السلام العالمي لكانط و الرؤية البهائية لمستقبل النظام العالمي - (9-14 )

راندا شوقى الحمامصى
2023 / 7 / 31

في التعاليم البهائية، إن حجر الأساس الآخر اللازم لإنشاء والحفاظ على سلام دائم هو الوحدانية الجوهرية للدين. فالدين قد لعب دائما دوراً هاماً في وجود الإنسان، وبالتالي، يجب تضمينه في أي خطة جدية لإجراء تغييرات في العلاقات الدولية. و لا توجد أي ظاهرة إجتماعية أخرى في التاريخ تظهر نفسها بحيث أنها قديرة على تبديل أعداد كبيرة من الناس مثل الدين، الأمر الذي يشير إلى أن خطة كانط لإقامة "سلام دائم" بدون دين تتجاهل ببساطة طبيعة الإنسان وأنها بالتالي غير واقعية. وعلاوة على ذلك، كما يشير حضرة عبد البهاء الى الدين: "لقد كان أساس كل حضارة والتقدم في تاريخ البشرية." (PUP 361). و بدون تضمين قدرة الدين، فمن المشكوك فيه جدا أن الخطط العقلانية السياسية القائمة من أجل السلام العالمي سوف تكون ناجحة.
و لكن، يمكن للأديان الوفاء بدورها كعامل للسلام الدائم فقط إذا توقفت عن تعزيز الإنقسامات بين البشر و تقريرها العمل فى وحدة بينها على أساس المبادئ الجوهرية/الأساسية الخاصة بها والتي هي متطابقة. و يلخص حضرة عبد البهاء هذا الموقف بإيجاز تام: "الحقيقة هي واحدة في جميع الأديان، و عن طريقها فإن وحدة العالم يمكن أن تتحقق" (PT 129). و ب "الدين" فالآثار (الكتابية) البهائية المقدسة تعني "الجوهر الأساسي أو حقيقة الدين، وليس العقائد والتقاليد العمياء التي ... هى مدمرة لا محالة." (PUP 363). لأن "جوهر جميع الأديان هو محبة الله، و... هى أساس كل التعاليم المقدسة " (PT 82). فالدين، أو الدين في مقصده الأصلي، هو أمر ضروري لسلام دائم. و عند ما تعود الأديان إلى حقيقتها الأساسية، و ليست المفاهيم الفلسفية من صنع الإنسان، فإنها سوف توحّد الإنسانية، و يعلن حضرة بهاءالله:
"يا أبناء الانسان، إن دين الله ومذهبه من أجل حفظ واتحاد واتفاق ومحبة وألفة العالم، لا تجعلوه سبباً للنفاق والاختلاف والضغينة والبغضاء. هذا هو الصراط المستقيم والأساس المُحكم المتين." (بهاءالله، منتخبات: 110)
و في سياق مماثل، يصرح حضرة عبد البهاء: "إن الغاية الرئيسية من الديانات السماوية هى إقامة السلام والوحدة بين البشر." (PUP 98) و "الوحدة هي الحقيقة الأساسية للدين." (PUP 32)
و توضح الحاجة إلى الدين " كشريك فى السلام" الحاجة إلى توحيد النظرة للعالم world-view، أو كما يبيّن حضرة عبد البهاء ذلك، بأنها الحاجة إلى "إتحاد الآراء في الأمور العالميّة" (SWAB 32). فإذا أردنا أن يكون هناك سلاماً حقيقياً، يجب علينا التعاون الفعّال، و يتطلب التعاون الفعّال إطاراً مشتركاً من الفكر والعمل، أي نظرة مشتركة للعالم. و توفر هذه النظرة (الرؤية) المشتركة إلى العالم، من بين أمور أخرى، الهدف الأقصى الذي نعمل له؛ و الوسائل المسموح بها و التي بها قد نقوم بتحقيق تلك الأهداف، و المصطلحات التي هى لتحليل وتقييم الأوضاع و المبادئ التوجيهية للتخطيط وتحديد الأولويات و تنسيق العمل. و علاوة على ذلك، إذا كان للدول و / أو الثقافات المختلفة للعمل معاً بشكل فعلى/فعّال، فإنها تحتاج إلى مجموعة من " القيم الأساسية ... والتي يُسعى إلى الحفاظ عليها." وبدون هذه المجموعة من "القيم الأساسية core values" فإن المشاركين سوف لا يملكون أهدافاً يتطلعون إليها ولا المعايير التي يمكن من خلالها الحكم على جهودهم؛ في الواقع، أنها ستكون تحليق أعمى flying blind . و هذه القيم أيضا توفر المغزى الشرعي لكسب التأييد الشعبي. بالإضافة إلى ذلك، فإنها توفر "وحدة الوجدان و الضمير unity of conscience" اللازمة لتحفيز الناس فكريا وعاطفيا و روحيا، أي لإيقاظ وتنشيط الإنسان بالكامل. و بدون كل هذه المزايا التي توفرها نظرة (رؤية) للعالم متماسكة، فإن جهودنا لتحقيق السلام سوف تكون جهوداً جزئية في أحسن الأحوال و نتائج عكسية في أسوأ الأحوال.
إن مقالة "السلام الدائم" لكانط ، بطبيعة الحال، لا تعلن عن أي شيء مثل الوحدانية الجوهرية لجميع الأديان. و هذا هو القصور الرئيسي الذي تعالجه الآثار (الكتابية) البهائية المقدسة. ومع ذلك، فإن كانط يعترف بالحاجة إلى نظرة (رؤية) للعالم موحِّدة أو إطار فكرى في إقامة سلام حقيقي. و كما جاء في "السلام الدائم"، فإن بالنسبة لكانط فالإنسجام الضروري للفكر يستند على وحدة عالمية أخلاقية و قانونية قائمة على مفهوم "الحق". ووفقا لكانط ، "يجب على جميع الآراء السياسة أن تثني الركبة أمام الأخلاق" (Kant 1983, 131) أو "الحقوق" (المرجع نفسه 128) و التى يعني بها أن السياسة يجب أن تسترشد بالأخلاق أو "الحقوق" و ليس عن طريق النفعية أو أي إعتبار للنتائج. و هذا ينطبق على حد سواء على الأفراد والأمم.
"إن البشر لا يمكنهم مزيداً من الهروب من مفهوم الحق في علاقاتهم الخاصة منه في العامة، ولا يمكن أن يخاطروا علنا بتأسيس آراءهم السياسية على جهد العمل الشخصى من التعقل وحده، وبالتالي فإنهم لا يمكن أن يرفضوا تماماً الطاعة لمفهوم الحق العام (والذي هو مهم بشكل خاص في حالة الحق الدولي)." (Kant 1983, 131)
الحق ينطبق على جميع الأنشطة البشرية، بما في ذلك السياسة لأن مفهوم "الحق" له الأسبقية على كل الإعتبارات الأخرى. وبالتالي، فهو قادر على القول، "لا بد من إتخاذ حقوق البشر بأنها مقدسة، مهما قد تكون عِظم تكلفة التضحيات لأولئك الموجودين في السلطة." ( المرجع نفسه 135 ). والبديل لمثل هذه المبادئ الصارمة هو الفوضى الإجتماعية والسياسية بسبب أن الأفعال لم تعد من الممكن إسترشادها بقاعدة عامة عالمية. فالحكام و الدول سوف تقوم ببساطة بكل ما هو مناسب لها. و بدون ذلك القانون، فكيف لنا أن نحكم على الأفعال أو الإصرار على معايير معينة؟ بالنسبة لكانط فإن "حق right" نفسها تُستمد "من يجب ought، و التي يتم إعطاء مبدئها بداهة [دون نقاش] من خلال العقل الخالص" (المرجع نفسه 134) مما يعني أن "يجب ought" و "حق right" يحددهما العقل وحده و ليس من قِبل المنفعة /المصلحة، و التعقل، و الإستحسان أو النظر الى العواقب. إن "يجب ought" و "حق right" لهما "ضرورة غير مشروطة"، (المرجع نفسه 132) أي أن "يجب ought" و التي تنتج "حق right" قابلتين للتطبيق بغض النظر عن النتائج أو الرغبات. كانط يقتبس باستحسان القول المأثور، "دعوا العدالة تسود، حتى لو كان كل المحتالين في العالم ينبغي أن يهلكوا." (المرجع نفسه 133). و بتلخيص أفكاره، فإنه يقول، "أطلبوا أولا ملكوت العقل العملي الخالص وصلاحه و سوف تأتي إليكم غايتكم [الغرض Zweck ] (بركات السلام الدائم) من نفسها". (المرجع نفسه)
وبشكل أكثر تحديدا، فالأفعال هي "حق" إذا كانت تتفق مع ضرورة حتمية categorical imperative (CI) والتي لدى كانط لديها صلاحية عالمية بلا منازع. و كانط لا يفسر على وجه التحديد الضرورة الحتمية CI في "السلام الدائم" ولكنه إستفاد منها في حججه كما سنرى. و في شكلها الأول فإن الضرورة الحتمية CI تبين أن "أفعل كما لو أن الحِكمة من فِعلك الخاص أصبحت من خلال إرادتك قانوناً عالمياً للطبيعة". وبعبارة أخرى، إذا كان لنا أن نفعل شيئا علينا أن نتفق على أن الجميع يجب أن يفعلوا الشيء نفسه في نفس الظروف. فعلى سبيل المثال، إذا إخترنا أن نعمل بمبدأ "دَمّر أعدائك"، لكنا ندرك عاجلاً أن الجميع – بما فيهم أنفسنا - سوف يكونوا في نهاية المطاف قد دُمروا لأن كل واحد هو عدو لشخص ما. فإن عدم العقلانية، والطبيعة الإنتحارية لهذا الفعل واضحة على الفور. و نتائج مماثلة تلى إذا ما طبقنا الضرورة الحتمية CI لكانط على الكذب والسرقة والغش أو كون الشخص كسولا، و هذا على سبيل المثال لا الحصر. فإن الوجود الإجتماعي سوف يصبح بسرعة غير قابل للتطبيق. و تُطبِق مقالة "السلام الدائم" النموذج الأول للضرورة الحتمية CI على الأمم، والتي، كما يقول، ليس لديها الحق في الذهاب إلى الحرب:
"لأنه عند ذلك فإن قانون تحديد ما هو الصحيح يكون من خلال ثوابتها من جانب واحد من خلال القوة و ليس عن طريق القوانين العامة الصالحة عالميا التي تقيد حرية الجميع."
و يجب حتى على الدول أن تسلك بمثل هذه الطريقة التي فيها أفعالها قد تصبح قانوناً عالمياً بدلا من كونها تعسفية/إعتباطية و مرافعة خاصة [تتجاهل عمداً الجوانب التى ضد وجهة نظرها]. وهذا الجزء الأخير هو مغالطة منطقية وغير ملائم مع كانط.
النموذج الآخر للضرورة الحتمية CI يؤكد أننا يجب دائما أن نعامل كل البشر كما لو كانوا غايات في أنفسهم و ليسوا أبداً كوسيلة لخدمة غرض لشخص آخر. و في "السلام الدائم" يشير كانط إلى هذا الشكل من الضرورة الحتمية CI في إعتراضه على الجيوش الدائمة، أي دفع مال للرجال ليقتلوا أو أن يُقتلوا هو "إستخدامهم كآلات مجردة وأدوات في يد آخر". (كانط عام 1983، 108) كما أنها تنتهك حقهم في أن يكونوا غايات في أنفسهم. (النظرية الحديثة بكاملها لحقوق الإنسان تنمو من هذا الجانب من عمل كانط) فإذا تعاملنا مع الآخرين كما أنهم "وسيلة" لتلبية رغبتنا، فثم أن الآخرين يحق لهم منطقيا معاملتنا بأننا "وسيلة" أيضاً - وهو وضع يجعل بسرعة الحياة الشخصية والجماعية غير قابلة للتطبيق. فالمرافعة الخاصة أو جعل أنفسنا إستثناء من أي شكل من أشكال الضرورة الحتمية categorical imperative فإنه يحصرنا في فخ التناقض المنطقي، أي في اللاعقلانية، التي تنتهك طبيعتنا ككائنات عقلانية.
فكل من كانط و الآثار (الكتابية) البهائية المقدسة تؤيدان معاملة الإنسان بأنه غاية في ذاته وليس مجرد وسيلة أو أداة لاستخدامها لصالح آخر. فالآثار (الكتابية) البهائية المقدسة تبيّن هذا بطريقتين. الأولى هى من خلال التعاليم التى تقول بأنه يجب علينا أن نحب كل البشر؛ و حب شخص آخر هو تقييّمه لذاته، و رؤيته كغاية في ذاته، و ذلك كما فى أنا أنت I Thou . و ليس هناك أي فهم ذا مغزى من الإنفصال أو الإقتصار لمثل هذا الحب. و بطبيعة الحال، فإن الآثار الكتابية البهائية المقدسة تعبّر عن هذا في شكل لاهوتي كما في ما يلي:
"فإنه ينبغى على أحباء الله أن يكونوا علامات وآيات رحمته الشاملة وتجسيدات لعنايته الفائقة. مثل الشمس، ليرسلوا بأشعتهم على الحديقة و سقط المتاع على حد سواء، وحتى كالغيوم في فصل الربيع، تهطل بأمطارها على الزهرة والشوكة." {ت ت} (حضرة عبد البهاء، SWA 257)
طريقة أخرى تبيّن أن جميع البشر هم غايات في أنفسهم و ذلك بالقول أننا خلقنا على صورة الله وأنه "بقدر ما كلنا قد خُلقنا على صورة الله، يجب علينا أن نحمل على أنفسنا أن ندرك أن الكل يجسّدون الإمكانيات الإلهية."{ت ت} (عبد البهاء، PUP 113). وبناء على ذلك، فإن جميع الأشخاص ذوى قيمة في حد ذاتهم وصُور من الإلهي فريدة من نوعها، مميزة و لا يمكن الإستغناء عنها ويجب أن يُعاملوا على أنهم غاية في أنفسهم. و لأنها تدرك أن كل شخص هو غاية في نفسه، فإن الآثار (الكتابية) البهائية المقدسة تعترف ضمنا بأن قواعد السلوك التى نطبقها على أنفسنا يجب أن تكون قابلة للتطبيق من قِبل الجميع بقدر ما نحن جميعا على قدم المساواة صُور من الله. و هذا يتفق مع النموذج الأول من الضرورة الحتمية.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت