أضواء على ما يحدث في كربلاء -1

عباس علي العلي
2023 / 7 / 30

من أساسيات الفكرة الإيمانية عندي كما هي عند الكثير ممن يؤمنون أن الدين قيم وأخلاقيات ومثل رافعة للسلوك البشري ومثمرة في صنع وعي تفاعلي أرتقائي، ينقل الإنسان من دائرة اللا هوية والوعي المشوش إلى دائرة الوعي بما يحمل من قيم إيمانية ووضوح الرؤيا وبيان الطريق، فالدين ليس في الفرض أو التصور والممارسة فوضى وسلوك غير منضبط إبتداعي وتطوري مع رغبات مبتكرة أو تصورات تعبيرية عن حالات فردية أو جمعية، لذلك فالدين حرص منذ البدء أن يبين كل شيء وبالتفصيل وبحدد شروط وطرق عملية للممارسة أو السلوك العبادي، وسمى كل شيء باسمه مناسك عبادات فروض طاعات وواجبات ونوافل وإلى غيره، حتى لا يلتبس على أحد أمر ما فيتيه أو يضطر لأنشاء بديلا عما لا يعلم، أو ينشيء من نفسه طقسا أو شعيرة ما لأنها تعبر عن مكنونه الخاص.
هناك حقائق لا يختلف عليها عاقلان أبدا ولا يمكن أن نتجاوزهما مهما كانت الأسباب والمبررات والعلل، منها أن الله هو من شرع الدين وهو صاحب الحق الفريد والحصري في التعبير عما يريد منا، النقطة الأخرى الملزمة عقلا ومنطقا وهي أننا طالما أمنا بالدين فعلينا الألتزام بما مطلوب منا وتأدية الواجب بأحسن ما يمكن ومستطاع، النقطة الثالثة والمهمة هنا أن دين الله المرسوم باق مع بقاء الله وبقاء الوجود حتى يأذن الله بغيره أو يعدله أو يبدله وكل ذلك في الكتاب مسطورا، النقطة الرابعة والمهمة أيضا لا يجوز لكائن من يكون لا نبي مرسل ولا ملاك مبعث ولا راغب بشيء أن يغير أو يبدل دين الله وطقوسه وشعائره ويفسرها على هواه إن كانت تتعارض مع أصل الدين وروحه وجوهره، لا حبا بأحد ولا كراهية لأحد ولا أنتماء لحالة ولا عن خروج عن طور أو سلوك بشري، هنا أقفل الله الأبواب عن البدع والخرافات والهوى النفسي في أن تكون طريقا لعبادة الله.
إلى هنا هذه مبادئ متفق عليها بين العقلاء حتى الذين لا يؤمنون بدين أو لا يتخذون منهج الإيمان منطلقا لهم في حياتهم، يعتبرون ذلك من أسس الوعي بما نؤمن به فكرا أو إيمانا أو معرفة، لذا فلا خلاف أصلا على هذه المنطلقات الأساسية، الخلاف يبدأ من المسميات والخلاف يبدأ من التوصيف والخلاف يبدأ من التعليل والتبرير، إذا نحن نختلف في القراءات ولكن لا نختلف بالمبادئ والأصول والمنطلقات الأساسية، وهذا ينتج نوعين من الرأي والرأي المعارض، الرأي الأول يقول أن كل ما نفعله طالما لا نرتكب به مخالفة للشريعة ولدين الله فهو لا يتعارض مع الإيمان بالله ودينه، وما نفعله مجرد تعبير عاطفي وحسي وشعوري عن حدث هز وجدان المؤمن، لأن المؤمن الحقيقي حساس ومتفاعل مع الإنسانية المظلومة، الرأي الأخر يقول نعم لا ضير إن كانت بعنوان تعبير وشعور وإحساس فردي حقيقي لا أن نجعله جزء من العقيدة الملزمة ومن نصوص الدين، ولكن أيضا لا يمكن أن نجعل منها بديلا كاملا عن الإيمان وشعائره وطقوسه، فلم ولن تتحول الخرافة في يوم الأيام إلى دين يؤمن به الناس، ولكن كثيرا من جوانب الدين تحولت إلى خرافات بفعل الجهل والكهنته.
الرأي الثاني والذي يرى أن ما يجري من أستبدال لقواعد دينية وأسس إيمانية ببدائل بشرية انفعالية موضوعة لا أساس لها في دين ولا منهج ولا شرعية تشريعية جريمة بحق الإنسان أولا قبل الدين وقبل الله، وذلك بأعتبار أن البعض يبرر لها بأنها تسد الخلل والتقصير الديني عند الناس، والحقيقة هذا تزييف وتحريف وتضليل يمارسه كهنة معبديون يريدون تحريف الكلم عن مواقعه، أما بتخطيط مبرمج ومعتمد ومقصود بذاته ولذلك يوصف بانه سوء نية، أو بجهل وغرور وعدم التحرز من الشركيات والكفر والخروج عن أدنى مستويات الإيمان، يقابله أيضا رأي معارض وهو أن الله رب قلوب وليس رب حامد وهو يعرف ومطلع على النوايا وهو يعلم أيضا ان ما يفعله الناس ليس شركا به، بل حبا لوليه ومن ثم هو بالنتيجة حبا وعبادة لله بذاته لذاته.
في كلا الحالين والوجهتين في النظر فإننا لم نقرب أصلا من أصل الإشكالية ولم نجد لها طريق حل، المبررات مهما غلفناها بالمقدس لا تلغي الواجبات الأساسية، والأعذار مهما كانت عاطفية وشعورية وحتى صادقة فهي لا تغني عن التقصير والتخلف عن أداء الواجب، وحتى لو أعتبرنا ما يجري في كربلاء من طراز أو من سنخ المستحبات، أو حتى أذا أعتبرناها من النوافل التي يراد بها وجه الله، فذلك لا يغني عن حتمية الألتزام بالقواعد والضوابط الأصولية التي منها تبدأ حقائق الإيمان وإليها تنتهي في كل مرة، الواجب أولا ثم المستحب والفرض أولا ثم النوفله، أليس هذا منطق العقل والدين ويا ليت قومي يعلمون.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت