قالت لنا القدس/ عن بيت السكاكيني14

محمود شقير
2023 / 8 / 6

كم رغبت في الذهاب إلى بيت خليل السكاكيني في القدس الغربية!
إنه البيت الذي لطالما تحدّث عنه السكاكيني في يوميّاته، ولطالما انتظر أن يرتاح من مشقّات الدنيا ومتاعبها في رحابه. غير أنّ الظروف التي كانت تجتاح فلسطين آنذاك بسبب الغزوة الصهيونية، لم تحقّق له ما انتظره وما اشتهاه.
أخيراً جاءت الفرصة حينما أمضيت ساعتين في البحث عن البيت لتصوير برنامج تلفزيوني عن خليل السكاكيني. انتظرت فريق التصوير عند مدخل فندق الأميركان كولوني. جاءت ربى الميمي ومعها مصوّرة فلسطينية من منطقة عكا اسمها ياسمين، وهي مقيمة في ألمانيا مع أسرتها، لكنّها جاءت إلى رام الله منذ ثمانية أشهر للعمل مصوّرة في إحدى شركات التلفزة.
بحثنا في حيّ القطمون عن البيت، ثم اهتدينا إليه بمساعدة عمّال النظافة الفلسطينيين في حيّ مجاور، دلّونا على الشارع الذي يقع فيه البيت، واسمه: "النازلون من القارب" (يوردي هاسيراه). رحنا نبحث عن البيت في الشارع، دلّنا عليه شخص إسرائيلي. تغيّرت معالم الحيّ بسبب هدم بعض البيوت وإقامة بيوت جديدة، وبسبب عمليّات الترميم التي طالت بيوت الفلسطينيين في الحيّ بعد أن سكنتها أسر يهوديّة.
روى لنا الشخص الذي دلّنا على البيت رواية فيها مغالطات عمّا وقع في العام 1948 . قال إنّ كتب خليل السكاكيني التي كانت في البيت، محفوظة الآن في الجامعة العبريّة، في حين أن معلومات ابنة خليل السكاكيني تقول إنّ البيت تعرّض للنهب ولم يبق من موجوداته شيء، والكتب في هذه الحالة لم تحفظ في الجامعة بطريقة مشروعة وبإذن من صاحبها، وإنما جرى نهبها وإيداعها هناك. وقال إنّ السكاكيني استجاب لنصيحة عبد القادر الحسيني الذي قال له: اخرج إلى مصر حتى نقضي على اليهود ثم تعود إلى البيت. والحقيقة هي غير ذلك. وبغضّ النظر عن كلّ الروايات، فإنّ خليل السكاكيني بنى بيتاً لكي يعيش فيه مع أسرته، لكنّه لم يتمكّن من ذلك، بسبب احتلال البيت والحيّ والمدينة، وبسبب طرد الفلسطينيين من الجزء الغربي من المدينة ونهب بيوتهم والاستيلاء عليها.
وقفنا أمام البيت، ثم قارنّاه مع صورته التي كانت مثبّتة في أحد مجلّدات اليوميّات الخاصة بخليل السكاكيني، وكنت أحضرته معي من مكتبتي. ثمة صورة للبيت حيث تقف في مدخله سلطانة زوجة خليل السكاكيني. تأمّلنا البيت بطابقيه الاثنين وبشرفاته وشبابيكه، وتأسّينا على زمن مضى حينما كان هذا البيت عامراً بأهله وبالضيوف الذين لا ينقطعون عنه.
وجدنا في الطابق الأوّل أسرة يهوديّة مكوّنة من رجل عجوز وزوجته. طلبنا منهما أن يسمحا لنا بدخول البيت لتصويره من الداخل. رفضا في البداية ثم وافقا على ذلك. يتكوّن البيت من الداخل من أربع غرف ومطبخ وحَمّام. والغرف مليئة بأثاث قديم وملابس. لم نمكث في الداخل إلا بضع دقائق. وجّهت لي ربى بعض أسئلة أجبت عنها والمصوّرة واصلت تصويرنا وتصوير جدران البيت وموجوداته.
عرفنا من اليافطة المثبّتة على مدخل الطابق الثاني أنّ فيه روضة أطفال إسرائيليين. ضغطتُ على الجرس. أطلّت امرأة في الخمسين من عمرها. أوضحتُ لها أنّنا نرغب في تصوير المكان من الداخل. رفضت طلبنا ولم تسمح لنا بدخول الطابق الثاني من البيت. تذكّرت مثلنا الشعبي: "البيت بيت ابونا..".
عدنا إلى القدس القديمة، إلى باب الخليل بالذات، وجلسنا في مقهى هناك. شربنا عصير البرتقال، وتحدّثت عن مقهى الصعاليك لصاحبه عيسى الطبّة، الذي كان خليل السكاكيني يتردّد عليه لتدخين النارجيلة وللدخول مع بعض أصدقائه في حوارات فكرية وسياسية وثقافية. تحدّثت عن المقهى القديم وعن السكاكيني وعلاقته بالمقاهي. ثم اتجهنا إلى المقهى الأصلي الذي أغلق منذ سنوات ولم يبق إلا المكان المغلق. وقفنا قليلاً عند باب المقهى القديم وتأسّينا على خليل السكاكيني وأيامه.
خرجنا من باب الخليل، ووقفنا هناك في ساحة جرى ربطها بمجمّع تجاري إسرائيلي شيّد في المنطقة التي كانت فيها بنايات مهجورة بعد العام 1948 . وقفت في الساحة وخلفي سور القدس، وواصلت الحديث عن زيارات السكاكيني اليوميّة لقبر زوجته في مقبرة قريبة من باب الخليل مدّة سنتين متتاليتين.
وكان من المفروض أن ننتقل إلى حيّ الشيخ جرّاح، لتصوير البقعة التي كان خليل السكاكيني يلتقي فيها حبيبته سلطانة، قبل الزواج. غير أنّنا لم نتمكّن من ذلك لأنّ الشمس أوشكت على الغروب، ولم يعد ممكناً الاستمرار في التصوير.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت