أملُ إبليس: عن السجادة الأعجمية

دلور ميقري
2023 / 8 / 5

" أمل إبليس بالجنة "
مثل شائع

1
لقد سقط على السويد، مُرغماً بلا خيارٍ آخر، سقوطَ قطرة مطر كبيرة في هذا الربيع. وإنه الربيعُ الثاني، المُقدّر أن يشهده " دارين " في هذه البلاد الشمالية القصية، التي ترحّبُ أرضها بالثلج أكثر من المطر. وإنّ كل ما في هذه البلاد تقريباً، هوَ بلون الثلج؛ إن كانَ بشرة سكانها أو نصاعة أبنيتها أو فضّة حَوْر غاباتها أو زبد بحيراتها؛ وأيضاً يخوتها وأسماكها ومحارها الخ. كذلكَ كانَ، إلى حدّ كبير، لونُ جسد عشيقته الإيرانية، " جالا "، التي كانت من الجرأة والإستهتار أن ترافقه اليومَ إلى النادي، بالرغم من علمها باحتمال وجود زملاء دراسة من الجنسين. لقد أنهيا تواً الدراسة الأساسية للغة السويدية، وكانت قد أمتدت من الخريف الفائت. لكنّه معرضٌ، أقيم في المعهد، هوَ من أتاحَ تعارفهما ومن ثم شروعهما في العلاقة السرية.
كانَ الوقتُ قبلَ الغروب بقليل، والشمسُ تأفلُ ببطء في فصل الأمل والبهجة هذا، المُخلّف شتاءً طويلاً، كامداً وكئيباً. الكائناتُ مُنتعشة في مركز المدينة، المُخطط بانتظام، تغمرُهُ بتشكيلةٍ متنوّعة ومتباينة من الأشكال والأزياء، فيغدو عن بُعد ـ كسجادةٍ أعجمية، موشاةٍ برسوم هندسية وآدمية وحيوانية وخرافية.
صديقته الأعجمية، كانت في المُقابل أكثر حذراً في خلال سيرهما في الشارع الرئيس، فعمدت إلى ترك مسافة بينهما. كانت متأنّقة ببلوزة بيضاء، مُنقّطة بالزهور، تكشفُ ساعدين سمّرتهما شمسُ الشرق، فيما البنطال القرمزيّ، يُبرز ردفيها اليانعين لشمس الغرب وعين الرب. ما لبثا أن تركا الشارعَ الرئيس عند عطفة سينما " غراند "، ليتوغلا بعدئذٍ في ممرٍ تظلله أبنية أثرية، لعلها كانت في زمنٍ آخر سكناً للنبلاء. ثمة في صدر المكان، تميّزت عمارةٌ قديمة بواجهتها الرثة، القبيحة، وقد أحتل فيها النادي الكرديّ دورَها الثالث.
جاليات المهاجرين من نوع تلك الأثنيات، المُتعرّضة للإضطهاد والتضييق في أوطانها الأصلية ـ كالكرد والفلسطينيين والأرتريين ـ كانت لهم نواديهم في أوبسالا، التي أملوا من خلالها شدّ أواصر الصداقة بين أعضائها وكذلك مواصلة النشاطات السياسية والثقافية والإجتماعية. كانوا يتلقون دعماً مادياً، سخياً نوعاً ما، من هيئاتٍ رسمية ومستقلة، بما فيها الكنيسة. وقد عُدّ النادي الكرديّ، الأكبر والأكثر فعالية. في العامين الأخيرين، وبسبب الأوضاع المأسوية في كردستان العراق، كانت تنطلقُ التظاهرات من أمام النادي بإتجاه مركز المدينة، وفي أحوال أخرى، كانت الحافلات تنقلهم إلى ستوكهولم لنفس الغرض.
في مدخل النادي، فكّرَ دارين، كانَ الأكثر إحتمالاً وجوده هنا، هوَ " نورو "، الذي كانت جالا تكنّ له المقتَ مُذ أن تعرض لها بالمغازلة ذاتَ مرّةٍ في معهد الدراسة. بغيَة التغطية على علاقتها الآثمة بعشيقها، كانت تتعمّدُ إظهارَ الرصانة، وأحياناً الصرامة، في تعاملها مع الزملاء. لدرجة أنها عمدت يوماً إلى الإتيان برَجُلها إلى المعهد، لكي يتوعّد أحدَ المُتحرشين. من ناحيته، كانَ نورو يُقابل نظرَتَها المعتادة، الشزرة، بضحكةٍ مُستهترة مع تمتمةٍ ساخرة: " لا حول ولا قوة إلا بالله! ". بيدَ أنها إكراماً لدارين، أضحت أقلّ غلواً في شعورها تجاه الرجل. هذا الأخير، على أية حال، لم يكن بين روّاد النادي حينَ دخلَ العشيقان إلى صالته الرئيسة. كانت قاعة كبيرة، عالية السقف، جدرانها قد تقشّر طلاؤها، فيما أرضيتها زلقة وشائهة. إلا أنّ للقاعة إطلالة جميلة، خِلَل نوافذها المُتعددة، على الهضبة المُشجّرة؛ أينَ يتمددُ، بمهابةٍ وغموض في آنٍ واحد، القصرُ الملكيّ برأسه المزدوج البرج والمتعدد الأعين.
أجلسَ دارين صديقته على أريكةٍ عتيقة، كانت ـ كباقي الأثاث ـ مجلوبة من محلات بيع المفروشات المُستعملة، وما عتمَ أن ذهبَ كي يُحضرَ من البوفيه قدحيّ شاي. جالا، كانت في الأثناء تلقي نظراتٍ ملؤها النفور على موجودات القاعة؛ نظرات، لعلها كانت إنعكاساً لفكرةٍ مُسبقة عن كائنات المكان.
قالت لصديقها، هازّة رأسها بنفس ذلك المعنى: " كأنما خرجنا من رقيّ السويد، لندخل إلى تخلّف كردستان! ". الإسمُ الأخير، كانَ يُطلق في إيران على إحدى محافظاتها.. بينما الوجود الكرديّ، في واقع الأمر، يغلبُ أيضاً على محافظات أخرى في شمال غربي البلاد.
كانَ يهمّ بالتعليق على كلام عشيقته، لما خاطبه أحدهم من خلفه: " أينَ أنتَ، يا صديقي؟ ". هذا كانَ " آلان "، الذي تقدّم إلى دارين حالما لمحه من مكانه في الجهة القصية من القاعة. كانَ شاباً في منتصف الحلقة الثانية من عُمره، بطولٍ فارع وقامةٍ رشيقة، ملامحُه وسيمة وبشرتُه كالحليب. عيناهُ الضيقتان، كانتا تمتّان لدمٍ تركيّ، أو ربما قوقازيّ، في عروق سلالته. كانَ يعرفُ أنّ جالا من أصلٍ أذربيجانيّ، فتكلمَ معها بضعَ عباراتٍ مُجامِلة باللغة التركية. ثم ألتفتَ إلى دارين، مُستردّاً كرديّته: " صهري، سيكون هنا في النادي يومَ السبت بعد الظهر. وبالطبع، فإنه يرغبُ برؤيتك ". زوجُ شقيقته المَعنيّ، " دوغان "، كانَ يُقيم في ستوكهولم مُذ لجوئه إلى السويد قبل نحو دزينة من السنين. إنه أديبٌ وصحفيّ، في أواخر العقد الثالث من عُمره. مؤخراً، كانَ نجمُ برنامجٍ ثقافيّ على إحدى الأقنية التلفزيونية المحلية، وذلك بمناسبة صدور روايته الجديدة. دارين، سبقَ وتعرّفَ بالكاتب في دمشق. كانَ ذلك في مُستهل عقد الثمانينيات، الذي سيُختتم في نهاية هذا العام. حصلَ التعارف آنذاك، حينَ أتى دوغان إلى منزلهم كي يلتقي والده بهدف الحصول على معلوماتٍ عن النشاطات القومية في حي الأكراد في الثلاثينيات والأربعينيات. ثم عادَ الكاتبُ إلى السويد، مُحمّلاً ببعض رسوم دارين الكاريكاتيرية، لينشرها في مجلةٍ سياسية، تُطبع في ستوكهولم وتتبعُ حزبه السياسيّ.
علّقَ دارين على كلام صديقه، بالقول: " جيّدٌ أنّ دوغان سيحضرُ بعد الظهر، لأن ثمة سهرة عندي في الشقة، ليلة الجمعة، أقترحها الأصدقاءُ بمناسبة حصولي على حق الإقامة ". ثم أستدركَ: " وأنتَ بالطبع، مدعوّ للسهرة "
" أنا آسفٌ، يا صديقي. كانَ بودي الحضورَ، لولا أنني أعملُ في الكشك في عطلة نهاية الأسبوع "، ردّ آلان بطريقة كلامه الشبيهة بالغمغمة. كانَ الشابُ، فضلاً عن عمله المَوْسوم، يدرسُ بأحد الفروع العلمية في جامعة أوبسالا. لقد توثقت صلتهما، لأنّ شقة أسرة الشاب، مجاورة لشقة شقيقة دارين الكبرى، المُتوطنة أيضاً في السويد منذ زهاء دزينة من السنين. شقيقته، هيَ من تعهّدت فيما مضى نقلَ هذا الخبر إليه وبنبرةٍ مُبيّتة: " زوجة دوغان، سبقَ وإقترنت بأحد أغنى رجال الأعمال الكرد في أوبسالا. لم تعش معه سوى لعام واحد. ولكنها حينَ تطلّقت، جعلته يتنازل لها، بقوّة القانون، عن نصف أملاكه ".
رجلُ جالا، واسمه " موسى "، كانَ بدَوره يعملُ في يوميّ عطلة نهاية الأسبوع. كانَ عندئذٍ يُدير كشكَ شقيقه الأصغر، الكائن على مقربة من إحدى محطات مترو ستوكهولم. علاوةً على أنّ جالا كانت تقريباً في سنّ ابنته، فإنه كانَ دميماً وسوداويّ المزاج. كانَ غيوراً على إمرأته، ولا غرو؛ إلا من دارين، تحديداً! هذا الأخير، بمظهره الحَيي والمُتحفّظ، كانَ يوحي للرجل بالثقة. ذلك أنهما أشتركا في السكنى بنفس البناء، الذي كانَ منذوراً لطالبي اللجوء أفراداً وعائلاتٍ. ولكنهما تعارفا قبل ذلك، حينَ شاركا معاً في معرضٍ فنيّ، نظمه معهدُ اللغة بإحدى المناسبات. ظهرَ موسى في المعرض بهيئةٍ أنيقة، وكانَ بلسان التاجر، الذرب، يُوحي للحضور بأهمية لوحاته الزيتية، الرديئة. عقبَ إنتهاء المعرض، وبالأحرى في اليوم التالي، دعا دارين إلى الغداء في شقته. عندئذٍ، فوجئ كلاهما بأنهما جاران مُذ بعض الوقت. فالت جالا بنبرةٍ مُستكينة وحذرة، مُخاطبةً الضيفَ: " تساءلتُ يومَ أمس، أينَ من المُمكن أنني سبقَ ورأيتك ". نقلَ المُضيف، على الأثر، نظرةَ ريبةٍ فيما بينهما. لكنّ مظهرَ دارين، المَوصوف آنفاً، جعلَ الرجلَ على قدْرٍ من الطمأنينة والدِعَة.
في أثناء حديثه، عادَ موسى إلى التنفّج: " لعلمك، أنني في أسطنبول بعتُ في إحدى المرات لتاجر تُحَف، مجموعةً من لوحاتي الزيتية بمبلغٍ جسيم، ساعدنا في الوصول إلى السويد عن طريق أحد المهربين "، قال لدارين. هذا الأخير، لم يكد يسمعه. إذ كانَ مُتبلبلاً، مُتململاً، وذلكَ على أثر غمزةٍ مُوارَبة، رشقته بها العينان السوداوتان، الكبيرتان. أساساً، شعرَ دارين بعينيّ إمرأة الفنان الكبير، المُلتهبتين بحُمّى الشبق والشهوة، وهما تلتهمانه طوال الوقت في أثناء تناولهم الغداء.

2
هذه الإستكانة، التي أظهرتها زوجةُ موسى قدّامَ الضيف، كانَ لها جذرٌ يمتدّ إلى الموطن الأول. كانت جالا من أسرةٍ مُحافظة، فرضت عليها الخمارَ الأسود، الخاص بالشيعة، وبأن تكون شخصيتها تابعة ومُستجدية؛ أشبه بقطّة الدار. كانت أسرتها مَيسورة الحال، تسكنُ في أحد الأحياء الشعبية بمدينة أورمية، المُنسدلة دروبها بإتجاه البحيرة الكبرى، المُستعيرة إسمها. الإبنة المُراهقة، الطالبة المُجتهدة في المدرسة الثانوية، كانت نفسها مُفعمة بالآمال والأحلام؛ مثلما تمورُ البحيرة بالمياه والكائنات. ثمة عند أقدام البحيرة، ألتقت ذات يوم بفتىً كرديّ، يكبرها قليلاً. وقد أضحا لقاؤهما مُتاحاً، كلما غفلت عنها أعينُ ذكور أسرتها. تذوقت في أثناء ذلك، بنهم، طعمَ القبلات وجرّبت، بشبق، إحتكاك الأجساد. قالت لدارين، عندما غدا عشيقها: " إنكَ تملكُ نفسَ عينيّ ذلك الفتى، وهذا ما جذبني إليك منذ الوهلة الأولى ".
ذلك الحب البكر، سرعانَ ما تم وأده. لقد تقدّم لخطبتها رجلٌ من عائلة غنية، كانَ يُقيم في تبريز بحُكم عمله. وقد لاقى الخطيبُ القبولَ، بالرغم من كونه أرملَ ومتقدّماً بالعُمر. لاحقاً، تبيّنَ أيضاً أنه غَرْسٌ عقيمٌ. هكذا أنتُزعت جالا من مقعد الدراسة، لتُرمى مفتوحة الساقين في سرير الزوج. إلا أن موسى لم يكن خالٍ من صفاتٍ حسنة، منها إنقياده لإمرأته توقاً لجني المزيدَ من خيرات جسدها الناضجة. كانَ يمتلكُ متجراً في مدينة تبريز، مُتخصصاً ببيع التحف واللوحات الفنية. لهذا السبب، كانَ ميلُه المعلومُ إلى الرسم؛ وكان يعدّه مهنةً وليسَ إبداعاً. في سبيل تجارته، كانَ يُسافر مرةً في الشهر على الأقل إلى أسطنبول. ولقد أخذ عروسَهُ، أولَ مرةٍ، إلى تلك المدينة الجميلة؛ ربما كي تسلو قليلاً نفورَها من قبحه. في تلك الزيارة لأسطنبول، كانَ قد مضى نحو عام على سقوط الشاه. أما زيارتهما الأخيرة للمدينة، فإنها كانت من أجل العبور إلى أوروبا.
هناك، على ضفاف البوسفور، أقدمت جالا على أولى خياناتها الزوجية. ففي أحد الأيام الربيعية المُبكرة، وكان البحرُ هادراً والسماءُ ممطرة، أجتمعت مع زوجها بالمُهرّب في أحد مقاهي الكورنيش. شأن غالبية أنداده في مهنته المشبوهة، كان المهربُ رجلاً ذا ملامح قاسية، ينبعث من عينيه بريق المكر والجشع. لقد وثقَ به موسى، لأنه من جنسه. لكنّ الرجلَ، غبَّ قبضه المالَ، صارَ مُماطلاً، يؤجلُ كلّ مرةٍ الرحلةَ المُقررة. في أثناء الحديث، تدخلت جالا لتفوهَ بملاحظةٍ ما. وإذا بالمهرب، ملتمعَ العينين ومتلمظَ الشفتين، يُخاطبها مع إيماءةٍ ساخرة من رأسه: " يبدو أن التفاهمَ معكِ، أسهل من التفاهم مع زوجكِ ". هذا الأخير، فرّ الدمُ من وجهه. لكنه كظمَ غيظه، مدفوعاً بالحاجة إلى الرجل. بعد قليل، وفي غياب زوجها، الذي مضى إلى دورة المياه، طلبَ المهربُ من جالا أن توافيه إلى مقره بالفندق: " سأتدبرُ غداً أمرَ إبعاد رجلك في ساعة لقائنا "
" في مقابل ماذا، تطلبُ معاشرتي؟ "، سألته بوضوح. وكان في نيتها أيضاً أن تبصقَ في وجهه الصفيق، لولا ذلكَ السبب القاهر نفسه. ردّ الرجلُ للفور: " أتعهدُ بإيصالكم إلى السويد، قبل نهاية هذا الأسبوع "
" إذا حنثتَ بوعدك مُجدداً، فإنني مستعدةٌ للنوم مع رجل مافيا أعرفه من أجل أن يقتلك "، قالت له وهي ترتعشُ من الإشمئزاز. في اليوم التالي، وبينما ذهبَ زوجها تلبيةً لدعوةٍ من أحد أعوان المهرب، كانت جالا في طريقها إلى الفندق. ثمة في حجرته الفارهة، وعلى سريرٍ مقدّمتُه شبيهة بمقدمة سفينة إغريقية، لم يكتفِ المهربُ بمضاجعتها وإنما ولج أيضاً، أغتصاباً، الردفينَ الرائعين، الذين سببا له فيما مضى حرقةً بين ساقيه وألماً في صدره.
بدَوره، كان على دارين أن يتعاملَ مع المهرّب في سبيل الوصول إلى السويد. إلا أنّ هذا الأخير، وهوَ من الكرد الفيليين، كانَ شخصاً شهماً وعلى شيءٍ من الورع. شقيقه، ولمَحض الصدفة، كانَ يُقيم مع أسرته في نفس البناء بأوبسالا، أين تسكن شقيقة دارين. مع أنّ رحلةَ التهريب أستمرت شهرين، مع محطتين أساسيتين في أثينا وأمستردام، فإنها تكللت أخيراً بالنجاح. إنتظاراً للإقامة، قاموا بنقل دارين فيما بعد إلى مسكنٍ مُخصص لطالبي اللجوء، أشيد على هضبة " غرينبي "، المُشرفة على مركز مدينة أوبسالا. كانت شقته في الدور الثاني، مكوّنة من حجرتين ومطبخ صغير. قبل ذلك، قضى بضعة أشهر في شقة شقيقته، القريبة أيضاً من غرينبي.
منذ الربيع، ودارين يفكّر بكل شيءٍ إلا ب " شيئه " الأكثر خصوصيةً. العالمُ، آخذ بالتصدّع ومن ثم الإنهيار ـ كبرج بابل. ولكن، أيّ عالم؟ إنه عالم الإشتراكية، ولا شك، الذي أمِلَ مثل غيره من الطوباويين، أنه سيتّسع ليضمّ دولاً ثم قاراتٍ بأكملها. هذا، بالرغم من صدمته قبل أعوام قليلة بتجربة الإتحاد السوفييتي في أوان الدراسة في عاصمته. ويتذكّرُ كم كانَ ساذجاً، في أوان مراهقته، حينَ دأبَ على إستخدام قلم الرصاص في تظليل خريطةٍ للعالم الاشتركي. كانت الخريطة ضمنَ أطلسٍ، وُجد في مكتبة والده. داعي وجودُ الخريطة ثمة، كانَ إسمُ " كردستان "، المُخترق عَرْضاً حدودَ أربعة دول؛ إنما مع نفي مناطق واسعة، ظللها بدَورها قلمُ الرصاص. بعيداً عن الطوباوية، كانَ دارين على إيمانٍ راسخ بأنّ كردستان العراق هيَ قلبُ تلك البلاد الجبلية، وأنّ تدميرها، بيئةً وبشراً ـ المُتسارع الخطى في أواخر حرب الثمانية أعوام ـ يعني تدميرَ القضية القومية إلى الأبد. لأجل ذلك، تفرّغ هنا للرسم الكاريكاتيري، المنذور جلّه لذلك القلب الجريح. وكانت بعضُ رسومه، التي تضمنها المعرضُ المُقام في معهد اللغة السويدية في شتاء ذلك العام، قد لاقت إستهجانَ الزملاء الإيرانيين، المتوهمين أنه يدافع عن نظام الخميني. ربما شذّ عنهم، موسى، وكانَ قد عبّرَ لشريكه في المعرض عن تفهّمه لرسومه تلك، المتناولة الحرب العراقية الإيرانية. في أثناء ذلك، كانت العينانُ السوداوتان لزوجة الرجل، ترمقه بنظراتٍ موارَبة كلها إعجاب وشغف.
معهد اللغة، الخاص بالأجانب، يقعُ على طرف ساحة " فكسالا "، مُطلّاً على الشارع المتصل بين هذه الساحة جنوباً ومكتبة " كارولينا " في أقصى الشمال. إن هذا الشارع، يبدأ بالإرتفاع شيئاً فشيئاً، إعتباراً من تلك الساحة، لينتهي على مشارف هضبة غرينبي، أين مسكن دارين. ربما كانت المسافة بين المسكن والمعهد لا تستغرق مشياً أكثر من عشرين دقيقة، إلا أنه كانَ مُلزماً على ركوب الحافلة الكبيرة في الذهاب والإياب. أساساً، فإنّ عادة التسكّع غريبة على مواطني هذا البلد، المنكوب بطقسه السيء في معظم أشهر السنة. حينما كانَ دارين يلتقي مع موسى وإمرأته عند موقف الحافلات الكبيرة، بإزاء مسكنهم، كانَ يتبادل معهما التحية عن بُعد. لقد لاحظ أنهما يستعملان الفارسية بالحديث وليسَ اللغة الأم، التركية. آنذاك، كانَ موسى قد أنهى فصل الدراسة الأساسية وأنتقل إلى مرحلة أعلى. أما جالا، فقد أقترحوا عليها في المعهد الإستمرارَ بالدراسة فصلاً آخر.
في أثناء الإستراحة بين الدروس، كانَ دارين يراها جالسة باستكانة على أحد المقاعد، المتعهّد تكوير ردفيها الرائعين باستدارتهما وإمتلائهما، فيما ترشفُ شراباً ساخناً بتمهّل ولذاذة. نورو، كانَ في ذلك الحين قد أنتقلَ حديثاً للدراسة في المعهد عقبَ تركه معسكر اللاجئين وسكناه في شقةٍ بأوبسالا. في إحدى المرات، خلط الرجلُ الأخرق بين زميلةٍ من بلدة مسيحية دمشقية و الزميلة الإيرانية. هذه الأخيرة، كانت جالسة في مكانها المعتاد، بيدها قدح شرابها، حينما تحرّشَ بها بترديد مقدمة قصيدة لأحمد شوقي: " سلامٌ من صبا بردى أرقّ، ودمعٌ لا يكفكف يا دمشقُ ". ثم كررَ وهوَ يرنو إليها، بابتسامته المُستهترة: " الله ما أجملكِ، يا دمشقُ! ". ألقت عليه جالا نظرةً عابرة، كلها إزدراء وتقزز ـ كأنما فوجئت بمرأى حشرة، تسعى على أرضية الصالة: لعله أيضاً ذكّرها بزوجها؛ بتقدّمه قليلاً بالعُمر، وسمرته القاتمة، وصلعته التي تفتحُ يافوخه.
في المقابل، علمنا أنّ جالا كانت تمحضُ دارين نظراتٍ مُختلفة. إلا أنّ صلتهما أقتصرت على تحيات الصباح، المَمْجوجة. إلى أن ألتقى رأساهما، ذاتَ مرّةٍ، عند جهاز القهوة في المعهد. بادرَ أولاً إلى صبّ قدحٍ لها، فشكرته. ثم خاطبته على غير توقّع: " كيفَ أمور الرسم؟ ". صوتها الأجش قليلاً، كانَ ينبضُ بالمودّة. أومأ برأسه، قائلاً باقتضاب: " أرسمُ كالمعتاد ". أطلقت عندئذٍ ضحكةً خافتة، ربما تعبيراً عن ردّة فعلها إزاء تحفّظه. لما عاينت إحمرارَ وجهه، قالت كأنما تُبرر ضحكتها: " موسى يواصلُ الرسمَ، مُقتنعاً أنه فنانٌ ". عندما أستدارت للعودة إلى مقعدها، مُخلّفة أنفاسها العَطِرة، لاحقَ دارين المشهدَ العارم لردفيها الريانين، وهما يترجرجان ويهتزان ـ كما لو أنهما لراقصة شرقية من زمنٍ آخر.

3
في أول يوم جمعة، أعقبَ تلك المُساررة المُلتبَسة، ظهرت جالا مساءً أمام باب شقّة دارين: " جئتُ لكي أرى رسوماتك الجديدة! "، قالتها بتدلّه. رحّب بها في شيءٍ من الحَرَج، وأفسحَ لها مجال الدخول. ثم ما عتمَ أن شعرَ بالإرتباك، كونه يستعملُ حجرةَ النوم ـ كصالة إستقبال ـ بالنظر لندرة الأثاث. لقد كانت السكنى مؤقتة، مثلما علمنا، ريثما يَحصل المرءُ على حقّ الإقامة في البلاد. كان ثمة كرسيّ واحد، مُظهّراً بالقماش، وطاولة ومكتبة وبساط؛ وكلهم بنفس اللون الأبيض، كما لو أنها حجرة مستشفى. ولكنّ الضيفة، لم ترَ هذه الأشياء. ولا حتى ألقت نظرةً على الرسوم، وكانت زعمت أنها قادمة لتعاينها. إنها تعمّدت الوقوفَ وراء النافذة العريضة، مفسحةً المجال لعينيّ المُضيف، اللتين تعبدهما، كي تلتهمان الردفين الرائعين، الذين تعلمُ أنه يعبدهما بدَوره.
قالت له، وقد تخايلَ خِلَل الزجاج النوافذُ المُضاءة للبناء المجاور: " إنهم خالعو العذار تماماً، أولئك الجيران. يمارسونَ الحب، منذ هذه الساعة المُبكرة، دونَ أن يجدوا حاجة لإسدال الستائر ". كانَ جليّاً، أنها إبتدأت النظرَ إلى تلك الناحية حينَ كانت بعدُ في شقتها. لأنّ شقق البناء، كانت كلها على نفس السوية والحجم أيضاً.
ثم هتفت جالا بصوتٍ مرح، كطفلٍ شاهدَ شيئاً مُدهشاً: " أقترب، وأنظر إلى ذلك التهتّك! ". وكانَ دارين عندئذ قد ألمّ به، معاً، الدوارُ والإنتعاظ. عليه كانَ أن يشعرَ بالحرج أكثر من السابق، بسبب الانتفاخ الظاهر في سروال منامته. لحسن حظه أنه كانَ يحملُ كتاباً، لما حضرت الضيفة، فقررَ أن يسترَ به فضيحته ما لو إلتفتت هيَ إليه. لكنّه سرعانَ ما أمتلأ ثقةً في نفسه، مشحوناً بمنظر الكفل الفاره، المُكتسي ببنطالٍ ذي قماشٍ رهيفٍ بلون العتمة خارجاً. فرمى جانباً شعورَ الحرج والتحفّظ، ليتقدمَ بشجاعةٍ عمياء ويلتصق بالضيفة من الخلف. ذلك الإنتفاخ، كان قد أختفى الآن في معبد الكفل. وإذا المرأةُ المقتحمة عزلتَهُ الرصينة، المُنتقدةُ للتو مسلكَ الآخرين، تمدّ يدَها إلى منامته وتخرجُ ذلكَ الحجرَ الحيّ. فعلت ذلك دونَ أن تلتفت إلى الخلف، وكأنما هيَ منوّمةٌ بمنظر التهتّك، الظاهر للعيان في نافذة ذلك البناء المجاور. وبلغَ بها الأمرُ، أنها أخذت تهذي بالفارسية فيما تواصلُ فركَ الحجر، لتُطلِقَ منه شرارةَ العشقِ والشبق والرغبة والغلمةِ.
على أنها أفاقت على نفسها، ثمة في الفراش، لتوصيه بحرص: " حاذر أن تضعَ فيّ نقطةً واحدة، فأفتَضَحُ بالحَبَل ". سوى ذلك، فإنها هيَ من واصلت الإمساكَ بزمام المُطارحة، غارسة شتلَ الشهوة في مكانه الصحيح بتربتها الناعمة واللينة، متلمّسة جذره بين فينة وأخرى كي تثق بأنه أضحى في الأعماق فعلاً. غبّ الفراغ من الجولة الأولى، بنيل نشوتها لمرتين مُتتاليتين، كافأت عشيقها بالإذعان لنزوته. تركته يحفرُ بين الردفين، مُتحمّلةً الألمَ فيما تغمغمُ وتئنّ بمفرداتها الفارسية، لحين أن أكتفت بترديد إحداها: " بَسْ "، المُستعارة في العربية، كي تطالبه بالإكتفاء. حين أسترخى الجسدانُ أخيراً، تمّ شحذ الهمّة من جديد. عند ذلك، تعمّدت جالا أن تخطرَ أمام عينيّ العشيق بعريها الصارخ، متوجّهة إلى الحمّام. جّن جنونه على الأثر، فلاحق الردفين المتراقصين إلى حين صدّته صاحبتهما، المقهقهة في جذل، بأن أغلقت بابَ الحمّام على نفسها. غبّ خروجها، وكانَ يترصّدها أمام الباب، إنفلتت من أحضانه لتهرولَ من حجرةٍ إلى أخرى وهوَ بأثرها مع شيئه المُنتصب؛ الذي أشبه، حقاً، بشتلٍ مُتمايلٍ مع النسيم.
في الليلة التالية، أستمرا في إمتحان جسديهما بدروس الباه، وكلّ منهما كانَ يأخذُ من الآخر معلوماتٍ جديدة في هذا الفنّ. إلى ذلك، تبيّنَ لدارين أنّ الشبقَ الشديد عند عشيقته، المُعبَّر عنه بالتعطّش إلى إرواء جسدها بكل الطرق المَألوفة والمُبتدعة، إنما يكمنُ خلفه كبتٌ مرير ومديد العهد بالقِدَم. في أوان الراحة، بينَ مُطارحتين، دفعه الفضولُ إلى سؤالها عن مغزى تمسّكها بالعيش مع ذلك الرجل الدميم، العاجز جنسياً تقريباً. كانت منكبّة برأسها على الركبتين بوساطة اليدين؛ وهيَ وضعية الجلوس في السرير، المُريحة بالنسبة إليها. أجابت باقتضاب وبصوتٍ كامد، وقد تقلّصت ملامحُ وجهها الجميل: " إنه بلاءٌ ". لقد قالتها بالفارسية. شأن مواطنيها الإيرانيين ( ظاهرة ألمّ بها دارين في معهد اللغة )، كانت تعتقدُ أنّ جميع الكرد يجب حتماً أن يتقنوا هذه اللغة أو يفهمونها على الأقل. هذا، مع أنها هيَ بنفسها آذرية وليست فارسية.
عادَ إلى إستجواب شريكة الفراش، كونه لم يكتفِ بردّها المُبهم: " هل هوَ غنيّ، وتأملين أن ترثيه؟ ". جواباً، أطلقت أولاً ضحكةً فاترة: " لقد أخذَ على نفسه عهداً، هناك في إيران، أن يزرع على قبري شتلةَ ياسمين. قال أنني أشبه زهرةَ ذلك النبات، بلون بشرتي ورائحة جسدي "
" إنها دعابةٌ سمجة، ولا شك، بالنظر إلى أنه يكبركِ سنّاً بكثير "
" أعمارنا بيد الله، يا صديقي "، قالتها أيضاً بالفارسية. إذاك، كانَ دارين يغلي بالغيظ لأنها لا تُظهر بشكلٍ جليّ كراهيَتها لزوجها: " أيُعقل أنها تحبّه، لسببٍ من الأسباب؟ أم أنها تشفق عليه، مع كونها هيَ الجديرة بالشفقة؟ "، خاطبَ داخله. لكنه آثرَ ألا يلوحَ غيوراً، وأن يَدَعَ التركيزَ على تلك المسألة. فسألها، مُغيّراً قليلاً دفّةَ الحديث: " هل حقاً ما زعمه، عندما دُعيت للغداء لديكم مرةً، في شأن بيع لوحاته الزيتية بمبلغ كبير لتاجر تُحَف في أسطنبول؟ "
" التاجرُ كان عميلَ موسى، مذ أن كنا بعدُ في تبريز، وكانَ مُديناً لنا بذلك المبلغ "، أوضحت جالا. ثم أستدركت، ضاحكةً: " لقد حصلَ على اللوحات هديةً عقبَ تسديده الدينَ، وأعتقدُ أنه رماها فيما بعد بحاوية القمامة ". شاركها عشيقها شعورَ المرح، كذلك سرّ ضمناً لرأيها في موهبة الزوج. علّقَ على ما سمعه، مازحاً، مُشيراً إلى مسألة أخرى: " بالنتيجة، أنك كرهتِ إجمالاً الفنَ. حتى لم يُثر إهتمامكِ، رؤيةُ رسومي الجديدة "
" لا، أنا معجبة حقاً بفنك "، قالت ذلك بنبرة إهتمام. ثم أضافت بدعابة، وهيَ تقبضُ بأصابعها الرقيقة على شيئه الغافي: " ولكنّ هذا لم يدع لي دقيقةً من الوقت! ". وكانت مُحقة، ولا شك، مع أنها خجلت من إكمال الجملة. فقبلَ نحو ساعة، كانَ عشيقها مُستوٍ بين ساقيها ولا يكف عن الرهز وقد تولّته الحيرة من عدم إفراغه فيها برغم الوقت الطويل لهذه الجولة. مُجهداً عضلياً وليسَ غريزياً، أستلقى إلى الخلف وشيئه ما زال في قارب اللذة، المنسول الزغب بحيث بدا ـ كراحة اليد. مُثاراً بالمشهد الفريد، آب إلى الركون على ركبتيه ومتابعة الرمي. في الأثناء، كانت جالا ترددُ مفردةَ " بَسْ "، مُغْمَضة العينين؛ كأنها تتخبط في مجاهل الحلم. على حين غرة، تهيأ له مرأى موسى، وهو في مكانه بنفس الوضعية. وإذا بكل شيءٍ ينتهي، على الأثر، وفي خلال ثوان. عندئذ نهضت عشيقته بجهد وتثاقل، لتضع قدمها خارج السرير. فما أن تقدمت خطوة واحدة باتجاه باب حجرة النوم، وقصدها الذهاب إلى الحمام، إلا وأندفعَ البولُ دفقة دفقة من بين ساقيها ولوّث البساط. أستدارت إلى دارين، عاضّة شفتها السفلى بأسنانها اللؤلؤية: " آه، أنا آسفة "، قالتها بالفارسية.
في ليلة الجمعة التالية، وكانَ زوجها قد ذهبَ مُبكراً إلى عمله في ستوكهولم، جاءت جالا تحملُ على كتفها سجادةً متوسطة الحجم، مُغلّفة بالمشمّع. لما فُرشت على أرضية حجرة النوم، بمكان البساط، ظهرَ أنها سجادةٌ أعجمية بديعة. ما أن شكرها عشيقها، إلا وأستدركَ هاتفاً في شيءٍ من الذعر: " ولكنّ رَجُلكِ قد يزورني في مناسبةٍ ما، فكيفَ سأبررُ له وجودَ سجادتكم هنا؟ "
" قل له في هذه الحالة، إنّ زوجتكَ مُعتادةٌ على إهداء عشاقها أشياءَ للذكرى! "، ردّت بدعابة. ثم قالت بنبرة جدّية: " لقد أشتريتها من متجر بيع السجاد الإيرانيّ، الكائن في مركز المدينة. هل تعرفه؟ فعلتُ ذلك ظهراً، عقبَ ذهاب موسى إلى عمله ". ثم أردفت، وفي عينيها نظرةٌ غائمة: " لم نحضر إلى السويد سوى بملابسنا، حَسْب. وفي سبيل هذه الغاية، بعنا منزلنا في تبريز مع كل مقتنياته. هل سمعتَ، مرةً، عن متحفٍ يُعرض للبيع؟ ".
السجادة بقيت بالفعل، ولعدّة أعوام، ذكرى ثمينة من أول عشيقة حظيَ بها دارين في هذا البلد. لحين أن أودعتها زوجته في مخزن العمارة، الخاص بشقتهم، بعدما أشترت سجادة تركية جديدة من النوع التجاريّ الرديء. إلى الأخير، فُقدت السجادةُ الأولى في فوضى الإنتقال إلى شقّةٍ أخرى، ولعل أحدهم قد سرقها خلسةً.

4
ثم حلّ يومُ جمعةٍ آخر، وكانَ مُختلفاً تقريباً عما ألفه دارين في الأشهر الأخيرة. الربيعُ، كانَ قد هلّ منذ بعض الوقت. أشجارُ الكرز، المنتظمة على طول الشريط الأخضر المُندّى ـ وكانت تلوح كأطيافٍ جليدية شتاءً ـ أكتست الآنَ بأزاهيرها القرمزية. الشمس دافئة، والناس في كرنفال. هذه الجمعة، إذاً، كانت سهرة دارين الموعودة مع أصدقاءٍ، سيأتون إلى شقّته للإحتفال بحصوله على حقّ الإقامة الدائمة. وكانَ بين أولئك الأصدقاء، مَن هوَ في حقيقة الأمر خصمٌ للربيع والطبيعة والبشر. كانَ بديناً، بليداً، سَمجاً، رغّاءً، مُتطفّلاً، شحيحاً، جشعاً، فضولياً.. والقائمة تطولُ، بالطبع. لقد أستحقَ، والحالة هذه، عدّة ألقاب: الثور، الخميرة الفاسدة، الحوت. لكنّ غلبَ عليه اللقبُ الأخير، بالنظر إلى أنّ هذا الحيوانَ البحريّ الكسول ذو جَوْفٍ لا يشبع. قبل بضعة أيام، كانَ الحوتُ في النادي ينصتُ بهدوءٍ، أقرب إلى التأمل، لحديثٍ يتعلّقُ بموضوع السهرة. فقال لدارين فجأةً، وهوَ يرمشُ عينيه بنظرةٍ رصينة مع إبتسامة غامضة: " الطعامُ سأتولى جلبَهُ من البيت، كون زوجتي معروفةً كطباخةٍ ماهرة ". مُحرجاً، حاول دارين ثنيه عن الفكرة، ولكن عبثاً. لم يكن بعدُ قد تعرّفَ على الرجل بشكلٍ جيّد، ولذلك لم يُفكّر أصلاً بدعوته إلى السهرة. كما أنه، من ناحية أخرى، لم يؤوّل إبتسامتَه تأويلاً سيئاً. كانت إبتسامة خبيثة ـ كما سيتبين لاحقا ـ تمتحّ من مكرٍ قرويّ، جرى في دمه مذ أن أستقرت أسرته في بيروت بعدما تركت ريفَ ماردين.
من ناحيتها ( ولحُسن الحظ )، أنهمكت جالا في إعداد عدّة أطباق مازة، وذلك في مطبخ مسكنها. بالطبع، كانَ زوجها قد غادرَ إلى عمله منذ وقتٍ مُبكر. أتت بالأطباق إلى شقّة العشيق، وتولّت رصفها بشكلٍ أنيق على طاولة حجرة النوم ثم وزّعت أقداحَ الشراب. أقترحَ عندئذٍ عشيقها أن تتناولَ معه قدحاً من الفودكا المثلّجة، إلا أنها أكتفت بالشمّ: " لم يسبق لي، أبداً، أن تعاطيتُ الخمرة "
" ألأنك تعدّينها من المُحرّمات؟ "
" نعم، هيَ ولحم الخنزير "
" تلكَ الشرائح المدخنة ثمة، هيَ من ذلك اللحم "، قال لها دارين مومئاً إلى الطاولة. سرّه أن يُثيرَ حساسيتها الدينية، وكانت هيَ المرّة الأولى يفعلُ ذلك. علّقت عشيقته، عابسةً: " إنكَ تنتهكُ المحارمَ كلّها، بل وجعلتني شريكتك في إثم الزنا "
" الله رحيمٌ، يغفرُ كلّ الذنوب "
" نعم، ولكن يجب ألا نبالغ بالتعويل على عفوه "، قالتها بصوتٍ مُرتعش. كانت قد خلعت معطفها الطويل، ولم تكن ترتدي تحته سوى غلالة رهيفة قصيرة تكشف سروالها الداخليّ، الذي باللون البنفسجيّ ذاته. كانَ واضحاً، بلا شك، أنها ترغبُ بتعويض هذه الليلة. سرعانَ ما طوى دارين النقاشَ، وحملها على أن تنزلق في الفراش. شاءت أن يُداعبها قبل أن يمتطيها، لكنّه أفهمها أنّ من غير المستبعد حضورُ الأصدقاء في وقتٍ مُبكر. مع ذلك، أوصلها للنشوة المرجوّة. حينما طلبَ منها أن تنقلبَ على بطنها، قالت برجاء: " لنؤجّل ذلك إلى الغد، لأنني مجبورةٌ على الذهاب في عجلة إلى دورة المياه ". ثم أضافت ضاحكةً، عندما أستوت على قدميها: " وإلا قد ألوّث سجادتكَ الجديدة بالغائط، هذه المرّة! ".
علاوةً على نورو والحوت، الذين وصلا في سيارة هذا الأخير، كانَ ثمة صديقٌ من الحارَة. " الحارَة "، هوَ تعبيرٌ خاص بكرد الشام للدلالة على حيّهم، المستلقي في سفح قاسيون ـ كإبتسامةٍ على فم غريب. كانَ شاباً وسيماً، ربعة، شعره أشقر وخفيفاً بعض الشيء. منذ طفولته المُدللة، كابن وحيد لوالدته، عُرفَ بلقب " جيجي ". ولم يكن هذا يسببُ له ضيقاً، وهوَ الآنَ في ختام عقد العشرين. حينَ كانَ يُثير حفيظة نورو بأحد مقالبه، أعتادَ هذا أن يقول له مع إبتسامةٍ تنير صلعته: " لو لم تكن منيكاً، لما دعوكَ جيجي! ". وكانَ الشابُ ينفجرُ عندئذٍ بضحكته المُميّزة، المُعبّرة عما حظي به من صحّة موفورة ومزاج متفائل.
ما أن صارَ جيجي داخل الشقّة، إلا ودبّت الحيوية فيها. كانَ نورو في المطبخ، يهمّ بتحضير السَلَطة. فأتجه الشابُ توا إليه، ليُحاول طرده من هناك: " مكانك في الحظيرة، وليسَ هنا. عندما أحتاجُ إلى قليلٍ من ‘ الجلّة ‘ لإشعال الموقد، سأستدعيك حالاً! "
" دعني أنهي طبقَ ‘ الزلطة ‘، وبعدئذٍ أتحفنا أنتَ بطبق الحمّص، الذي لا يُجيد الشوامُ تحضيرَ غيره "
" تعلّم أولاً نطقَ اسم السَلَطة، يا مُتخلّف "، قال له جيجي. ثم أقترحَ عليه أن يتنافسا في هذا الأمر. بعد زهاء نصف ساعة، أجتمعوا كلهم على مائدة العشاء. فتبيّنَ أنّ جيجي غافلَ نورو، فوضع أمامه باقة كزبرة بدلاً عن البقدونس، وذلك عندما كانَ هذا الأخير يحضّر طبقَ السلطة: " أريتَ، أيها المتخلّف، كيفَ أنك لا تميّز بين الكزبرة والبقدونس؟ ".
على الأثر، ذكّرَ دارين الحوتَ بوعدِهِ أن يجلبَ بعضَ خيراتِ مطبخ إمرأته الشهير: " لعلك نسيتهم في السيارة؟ ". جواباً، أطلقَ الرجلُ ضحكةً فاترة، فاقمت من بلادته. ثم إلتفتَ إلى نورو، قائلاً: " يَدعوني إلى وليمةٍ في بيته، ويريدني أن أجلب له الطعامَ من بيتي! "
" لا، ليسَ لك الحق في هذا الكلام. فأنتَ من سبقَ وتعهدّتَ أمامنا بجلب الطعام من بيتك، فيما دارين كانَ يطلبُ منك بإلحاح ألا تفعل ذلك "، ردّ نورو بانزعاج. كانَ ما أنفكّ في مزاجٍ مُتعكّر، بعدما أنطلت عليه حيلة جيجي. لكنّ هذا الأخير، بطبعه المعلوم، أعادَ للسهرة جوّها المرح بإطلاقه الطُرَفَ وتبادله الكلام اللاذع مع صديقه اللدود. الحوت، وكانَ من المُحال أن تُضحكه أيّ طرفة أو نكتة، بادرَ إلى الثرثرة. ظل متنقلاً من موضوعٍ إلى آخر، من السياسة الكردية إلى السياسة العالمية، حتى " تعَرّقَ السقفُ "ـ كما يقول المثلُ الشائع.
جيجي، كانَ يُقيم في معسكر للاجئين في قريةٍ، لا تبعد كثيراً عن مدينة أوبسالا. في بداية السهرة، أبدى الحوتُ بكل أريحية إستعداده لتوصيل الشاب إلى المعسكر. حينَ نهضَ أخيراً لمغادرة الشقّة، لاحَ أن أريحيته تبخرت ـ كخيرات مطبخ إمرأته الشهير. بل وصلت فيه السماجة، أنه مضى دونَ أن يشكرَ المُضيف أو حتى أن يلقي تحية. أساساً، كانَ دارين قد عرضَ على جيجي أن يبيت عنده ليلة الجمعة، لكنه أفهمه أن ليلة السبت سيكون مع إحداهن. عندما بقيا لوحدهما، إذا بالضيف يتساءل ما لو كانَ في وسعه السكنى معه.
صباحاً، على مائدة الفطور، أبلغ دارين ضيفه أنّ عليه التواجد في النادي لمقابلة أحد الأصدقاء: " ولو شئتَ، سنذهبُ معاً ". غمغمَ جيجي، مُتسائلاً ما إذا كانَ الموعدُ على هذه الأهمية. أجابَ المُضيف: " صديقي سيأتي من ستوكهولم لمقابلتي، هذا هوَ الموضوع "
" وأنا أيضاً صديقك، أتيتُ من المعسكر كي أراك! "
" إذاً لِمَ لا تأتي معي إلى النادي؟ "، قالها دارين وقد كادَ يخرجُ عن طوره. الغندور، الذي ملأ بالأمس جوّ السهرة بالطرائف، غدا في هذا الصباح كطفلٍ عنيد لا يُمكن إرضاؤه بحالٍ من الأحوال. لحظ دارين من ثمّ أنّ ضيفه أمتنع عن مواصلة الأكل. فلما أستحثّه على أكمال فطوره، فإنّ هذا أجابه بلؤم: " من المُفترض بالضيف اللبق ألا يأكل حتى الشبع! "
" على أيّ حال، أنا مضطرٌ لأن أتركك الآنَ "
" خذني معك إلى المدينة، ومن هناك أستقلُ الحافلة المتّجهة إلى القرية "، قالَ جيجي بنبرةٍ مُستعبرة وهوَ ينهضُ من مكانه. إحتياطاً، أوصدَ دارين بابَ الحجرة الأخرى منذ صباح الأمس. وكان قد قال لهذا الضيف النقّاق، كذباً، أنّ مسؤولي السكن هم مَن فعلوا ذلك. أدرك الآنَ، عقبَ تلك المجادلة العقيمة، أنّ هواجسه كانت في محلّها.
في حقيقة الأمر، أنّ جيجي ما كانَ في الوطن من أصدقاء دارين. طبيعة الطفل المُدلل فيه، جعلته على شيءٍ كثير من الأثرة والنرجسية والنزق. فنأى عنه، ولا غرو، أكثر الأصدقاء. هذا، مع أنه كانَ مقبولاً لطبعه المرح لو كانَ الأمرُ يتعلّق بسهرةٍ على الكأس. سوى أنه كانَ قد ترك إمرأة صبيّة وولدين صغيرين في بيت أبيه، برعاية والدته، وقررَ أنه لن يعود إليهم أبداً: " سأرسلُ إليهم مائة دولاراً شهرياً، عندما أحصل على الإقامة والعمل. أما أنا، فأريدُ التمتعَ بالنساء والسفر لأنّ الحياةَ لا توهبُ للمرء إلا مرةً واحدة ".

5
أفترقَ دارين عن الغندور المُضطرب في مركز المدينة، ثم تابع سيره في شارع فكسالا. كانَ الطقسُ مُشرقاً، يودّ لو أنّ جميعَ الناس يدركون ذلك ويحتفون به. ولكنّ ذلك الشاب، بالرغم من طبعه المتفائل، أمضى معه الدقائق الأخيرة وهوَ يشكو من أحواله في المعسكر: " الطعام لا مذاق له، والأجانب يمارسون العنصرية على بعضهم البعض، وإذا صادقتَ كردياً فإنه يصدّع رأسك بالسياسة ". الملاحظة الأخيرة، كانَ فيها شيءٌ من اللمز لصديقه. هذا، مع أنّ أساس تعارفهما في الوطن، كانت السياسة. كذلك، أستفاد فيما مضى من معلومات دارين السياسية في إعداد إفادةٍ مُناسبة، لكي يُدلي بها للبوليس عند إستجوابه بشأن دافعه للجوء إلى السويد. بيد أنّ هذا البلد، لم يعُد يثير شهيته. أنه يحنّ إلى سويسرا، أينَ قضى بضعة شهور في إحدى مغامراته قبل أعوام: " هنا، يعتاد المرءُ على البطالة بسبب صنبور السوسيال، المفتوح دوماً. أما هناك في سويسرا، فإنك مجبرٌ على العمل كي لا تموت جوعاً أو تلتقط الطعام من حاويات القمامة. العملُ مقدّسٌ، كما يقول القذافي! ". لقد كانَ الغندورُ، في فتوّته، قد عملَ أيضاً في ليبيا بمهنة لحام الكهرباء. لما عادَ إلى دمشق، أفتتحَ محل نوفوتيه ثم تزوّجَ من إبنة خاله، الصالحانية: " أكبر خطأ أرتكبته في حياتي، أنني أقترنتُ بفتاة تقليدية لا تفعل شيئاً طوال النهار سوى العناية بفَرْجها. ليلاً، لا تمنحُ لك هذا الفَرْج إلا لو وعدتها بشراء شيءٍ عنّ لها أثناء إقامتها في منزل أبيها البخيل! ".
وهوَ ذا دارين في النادي، الغاص بالعائلات في يوم العطلة، والشائع فيه حالة الفوضى كالمألوف. ألقى حالَ دخوله نظرةً على الرجال، المتواجدين في كل أيام الأسبوع، وكانَ بعضهم يلعب بالورق أو بالنرد. أستعادَ، عندئذٍ، كلامَ الغندور عن صنبور السوسيال. في اللحظة التالية، انتبهَ إلى وقوفِ رجلٍ طويل القامة، مُشرق الملامح كهذا النهار الربيعيّ. لقد كانَ هوَ، دوغان، الذي عرفَ الشابَ الداخل تواً، بالرغم من مضيّ كل تلك الأعوام. إلا أنه، في المقابل، مدّ يده بتثاقل لدارين ولم يقم بمعانقته. إنّ هذه الطريقة الأخيرة، كانَ يُنظر إليها في ريبةٍ هنا في أوروبا، كونها توحي بعلاقةٍ جنسية بينَ رجلين أو إمرأتين. لحظ دارين، بشيءٍ من الإرتياح، أنّ الرجلَ نأى بنفسه عن حلقة أحد المناضلين المخضرمين، المَدعو ب " خالو "، الذي يقضي يوم العطلة في النادي بإسترجاع أيام الكفاح في عقد السبعينيات، فإذا جنّ الليل رأيته واقفاً بكل قيافته الأنيقة في طابور أحد الملاهي.
قال دوغان، مُشرقاً بتلك الإبتسامة الربيعية: " لقد نشرنا لك رسومك الكاريكاتيرية، التي أخذتها معي من دمشق. هل تذكر ذلك؟ أما الآن، فإنني أرغبُ أن تستعمل موهبتك في تخطيط لوحات بالحبر الأسود ملائمة للقصص والأشعار ". ثم أوضحَ له، أنهم عهدوا إليه حديثاً مهمّةَ المسئول الثقافي لصحيفة أسبوعية، ستصدر قريباً في السويد باللغتين الكردية والتركية: " إنها صحيفة مختلفة، بأناقة طباعتها وغنى مواضيعها، شبيهة بالجرائد السويدية. بالطبع، نحنُ سنعملُ في البدء دونَ أجرٍ ماديّ. لكنني آملُ بأنّ الوضعَ سيتغيّر، حينما تحظى الصحيفة بكمّ معقولٍ من المُشتركين سواءً في السويد أو خارجها ". كانَ يمزجُ في حديثه عباراتٍ تركية ولاتينية. فتذكّرَ دارين عندئذٍ عشيقته، التي تخاطبه بالفارسية عندما تعجز عن التعبير باللغة السويدية. لما سمعَ دارين عبارةَ الرجل الأخيرة، فإنه خاطبه في نفسه: " بالطبع، أنتَ غير محتاج للمال طالما أنّ صنبورَ إمرأتك الغنية، مفتوح! ".
في الأثناء، هنأه دوغان بشأن حصوله على الإقامة الدائمة، ثم قال: " أنتَ ما زلتَ شاباً، وفي وسعك إكمال تعليمك للانتساب لاحقاً لمعهد الفنون. حتى لو أنّ لغتك السويدية كانت جيدة، لما أمكنك العمل كرسام كاريكاتير في إحدى الصحف المحلية. إنّ السويد، مع الأسف، مُغلقة على الأجانب في هذا النوع من المجالات. أنا شخصياً أعملُ خبيراً في المجلس الأدبيّ لعموم السويد، لكن هذا لا يُريح العديدَ من زملائي السويديين ". بعدئذٍ، وعلى سبيل المجاملة، أخبره دارين أنه شاهده في برنامج تلفزيوني ثقافي. اتسعت إبتسامة الكاتب الكبير، وما عتمَ أن فاجأه بهذا السؤال: " هل قرأتَ إحدى رواياتي؟ ". كانت روايته الثالثة قد صدرت في أسطنبول، ولاقت صدىً طيباً بالنظر لما رافقها من ضجّة إعلامية. الثقافة الكردية في تركيا، كانت راكدة منذ عقود ـ كمستنقع منسيّ داخل غابة. لكن مع ظهور أوزال في السياسة الرسمية، بدأت مياه جديدة ترفد ذلك المستنقع.
قال دارين، مُحاولاً ألا يُسرف في الكذب: " لم يتسنّ لي سوى قراءة روايتك الأولى، ثمة في دمشق. أعدّها تقدّماً لافتاً للرواية الكردية، كما أنها مكتوبةٌ بنفسٍ حداثيّ غير تقليديّ "
" لقد تكرموا عليّ بالكثير من المديح السخيّ، بمناسبة صدور روايتي الأخيرة. سأبعثُ لك قريباً نسخةً من هذه الرواية مع آلان، مشفوعةً بإهداءٍ بقلمي! "، قال دوغان بتواضعٍ وعَظَمة في آنٍ معاً. كانَ واضحاً، أنه على ثقةٍ كبيرة بالنفس ويعطي لذاته أهميةً مُبالغٍ فيها ـ كأديبٍ يكتبُ بالكردية. من ناحيته، لم يشأ دارين إبداءَ رأيه الحق في تلك الرواية الأولى، لأنّ ذلك قد يكلّفه صداقةَ مؤلّفها. لقد كانت رواية مملّة ذاتَ لغةٍ خشبية وأسلوبٍ غث. لو قورنت، فكّرَ دارين، بحكايات جدّته المبثوثة بلغتها الكردية النقية، لغدت في حقيقة الأمر ـ كسمكة ميتة، تفوح منها رائحة كريهة.
عادَ إلى شقّته كي يتناول الغداءَ، فأخرجَ من الثلاجة ما تبقى من مأكولات عشيقته. هذه الأخيرة، ستفاجئه بعد زهاء ساعة حينَ لاقته بسحنةٍ مُستبشرة: " لقد حصلنا على حقّ الإقامة الدائمة، أليسَ هذا شيءٌ رائع؟ هذا ما علمه زوجي من المحامي، وكانَ قد أتصل معه يوم أمس على سبيل المصادفة ". لحظ دارين، سعيداً ولا غرو، أنّ هيئتها تألّقت بهذه المناسبة. كانت مُزيّنة مثل عروس، كذلك أكتست بملابس داخلية مُثيرة: " لا أضعُ هذه الملابس على جسمي إلا من أجلك "، قالتها وهيَ تتقبّل قبلاته النهمة. كانَ مُثاراً للغاية، فتجرّدَ عارياً ومن ثم طرحها على السرير. إذا بها تنقلبُ على بطنها: " أنزلْ سروالي الداخليّ، ثم ضعْ قليلاً من الزبدة في المكان الأثير لديك. لقد وعدتكَ يومَ أمس، أننا سنفعلُ أشياءَ ممتعة! ".
غبّ الفراغ مُن المُطارحة، شاءت جالا مُفاجأته مُجدداً: " أنتَ كنتَ تتساءل من قبل، كيفَ قبلتُ العيشَ مع شخصٍ كموسى. الآنَ، بعد حصولي على الإقامة، غدوتُ مُتحررة من القلق بشأن المستقبل. كذلك، لن ألبث أن أتحرر من القيد الزوجيّ البغيض ". كانَ هذا، آخر ما يودّ أن يسمعه دارين من عشيقته. لقد كانَ يشعرُ بغيرةٍ شديدة من موسى وهوَ زوجها، لكنه سيمثلُ في خياله كلما ضاجعها لو أضحت إمرأته. كما أنه فكّرَ بالفوارق الثقافية بينهما، وأنه سيضطرُ إلى التكلم معها بلغةٍ غير لغته؛ وأيضاً، هذا سيكون الحال مع أولاده منها. الأهم من كل ذلك، أنه ما زال في ريعان الشباب ولا يرغب بفقدان حريّته.
حينَ استبطأت جوابه، ألتفتت إليه ساندةً رأسها بيدها وكوعها على الوسادة. قالت تحدّق في عينيه، اللتين تعشقهما: " أرى غيومَ الكدر في عينيك، ما يدلّ على أنك غير مرتاح لقراري بخصوص إنهاء علاقتي الزوجية. أترغبُ في التمتّع بجسدي يومين في الأسبوع، بينما أنا أتحمّل ذلك الشخص الكريه في بقية الأيام؟ إنها أنانية منك، مثلما أنه ظلمٌ لا أقبله على نفسي ". ردّ دارين بصوتٍ واهن، مُتحمّلاً وخزَ نظرتها: " أنتِ أيضاً، حكمتِ عليّ ظلماً بأنني شخصٌ أنانيّ. أنا أحبك، حقاً. لكن أمنحيني مزيداً من الوقت "
" لِمَ ترغبُ بمزيدٍ من الوقت؟ لقد حصلتَ على الإقامة وحق العمل أو متابعة الدراسة، وفي وسعك منذ الغد التسجيل لنيل شقة جديدة باسمك. أنا مُناسبة لك في السنّ، كما أنني بلا أولاد. هل تريدني أن أذكّرك أيضاً، بحقيقة أنني جميلة في عينيك وأنك مجنونٌ بجسدي؟ "، قالت تقاطعه بنبرة نزقة متماهية مع الحزن. فكّرَ قليلاً وأرادَ الكلام، وإذا هيَ تنهضُ بعصبية كي ترتدي ملابسها. كأنما بهذه الحركة، توحي له أنها حصلت على جوابه.
في الأسبوع التالي، لم تحضر إلى شقّته. ثم توالت الأسابيع، وفي كلّ مرةٍ كانَ يأملُ أن تطل عليه بوجهها الجميل وجسدها المعبود. إلى أن علِمَ، مُحبطاً تماماً، أنّ جالا أنتقلت مع زوجها إلى ستوكهولم. إنها زميلة دراسة، إيرانية وتقيم بنفس البناء، مَن أخبرته بذلك حينَ ألتقاها مُصادفةً في سنتر غرينبي.

* مستهل الرواية الثالثة من " رباعية أوبسالا " ..

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت