بحثاً عن عدالة غائبة عن عالمنا

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2023 / 8 / 1

كل واحد منا لديه تصوره الشخصي عن العدالة الواجبة التي يوقن في دخيلة نفسه أنها إذا ما تحققت حُلت مشاكله كلها وربما معها مشاكل العالم أجمع. رغم ذلك، إذا ما اجتمع نَفرُ قليل للغاية معاً وأباح كل واحد منهم عن مفهومه لهذه العدالة الواجبة بحسب تصوره الشخصي، سيتضح فوراً مدى التناقض وعدم التطابق في المفاهيم ووجهات النظر- أحياناً إلى حد العراك والخصومات القضائية وحتى الاقتتال وسفك الدماء الذي يحدث فعلياً على أرض الواقع بين أفراد الأسرة الواحدة لدى شروعهم في تقاسم المواريث فيما بينهم. إذا كان هذا هو الحال وسط عدد ضئيل من الأشخاص تربطهم صلة دم ورحم، فما بالنا بمجتمع كبير تعداد أفراده بالملايين معظمهم لا يعرفون بعضهم بعضاً وتغيب عنهم مثل هذه الصلات الحميمية؟!

هذا الوضع الصعب والمراوغ للعدالة لم يغب كذلك عن نظر عظماء العقول المفكرة. وحتى فيما بينهم لم يكن هؤلاء العظماء، في تعريفهم للعدالة، أفضل حالاً من أفراد الأسرة المتخاصمين على الميراث. لكنهم، رغم الاختلاف وعدم التطابق والتناقض الصريح أحياناً، اتفقوا جميعاً على أنه رغم الاختلافات والتناقضات الجلية في المفاهيم الذاتية عن العدالة وتطبيقاتها على أرض الواقع، يبقى هناك "مثال" للعدالة يسعى ويتطلع إليه كل إنسان على وجه الأرض، حتى لو كان أشدهم ظلماً وبغياً وأسوئهم تصوراً للعدالة. ومن هنا، خلق الفلاسفة والمفكرون من مفهوم العدالة نفسها كيانين نظريين منفصلين ومتمايزين عن أحدهما الآخر: (1) نموذج مثالي للعدالة غير قابل للتحقيق على الأرض لكن رغم ذلك ينبغي أن يبقى دائماً وأبداً النور المرشد للطامحين إليها؛ و(2) نموذج نسبي قابل للتحقيق بدرجات الذي رغم نسبيته وتشوهاته ونواقصه المؤكدة ينبغي أن يسترشد ويسعى دوماً باتجاه النموذج المثالي.

هل العدل موجود حقاً؟ إذا لم يكن، من أين فرض صورته بهذه القوة على مخيلتنا كافة، دون استثناء؟! وإذا كان، هل هو هذا المثالي المطلق المستحيل على طاقاتنا البشرية المحدودة رغم مساعينا الصادقة والحثيثة إليه، أم هو من جنسنا، نسبي وناقص وبه عوار دائم، مهدد دائماً بالمرض والفساد وحتى الفناء إذا لم يجد ما يعيله ويرعاه؟

مثال حالة:
1- المستبد العادل
هنا القوم في الحقيقة اثنين لا واحداً، أو طبقتين تعيشان في عالمين منفصلين داخل وطن واحد. وبدورها، تنقسم الثروة القومية إلى نصيبين: (1) ملكية خاصة يتمتع بها عامة القوم، و(2) ملكية عامة يحتكر إمكانية الوصول إليها واستغلالها المستبد وحاشيته، يهبها لمن يشاء ويرضى عنه وينزعها متى ما شاء. هناك قضاء لفض منازعات العامة فيما بينهم، ليس على أساس قوانين محايدة وموضوعية بقدر القواعد والأصول العرفية والمركز الاجتماعي والقبلي، والقرب أو البعد من مركز السلطة الممثل في المستبد وحاشيته. ولا يوجد قضاء لفض منازعات أفراد الحاشية أو النخبة فيما بينهم، التي تنفض داخل غرف مغلقة، وأحياناً بتدخل مباشر من المستبد العادل ذاته.

هنا، أياً ما كان تصورك عن العدل في فرص وإمكانية الوصول إلى مصادر الثروة القومية واستغلالها وتنميتها والاستفادة منها لن يلقى تصورك هذا أي وزن أو صدى أو قبول لدى من يقررون فعلياً شروط الوصول إلى مصادر الثروة القومية واستغلالها- المستبد العادل ونظامه. وإذا أصَّريت على موقفك وعاندت، قد ينتهي بك الحال إلى المنع الكامل من الثروة القومية، ومصادرة ثروتك الخاصة، وحتى دفع حياتك ثمناً لهذا العناد.

2- الثروة المَشَاع
هنا كل شيء واحد، واحد فقط غير قابل للقسمة، أو على الأقل هكذا يُتصور ويُقصد له أن يكون. لكن في الواقع، الناس كثيرون ومختلفون بطبيعتهم في تصوراتهم الذاتية عن أنفسهم وغيرهم وعن العدل، من جملة أمور أخرى. حتى يٌفض هذا الاختلاف والتباين الطبيعي في القدرات والمهارات والاحتياجات ووجهات النظر وخلافه وتتحقق الوحدانية المنشودة، لابد من ممارسة نوع من القمع والديكتاتورية. هكذا، في الأنظمة الشيوعية، يلزم مصادرة فردانية الشخص ذاته قبل مصادرة ثروته الخاصة. وعندما يفقد الفرد ذاتيته الإنسانية، ومعها تصوره الذاتي عن العدل، ينتفي عن مفهوم العدالة أو الثروة القومية أو شيوع ملكيتها والانتفاع بها بالتساوي فيما بين العامة كافة وفق الادعاء الشيوعي أي معنى أو قيمة على الإطلاق. ويتحول الفرد من إنسان إلى مجرد رقم افتراضي في معادلة كبرى، أو سِن في ترس آلة عملاقة لا يملك عليها أي سيطرة على الإطلاق.

3- الحق في الاختلاف
لا شك أن البشر جميعاً من جنس واحد يتصف بخصائص مشتركة واحدة تفرقه وتميزه عن الكثير من الأجناس الأخرى، حتى الأكثرها شبهاً بنا مثل القرود من فصيلة البونوبو التي تشترك مع الإنسان في نحو 99% من جيناته. رغم ذلك، ينقسم الجنس البشري إلى نوعين مختلفين ومتمايزين عن أحدهما الآخر في الكثير من الصفات والاحتياجات- ذكر وأنثى. بجانب النوع، يشكل الزمان قاسم آخر يوزع البشر بين أعمار غير متساوية أو متكافئة، من عمر أيام كمضغة في الأرحام حتى أرذل العمر. ثم يأتي قاسم المكان، ليباعد بين البشر عبر مناطق وأقاليم جغرافية ومناخية وطبيعية مختلفة ومتباينة ذات تأثيرات جلية على الإنسان واحتياجاته ومنحى تطوره، بما في ذلك معتقداته وتصوراته عن العدل. هكذا، رغم الأصل الواحد المشترك والتشابه العظيم، لا يمكن أبداً أن تجد من بين مليارات البشر المنتشرين على وجه الأرض شخصاً واحداً نسخة طبق الأصل في كل شيء من شخص آخر حتى لو كان ملازماً له في المكان والزمان- توأم متماثل له. هناك حتماً ولابد درجة أو هامش ما من التمايز والاختلاف، الذي يستدعي بالضرورة احتياجات وتصورات متمايزة ومختلفة مقابلة.

اعترافاً بهذه الاختلافات الطبيعية المثبتة بين البشر، تأسست الأنظمة الديمقراطية على مبدأ حق الأفراد المختلفين بطبيعتهم في التعبير عن تصوراتهم الفردية المختلفة بالضرورة كانعكاس لاحتياجاتهم المختلفة بسبب اختلافاتهم الطبيعية. على هذا الأساس، بات من حق كل فرد أن يصرح بتصوره الذاتي عن العدالة، سواء في إمكانية الوصول إلى مصادر الثروة القومية والإفادة منها أو في أي مسألة أخرى. لكن هذه الحرية الفردية الذاتية لا تعني أنه قد أدرك أخيراً حُلم النموذج المثالي من العدالة الذي يداعب خيال كل فرد. بل سيتعين عليه الالتقاء والاتفاق مع أفراد آخرين غيره لديهم أيضاً تصوراتهم المختلفة عن العدالة. وفي نهاية المطاف، حتى يتمكنون من التوصل إلى اتفاق لابد منه لكي تنفتح أمامهم فرص الوصول إلى مصادر الثروة القومية واستغلالها، سيضطر الجميع إلى القبول بأقل كثيراً مما كان يطمح إليه كل واحد منهم على حدة، أو الاكتفاء بما تسمى عدالة نسبية ومنقوصة لكنها قابلة للتطبيق.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت