غرامُ آينور هانم: خروجٌ آخر

دلور ميقري
2023 / 8 / 2

لقد ظهرت له آينور هانم، بعد عقدٍ كامل، مثلما يَخرجُ أمامكَ، على حين فجأة وبلا أدنى توقّع، رجلٌ غريب من الغابة. لكنها لم تكن وحدها. كانت تمسكُ بيد طفلٍ صغير، في مثل عُمر ابنته ذات العامين ونيّف، التي كانت أيضاً برفقته. وكان الطفلان على شبهٍ مُدهش، بملامحهما الدقيقة وشعرهما الأشقر وحتى بشكل العينين العسليتين، المُطيّفتين بشعاعٍ أخضر.
قالت لعشيقها السابق ( وربما ليسَ هوَ السابق مباشرةً! )، مومئةً بحنان إلى الطفل: " إنه أصغر أخويه، لأنّ ثمة شقيقاً له أكبر منه بخمسة أعوام. أما تلميذتك، خجي، فإنها بلغت سنّ الرُشد ولن تتعرّف عليها بالتأكيد لو صادفَ ورأيتها في الشارع ". قبل لحظات كان يقفُ مع ابنته على رصيف مرسى السفن، أين أقيمت مدينة ملاهي مؤقتة ـ ربما إحتفاءً بمقدم الربيع ـ عندما أندفعت إليه آينور هانم وعانقته. كأنما قوةٌ لا مرئية، قادته إلى هذا المكان لينالَ مغفرةَ مَن كانت حبيبته وتسبّب لها يوماً بجرحٍ عميق في شعورها وكرامتها. لعله أستعادَ عندئذٍ في ذهنه إحدى حكايات " ألف ليلة وليلة " عن زوج الجنّ، الذين تعهّدا جمعَ محبوبَيْن بعدما خطفا أحدهما وهوَ نائمٌ كي يفيقَ في أحضان الآخر.
كانَ لقاءً حميماً، علِمَ في خلاله دارين أنها أنتقلت من أوبسالا إلى بلدةٍ على حدود النرويج، أين أمتلك زوجها مطعماً: " جرى ذلك في نهاية العام، الذي شهدَ إنقطاع علاقتي بك "، قالتها مُبتسمة وهيَ تتنهّد. لكنّ هذا اللقاء، أضحى عابراً على وجه السرعة. ذلك جدّ، عندما لحظ دارين إحدى قريباته على مبعدة أمتار قريبة، ترمي نظراتٍ فضولية على المَشهد. إنه خشيَ من دسيسةٍ، تؤججُ غيرةَ إمرأته، وبالتالي، تتسبّبُ في مشكلةٍ لا رادّ لها. ولهذا السبب تحديداً، آثرَ أن يمزّقَ فيما بعد الكرتَ الشخصيّ لعشيقته السابقة، المُتضمّن رقمَ هاتفها.
ولم يُنقذه من التفكير بها، المُلِحّ مع الذكريات بحلوها ومرّها، إلا عندما صادفها مرةً أخرى بعد اللقاء الأول بزهاء ثلاثة أشهر. إذاك، كانت تقفُ عند موقف الحافلات، المُتّجهة إلى حي ستينهاغن. كانَ دارين عندئذٍ يمرّ بالقرب من البنك التجاريّ، عندما رآها تتحدثُ خلسةً مع شابٍ وسيم، يصغرها بلا أقل من عشرة أعوام. ثم ما عتمَ أن جاءت الحافلة، فانتظمت آينور هانم وراءَ الشاب في الدور. أشتعلت، على الأثر، الأسئلة في ذهن دارين: " هل ذلك الشاب، عشيقها الأكثر جدّة؟ وإذاً، فإنّ علاقتها بزوجها على نفس الوتيرة من البرود وسوء الفهم؟ ولكن، لِمَ ركبت الحافلة الكبيرة في هذا اليوم ولم تستعمل سيارتها؟ ". كأنما السؤالُ الأخير، هوَ بمثابة اللغز المُحيّر، المُؤمل أن يؤدي، بطريقةٍ ما، إلى كشفِ شخصيتها!
عاد دارين في ذلك اليوم إلى مَسكنه، يشعرُ بالراحة وكما لو أنّ ثقلاً كان جاثماً زمناً على صدره وإنزاحَ جانباً. إنّ الكائنَ، الذي خرجَ فجأةً من الغابة، قد رجعَ إليها وربما لن يلقاهُ مرةً أخرى أبداً. بالرغم من أنه أنهى قبل فترةٍ قصيرة، روايتَهُ التاريخية ـ وهيَ الثانية ـ إلا أنه لم يخطر في ذهنه قط أن تكونَ علاقته مع آينور هانم، هيَ موضوع الرواية المُقبلة. هذا، مع أنه قرأ مؤخراً رواية " عشيق مدام تشاترلي "، وفكّرَ أنها قد تكون ترجيعاً لعلاقة مؤلّفها مع إمرأته، التي خطفها من زوجها.
وفي ذلك العام، الشاهد على لقائه بعشيقته السابقة، كانَ دارين قد قررَ التوقف تماماً عن الرسم، كونه بنظره حجرَ عثرةٍ في طريق الكتابة. ففي عام سابق، حملته فكرة خرقاء على إقامة معرضٍ للوحاته المائية، في قاعةٍ داخل مركز أوبسالا. في واقع الأمر، أنها كانت فكرة فتاة سويدية، عملت معه في شركة إعلانات، كانت تبغي بهذه الطريقة ربطه بعلاقةٍ عاطفية. أما بشأن فن الكاريكاتير، المُتمرّس به دارين، فإنّ آخر رسمة أنجزها كانت للمصادفة قبل عشرة أعوام من ذلك المعرض. الرسمة، صوّرت رئيسَ الوزراء، آنذاك، وهوَ يقوم بهدم مدرسة بمطرقة على شكل الحرف الأخير من اسمه. كانَ دارين في ذلك الوقت يدرسُ في معهد الفنون، وقد قاموا هناك بتكبير الرسمة وجعلها بعدة نسخ لرفعها في مظاهرةٍ طلابية بستوكهولم. وقد سارت يومئذٍ آينور هانم بجانبه، ممسكةً بذراعه فيما تحملُ بزهو رسمته!
وما حاله مع الشعر؟ إنه أصدرَ ديوانه الأول، عامين عقبَ إنتهاء علاقته بعشيقته، وبسبب طبعه في السويد، لم يلاقِ إنتشاراً أو صدىً ملحوظاً في العالم الناطق بالعربية. إلا أنّ الشاعر الأهم في ذلك العالم، كتبَ إليه رسالةً تعبّرُ عن إعجابه الشديد بالديوان. هذه الرسالة، جعلها دارين على الغلاف الأخير لمجموعته الشعرية الثانية، التي رأت النور في بيروت بعد الأولى بنحو أربع سنين. الرسالة، في المقابل، فتحت عليه نيرانُ الحسد من أولئك الكتبة، المُدججين بمكرهم القرويّ. هؤلاء، كانوا يتمنون رؤيتَهُ كاتباً مغموراً إلى النهاية، وكأنما هوَ العقبة الكأداء أمام بروز أسمائهم في عالم الأدب. لقد تعثّرنا ببعضهم فيما سبقَ من الأحداث، وربما نلقاهم ثانيةً في روايةٍ جديدة، تواصل ذكريات الكاتب عن مدينة أوبسالا.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت