بين حقول مدينتين

علي دريوسي
2023 / 8 / 7

كان قد مضى على وصولي إلى ألمانيا عدة أشهر، أنجزت فيها الحصول على الشهادة المطلوبة في اللغة الألمانية التي تسمح بالتسجيل الجامعي، ولأنني كنت ـ كالآخرين ـ على يقين بأن ما درسته في جامعة سوريا لا يعادل أكثر من شهادة محو أمية في الهندسة فقد قررت بادئ ذي بدء بالبحث عن موقع للتمرين المهني في مجال التصميم بمساعدة الكومبيوتر، بعد جهد جهيد حصلت على موافقة أولية من إحدى الشركات الصغيرة التي تعمل في مجال تصميم السفن ويتواجد مقرها في إحدى القرى البعيدة عن مدينة روستوك، شمال شرق ألمانيا. دعاني مدير الشركة للمقابلة. كان الوقت صيفاً. في اليوم المحدد استيقظت الساعة الثالثة صباحاً، ارتديت بنطلوناً وحزاماً جلدياً سميكاً وقميصاً وحذاء باللون الأسود، خرجت من البيت وذهبت إلى محطة القطار مشياً.

وصلت إلى مقر الشركة بطلوع الروح والعرق يتصبب من جبيني، وصلت قبل موعدي بحوالي نصف ساعة، أبلغت السكرتيرة عن وصولي، طلبت مني الانتظار خارجاً ـ في بهو الشركة ـ ريثما يصل المدير. أمام باب مكتبها قبع كلب أسود ضخم متوحش وجميل، نظرت إلى عينيه بمحبة واحترام وريبة، تحرك الكلب من قيلولته وهو يحدق بي مستنكراً تواجدي قربه، حاولت أن أكون هادئاً وحضارياً قدر الإمكان كي لا أزعجه، مددت يدي إلى جيب بنطلوني وتناولت علبة سجائري، وضعت واحدة في فمي وأوقدتها ..

في تلك اللحظة ودون إشارات مسبقة زمجر الكلب الوحش وقفز عالياً باتجاه رأسي محاولاً بقائمتيه الأماميتين تمزيق وجهي المرتعش. تفاديت مخالبه في اللحظة الحرجة، أنقذت وجهي ليصير بطني بفعل ميلاني إلى الخلف في مواجهة أنيابه الشرسة، شعرت بقميصي وقد تمزق، في اللحظة التي نهش الكلب فيها بطني علقت أنيابه في حزامي السوري الأصيل، حمتني جودة البضاعة السورية، هبط الوحش بجثته الثقيلة على الأرض في الوقت ذاته قطّعت أنيابه الحزام ونهشت فخذي الأيمن نزولاً حتى مفصل الركبة، تمزق البنطلون ونزّ الدم من فخذي، لا أعتقد أن مشهد الإرهاب هذا قد استغرق أكثر من ثوان معدودات، حدث كل هذا العذاب والسيجارة ما زلت بين أصابعي، خرجت السكرتيرة من مكتبها تستطلع الأمر، نهرت الكلب الذي أراد أن يستأنف هجومه كي يبقى هادئاً لكنه لم ينفذ أمرها، في تلك اللحظة وصل المدير بسيارته السوداء الكبيرة ونزل منها على عجلة وهو يصيح بالوحش الهائج. حنا الكلب رأسه وطوى ذيله عائداً إلى قيلولته المملة.
تقدّم المدير عدة خطوات مني، كنت فقيراً ممزقاً خائفاً ضائعاً، حيّاني معتذراً عن سلوك كلبه غير المهذب مع الضيوف.

سمعته يقول "لا تقلق بسبب جرحك فالكلب مُلقّح ولديه بطاقة تطعيم"، ثم أضاف "آاخذك إلى المستشفى بسيارتي؟"
وأتاه جوابي الطفولي الخجول "لم يحدث ما يثير الإزعاج، ما زال كل شيء في المجال الأخضر يا سيدي، لا أريد الذهاب إلى المستشفى وأستغني عن فرصة التدريب، أريد فقط العودة إلى غرفتي في مدينة دريسدن"

شكرتهم ـ كما تعوّد كل طالب أجنبي أن يفعل مع الألمان بمبرر أو غير مبرر ـ وودعتهم بتهذيب، أدرت لهم ظهري ومشيت الهوينى.

مشيت في طريق زراعي طويل حتى هدني الإعياء وألحت عليّ الرغبة بالتبوُّل، جلست تحت شجرة وارفة الظلال، أشعلت سيجارة وأخذت نفساً عميقاً ...

وصلتني من المزارع المحيطة بالمدينة رائحة سماد قوية، رائحة روث الحيوانات، لعله موعد تسميد الأراضي الزراعية واستصلاحها، استنشقت رائحة الجوّ بعمق شديد وضحك قلبي لتلك الرائحة التي انبثقت فجأة في ذاكرتي بعد مضي سنين عديدة عليها، رائحة روث البقر التي علقت ذات خريف بملابسي ولم أستطع طردها أبداً.

كنت في ذلك الخريف عاشقاً معذّباً ممزقاً، وكنت أحلم بتقبيلها، العيون تراقب كل شاردة وواردة ولك بالمرصاد مع كل حركة غير مألوفة، ولكي أبقى معها ذاك اليوم لمدة أطول رافقتها في طريق عودتها إلى المنزل، عصر ذلك اليوم صعدنا إلى السرفيس وسافرنا سوية من مدينة اللاذقية إلى مدينة بانياس، نزلنا في مرآب بانياس ومشينا عبر الحقول الزراعية باتجاه منزلها، هبط المساء خفيفاً وريح خريفية حيّتنا بمرورها جالبة معها رائحة التربة المسمّدة بروث البقر، رجوتها أن نجلس سوية تحت شجرة لدقائق قليلة، كنت أخطط لأسرق قبلة من فمها، كان عقلي مشغولاً بتصميم القبلة، جلست وجلست قربي، حين حاولت أن أعانقها أحسست برطوبة لزجة تلامس ردفي الأيسر، مددت يدي لأفحص الأمر فانزلقت إلى أعماق كتلة من "فلط" البقر وفاحت الرائحة، مات مشروع تصميم ونتفيذ القبلة في أرضه، تلوثت ملابسي وضحكت صديقتي هاربة إلى بيتها القريب، وبقيت وحدي أشم الرائحة وأدخن سيجارة هزيمتي كما سيحدث معي لاحقاً في حقول روستوك.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت