أضواء على ما يحدث في كربلاء -3

عباس علي العلي
2023 / 8 / 4

من النهاية نعود للبداية والان نتكلم عن الفئة الأولى من الزوار، وهي فئة التأثير الأكبر على كل شيء وهي المحرك والمستفيد الأول من تجارة القضية الحسنية بما تدر من أرباح ومنافع وأمتيازات يدفعها الكثيرون ويظنون أنهم يحسنون صنعا لله وللحسين، والحقيقة أن هذه الطبقة العليا الطفيلية هي رأس الخيط وراسمة المسار الطقوسي الكهنوتي لتعلق وجودها بما يجري في كربلاء، فالقضية لديها ليست عقيدة وإيمان بقدر ما هي وجود وعدم ومصير محتم، هذه الطبقة فيها خمسة طوائف أساسية، أولها تجار الجملة للمواد الغذائية وكل ما يتعلق بالمراسيم والطقوس من كل شيء، هذه الفئة حريصة جدا على التوسع والتمدد وأختراع المناسبات بما يضمن لها تجارة دائمة لا بأس أن تستقطع جزء من هذه الارباح لتذهب ترضية للطبقة الثانية.
الطبقة الثانية كهنة المعبد الحسيني اللا شرعي من مراجع ورجال منبر وزعماء المذهب وأمراء الطقوس، لا شيء يردعهم ور بحد من وجودهم طالما أنهم يعملون على أسترضاء الشيعة مما يسمونهم العوام الجهلة المقلدين لهم والذين غسلوا عقولهم بمفهوم "ذبها براس عالم وأطلع منها سالم" وهم يعرفون حق اليقين أن هذا الشعار دجل ولا له قيمة في أعتبار الدين أو أصول الإيمان ، ولكن ما ينفع لا يمكن له أن يدفع بالتي هي أحسن، هذه الفئة التي لا تفهم إلا الترديد الببغاوي لكل ما ثبت بالواقع أنه لا صحة له ولا سند له من نص أو حكمة أو منطق وعقل، إنها سيكولوجيه إثارة المشاعر وسوق الناس عميانا إلى أن تتخلى عن دينها لصالح ما هو ليس بدين وتركيز الإيمان على قضية تاريخية شخصية بدل التركيز على مفاهيم الإيمان بالله ودين نبيه التي غيبت عنها العقول وأستعانوا بالعاطفة بدل العقل.
الفئة الثالثة أصحاب الخدمات والسوق المرتبط بالطقوس والشعائر المزيفة وهم أيضا طبقة واسعة لا يهمها الزيارة ولا حال الدين ولا ظروف الناس بقدر ما يهمها من جني مكاسب، على رأس هذه الطلقة أصحاب العقارات والفنادق والمولات والمطاعم الكبرى وكل ما يتصل بخدمة الزائر المدفوعة الثمن، هؤلاء يتظاهرون بالأهتمام بالزائر ليس لأنه زائر قاصدا أداء إيماني، ولكن يهتمون به كمصدر دخل وجيب منفق في كل مناسبة، فأحزان الشيعة ومناسباتهم هو عيدهم المستمر الذي لا نفاذ له ولا عدد ويزداد كل يوم حسب ما تعمل عليه الطلقة الأولى والثانية السالفة، هؤلاء هم الأكثر حرصا وأداء وقوة في سبيل إدامة هذه الإنشغالات التي تدر الذهب والفضة عليهم,
أما الطبقة الرابعة هم طبقة المنتفعين الثانويتين ولكن مباشرين ووجها بوجه مع المجتمع العريض والعميق من الزوار من الذين ذكرناهم سابقا، هؤلاء طبقة طفيلية مدفوعة أيضا بمصالحها تعتمد في أقتصاد وجودها على كبر مساحة وعدد الزائرين الواعيين والغير واعين، حرصها دوما أن تبشر بالمناسبات وانها فيها كل الدين ولا يهم أن تكون مؤمنا مصليا مؤديا للفرائض ام لا، المهم أنك تحضر كربلاء بكل ضجيجها وعجيجها، تمثل هذه الفئة ما يعرف بالرواديد والخطباء وقراء المراثي وأهل المنبر إلا ما رحم ربي منهم وهم أقل من القليل النادر، هؤلاء بإمكانهم بشكل مباشر تنفيذ أستراتيجيات التضليل والخداع والكذب والتزييف، لأن القاعدة التي أنطلقوا منها منذ البداية أن يبيعوا للناس دينهم مقابل ثمن، فلا تتوقع منهم مع تزايد أعدادهم المهولة من أنها تتحرز في الكلام أو تحاول تصحيح المسار الإيماني.
تبقى الطبقة الأخير وهم زعماء العمل السياسي الطائفي الذين يمثلون ظاهرة غريبة على المجتمع الديني في كربلاء كنموذج، هؤلاء حريصون على الظهور بمظهر الحسيني الثائر التقي والنقي ليس مواساة وتقليدا بسيرة الإمام العطرة، بل هي فرصة للكسب السياسي والترويج لهم كزعماء وقادة، والحقيقة أن هؤلاء لا علاقة لهم بالحسين لا منهج ولا سيرة لأنهم جاؤوا أصلا لظلم مدرسة الحسين، والكفر بكل ما أمن به سيد الشهداء من محاربة الفساد والمطالبة بالحرية والعدل وضمان حق الانسان في أن يكون مكرم عابدا لله وليس عبدا لأحد، هذه الفئات أو الأقسام الخمسة هم من بقرر ويروج لكل ما يجري في كربلاء اليوم تتبعهم عقول فارغة أو مأزومة أو ناقصة غيمان ويقين وعقل ومقدرة على التفريق بين الحق والباطل.

نعود لأصل القضية في كربلاء ونحاول فهم ما يجري وما هو مغيب عن عقل الناس، لو تكلمنا عما حصل في طف كربلاء كما حصل وليس رواية أعداء الحسين التراجيدية، والذين صوروها مجرد مأساة لرجل غدرت به أمته وأنصاره ومواليه الذين لا يجيدون إلا الغدر والتغرير في كل مرة، الذين عمقت الثقافة الأموية في ذواتهم المبطنة بالندم الشعور بالذنب وتأنيب الضمير، والصورة المسوقة قديما ولليوم هي وكأن الحسين ع كان مغفلا أو جاهلا مخدوعا بالمظاهر لا يعرف الناس ولا خبر بطونها قبل ظاهرها، فقد خرج بسبعين رجلا ليقاتل بهم جيشا جرارا فرماهم ورمى نفسه بالتهلكة، لم يجد من يناصره لأنه لا يملك الحجة والناس قد ملت حروب أسلافه، بينما المسلمون ناصروا ملكهم الحق ودافعوا عن دولتهم، الحسين إذا كان ضعيفا لا يملك أفقا ولا لديه رأي وتدبير، وعندما ضاقت به المضائق طلب من عدوه أن يتركه يسيح في بلاد الله الواسعة، ويحكم.... هذا ليس الحسين الطهر الذي خرج للإصلاح وتحدى كل الظروف والمثبطات لأنه مأمور أصلا بالقيام وإلا لكان من جماعة أضعف الإيمان من الذين أختاروا سلامة الدنيا على سلامة الأخرة، هذا حسين سوق نخاستكم الذي تسترزقون به وجعلتوا منه تجارة لن تبور.
يمكننا الآن وبعد هذا العرض السريع عما يجري في كربلاء نخلص لما يلي، أولا الحسين لا يحتاج نصرة من لا ينصر نفسه الضعيفة فالحسن كان حرا بقراره لا يدفعه أحد ولم يحرضه أحد على المسير الإصلاحي سوى الشعور بالحق والواجب العقلي والانساني قبل الديني، فنفسك أيها الزائر والذي تسمي نفسك موالاي أو علموك أن تصف نفسك بهذا الوصف الذي يحط من كرامتك الإنسانية ودرجة إيمانك بالله، أعرف نفسك كما تعرف دينك أولى لك مما يجري بحقك وحق دينك وأنت غافل عما يساق لهم حتمك، وبها يمكنك أن تكون حسينيا عابدا لله ومؤمنا صالحا، الحسين ع لا يحتاج منك أن تعاقب نفسك وتجلد بدنك لأنك لم تكن يوم شهادته حاضرا، فلو كان يبحث عن ناصر لا يفقه حدود النصرة ومستوجبها العقلي لقال يا أمة محمد من لم ينصرني لن يدخل برحمة الله.
ثانيا أن الحسين طريق للكرامة والحرية والسمو والصدق والإحسان والعدل وكل كريمة يسعى لها الإنسان، فمن يسعى لذلك لا يقبل منك أن تأت خلافها وأنت تزعم حبا له، فلا تلفي الحسين وانت جبان عن المطالبة بحقك خائف من عقاب على ذنب لم ترتكبه ولا عن جريرة لست مسئولا عنها، عش حرا أو مت حرا فالحسين سيد الأحرار، ثالثا وأخيرا هل تظن أن الحسين ع يسر بك وأنت توالي الفاسد والمنحرف والكاذب والقاتل والسارق لأنهم من شيعتك وأنت من شيعته، الحسين يريد إنسانا سويا يعرف الحق فيتبعه ويتجنب الباطل ويخذله، قهل نصرت حقا ببكاءك ونحيبك وعمرت الأرض بإصلاح بعد أن فسد فيها أهل الكذب والرياء.
من يوالي الحسين ع يوالي الله ويوالي الحق ويوالي الإنسانية شاقا طريق العلم ومتبعا أمر الله (أصلحوا الأرض بعد فسادها ولا تركنوا للظالمين).

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت