المنظقة وتخشى من تماسكها وتعاونها.

لا يهمني من يكون جدي التاسع أو العاشر أوالتسعون، ولا نسبة الدماء السومرية والآشورية والعربية والتركية والفارسية وحتى المغولية والتتارية التي يمكن أن تكون قد تمازجت في عروقي ووعروق أسلافي، ما يهمني أن أجد سبلا للتفاهم مع من يشاركني الأنتماء الى الوطن الحالي، الذي يحتضن عربا وكردا، تركمان وسريان وكلدان، شبك وأرمن ، مسيحيين ومندائيين وأيزديين وكاكائيين، مسلمين شيعة وسنة وربما بهائيين حرموا من التعبير عن معتقدهم الديني. ما يهمني أن يتعايش أبناء هذه الفسيفساء الرائعة، دونما حواجز عرقية أو دينية أو طائفية، فبالتفاهم والتعاون تتفتح آفاق التطور والرخاء.

أما العيش في الماضي وحواجزه العرقية والدينية، فلن يزيد مجتمعاتنا المنكوبة إلا تمزقا وهوانا ودمارا، ولن يربح أحدا من محاولات العودة الى ماض تبخر.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت