أضواء على ما يحدث في كربلاء -2

عباس علي العلي
2023 / 7 / 31

فيما مضى بينا وجهات النظر بين مختلف الآراء حول ما يجري في كربلاء مما يسمى طقوس أو شعائر حسينية، وهي بالحقيقة كذلك ليست طقوس متعلقة بالإسلام ولا بشعائره بقدر ما هي متعلقة بالمد العاطفي الشعبي الأنفعالي تجاه قضية الحسين ع، ومن هذه النقطة نبدأ فهمنا لما يجري هنا، ومن هم أبطال الموقف وشخوصه والقائمين على الأمر برمته؟ وما هي الأهداف والغايات والمطايا التي تستخدم لتأجيج هذه المشاعر وسعرنة الأداء؟ من هو المحرك والمستفيد والمؤجج والمحافظ على بقاء وتطور هذه التجسيدات العاطفية؟ ولماذا لا يعمد أصحاب الرأي والمسئولية الدينية من مراجع الدين والنخب الفكرية المعرفية المرتبطة والمتفرعة من مؤسسة المذهب الكبرى المرجعية العليا، لأن يقولوا كلمة الفصل التي ستفرق بين ما هو طقوسي شعبي أنفعالي وبين ما هو طقسي ديني أصيل ومطلوب على سبيل الفرض والحتم؟.
في البدء هنا في كربلاء المحرم وعاشورا ما تتبعها من ايام على أمتداد العام كاملا بين ولادات ووفيات ومناسبات حزن وفرح، الناس على ثلاثة مدارات، البعض في القمة أمرا ناهيا موجها قائدا مستفيدا يحصد كل شيء ولا يخسر أي شيء وهم خمس طبقات، والسماط الأخر أصحاب الحركة والبركة المنتفعين الذين يتحركون كالبيادق بيد رجال الطبقة الأولى ويتخادمون معها في علاقة برغماتية مصلحية، والسماط الأعظم والأكبر وهو الشعب من محب صادق ذائب في حب الحسين لا يعرف من الدين إلا من قال له الأولون، منهم من يصلي ويصوم ولكن منزلة الزيارة والمشاركة الطقوسية عنده أهم وأعظم وأكبر، بل أن البعض يرى أن حب الحسين والمشاركة فيما كل ما يصل ويتصل به فوق الدين والفروض والعقيدة، وغالب هؤلاء ممن هم قليلو التعليم من الفقراء والمساكين من كبار السن أو من الذين غالبا يكونوا بلا عمل أو لا يرتبطوا بعمل ملزم أو لديهم من يسد عنهم الغياب أو ينفق عليهم.
الطبقة الثانية من الزوار وخاصة أنها تمصل سوادا كبيرا من بين الزائرين ويجري التركيز عليهم وهم عادة عماد كل النشاطات التي تجري بعنوان مراسيم، الشباب من أعمار12 ولغاية الثلاثين تقريبا، هؤلاء هم الذين يعتمد عليهم في تيسير ما تحتاج المواكب من خدمة وإعداد وأنفاق وتمشية أمور، الغالب من بين هؤلاء العاطلين عن العمل والذين لديهم مصالح أو أرتباطات مع مؤسسات دينية، أو من وكلاء وعمال وموظفي العتبات والحسينيات ومكاتب رجال الدين أو أقرباء أو أصدقاء بعض، منهم نساء ورجال ممن يعملون بجمعيات خيرية أو مؤسسات تحت هذا العنوان، في جزء كبير من هؤلاء ليسوا من أهل الموارد المالية الثابتة ولا من أصحاب الدخول المؤمنة، فهم أما عمال وقتيين أو عمال أجرة وحسب الظروف، ما يدفع هؤلاء للمشاركة والتضحية حتى بأرزاقهم وعملهم هي العوامل النفسية الضاغطة على الرغبات، فمنهم من يظن أن المشاركة تعني أن الله والحسين سيقف معهم ويوفقهم بعمل جيد كثواب وجزاء، ومنهم من تدفعه حالة الفقر والمسكنة كي يسد جزء من احتياجاته يلجأ للمشاركة العملية.
إلا أن أخطر العوامل النفسية التي تدفع الكثيرين ممن لا يملكون هدفا محددا وليس لديهم قوة أو هدف معلن يجب التضحية من أجله، هم أصحاب الهوس المندفع بعوامل تأثير العقل الجمعي، هذا الهوس يدفع وباللا وعي للمشاركة الكثيفة والمتكررة وأحيانا بشكل غيبي كأنه مخدر، أما تعبيرا عن حاجات نفسية تتجلى بالتعبير عن حضورهم ووجودهم، أو محاولة تفريغ الكبت والحرمان من الممارسات الجماعية التي تنفس عن مكامن الفرد النفسية وتحرره من عوامل الضغط الداخلي، هؤلاء جميعا من الطبقة الثانية من المشاركين يجمعهم عاملي الفقر أولا وعدم نضوج الشخصية الفردية القادرة عن التعبير عن ذاتها بحرية، فهم يندفعون كالمجانين ليحاربوا من أجل قضية أستغلالهم تحت تأثير الحكايات والروايات والخطب والاهازيج والأشعار الانفعالية.
هناك طبقة ثالثة من الزوار ممن يوصفون عادة بالزوار "النازكين" هؤلاء الذين يأتون للزيارة في وقت محدد ويشاركون بالمراسيم بأقل جهد وبمستوى مشاركة رمزية من باب إثبات الحال، هم يعتقدون أن الزيارة عمل أستحبابي قريب من اللزومية كلما كان الزائر أكثر ألتزاما بواجباته الدينية والفروض، غالب من ينتمي لهذه الطبقة هم من الموظفين والمتعلمين ومن الكسبة المعرفين بارتباطهم في العمل وأعتمادهم الكامل على ثقافة دينية محددة تتبع مؤسسة أو رجل دين محدد، فهم منضبطون عادة أكثر نظافة بالسلوك والهندام وحتى في أداء مراسم الزيارة، والغالب يأتون ويعودون جماعات متفقة على التفاصيل مقدما.
بقيت المجموعة الأخيرة من الزوار وهم عادة ممن لا يجمعهم تصنيف ولا يمكن وضعهم تحت عنوان، هؤلاء الذي يمكن وصفهم بأنهم زوار الهوى ليس لديهم هدف سوى قضاء الوقت والاكل والنوم والسردحة، لا يعرفون العبادات ولا يؤدوها ولا يؤدوا الزيارة كما يفعل بقية الناس، منهم أصحاب نوايا سيئة واهداف مشبوهة، ومنهم نشاله وسراق ومنهم مت يأتي للفرجة فقط وترس البطن، فتراهم يتنقلون من موكب لموكب يبحثون عن الذ الطعام، ينامون في أماكن عامة أينما أتفق الوقت، أكثرهم مفلسون والغالب أنهم من مناطق هامشية أو من الحواسم أو المناطق البعيدة عن مكان الزيارة، المهم أنهم يحضروا ويقضوا اياما عدة متنقلين من مكان لمكان بحثا عن فوائد مادية وربما حتى عن عمل وقتي إذا أمكن.
هذه الأصناف الخمسة من مجموع الزوار عادة لم ندرج معهم لا الزوار الوافدين من بلاد أجنبية من اعاجم وعرب، ولا من الزوار العراقيين القادمين من دول المهجر، وأيضا لم ندرج معهم الزوار "الفي اي بي" من رجال الدين والمسئولين ورجال الدولة والأحزاب وكبار التجار، فهؤلاء عادة ما يكون مكانهم محجوز ويصلون للأماكن التي يريدونها بحرية وسهولة، تتوفر لهم الخدمة الممتازة زياراتهم عادة قصيرة تقتصر على زيارة المرقد والصلاة وبعص اللقاءات مع المعارف والمسئولين، لا يشاركون في فعاليات المواكب والطقوس "لطم تطبير زنجيل" إلا إذا كانت الكامرة ترافقهم ولأغراض لا علاقة لها بالحسين، وأكثرهم يؤدون الزيارة في أواخر الليل أو الفجر ولا يزاحمون الناس على ما يؤدون، ونظرتهم في الغالب للناس فوقية وبها نوع من عدم الثقة والتصديق، وربما في دواخلهم يقولون عنهم انهم غوغاء لا يفقهون شيئا ولكن للغايات أحكام، اما الطبقة الأولى فسأعود لوصفهم في الجزء القادم من المقالة بأذن الله.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت