العربية والعبرية وإمكانيات التطور

عبدالله عطية شناوة
2023 / 7 / 29

لم تساعد حالة الشتات القسري، التي عانى منها العبرانيون على تطوير اللغة العبرية، التي تشظت الى لهجات مختلفة تبعا لأستيطان العبرانيين في مجتمعات مختلفة، وظلت تلك اللهجات حبيسة البيوت والمدارس الخاصة بالجاليات اليهودية في البلدان المختلفة، ولم يصبح أيا منها لغة لمجتمع موحد ومتنجانس يطور من خلالها ثقافته، لهذا يصعب الحديث عن ثقافة عبرية قبل قيام أسرائيل ثانية على أرض فلسطين قبل نحو سبعين عاما.

ولسنوات عديدة ظل اليهود الذين قدموا الى أسرائيل من مختلف البلدان مشدودون الى ثقافات البلدان التي قدموا منها، لكن الوضع تبدل تدريجيا مع تتالي الأجيال، ومع العمل الدؤوب لأحياء اللغة شبه المندثرة، بدأت ملامح وحدة لغوية عبرية تتبلور بمرور الوقت. لم تعرقل هذه العملية أدعاءات مثل أن اللغة العبرية لغة قديمة متخشبة ومقعرة، ينبغي التخلي عنها، وأعتماد هذه اللهجة أو تلك، هذه اللغة أو تلك، بديلا لها. وعملت الجامعات ومراكز البحث والتطوير على تطويرها بما يساعدها على التحول الى لغة عصرية تستوعب منجزات العلم والتكنولوجيا، وتضيف إليها.

اللغة العربية تنتمي الى ذات الجذر الذي تنمتمي إليه العبرية، لكن المتكلمون بها لم يتعرضوا الى حالة الشتات التي عانى منها العبرانيون، وتمكنوا في مرحلة ما من جعلها لغة الثقافة والعلوم العالمية في القرون التاسع والعاشر والحادي عشر، وترجموا اليها المنجز الفكري العالمي من مختلف اللغات وفي مختلف الفروع، وراكموا تراثا أدبيا وإبداعيا لا يمكن الأستهانة به.

وليس بسبب الشتات كما في الحالة العبرانية، وأنما بسبب التوسع وانصهار جماعات وأثنيات مختلفة في الدولة العربية ـ الأسلامية، تفرعت العربية إلى لهجات مختلفة، دون أن يشكل أيا منها بديلا للغة العربية الأم، أو أن يكتسب سمات تجعله أكثر قابلية منها على أستيعاب ما تعجز اللغة الأم عن استيعابه من منجزات العصر وتطوراته.

وهنا يرز السؤال: إذا كانت اللغة العبرية الأقدم من العربية، والتي تعثرت لقرون عديدة قد تمكنت من حل مشاكلها، ولم تسمح لتلك المشاكل أن تكون عائقا أمام عملية استيعابها للتطور العلمي والتكنولوجي والمساهمة فيه، فلماذا يتم الحكم على العربية بالعجز عن ذلك؟

لذلك لا يمكن النظر إلى استمرار بعض الناطقين بالعربة في التحامل عليها، والأدعاء بعدم قابليتها للتطور والتجدد، أرتباطا بفرية أرتباطها بالمقدس الديني، وتكرار الدعوات إلى أعتماد اللهجات الدارجة المتفرعة منها كلغات قطرية يزعم بقدرتها على التعامل مع التطور العلمي والتكنولوجي، أو أحياء لغات لم يعد لها وجود واندثرت باندثار الحضارات التي سبق وأن قامت في الأقليم الذي تسود فيه العربية حاليا، أو حتى الدعوات الصفيقة الى تبني الأنغليزية، أو الفرنسية، لا يمكن النظر الى ذلك إلا كتعبير عن أحد أمرين:
1 ـ جهل مطبق بكل ما يتعلق بدور الللغة وما يرتبط بها من تراث ثقافي ـ معرفي، وبناء ساكيولوجي. وسبل التعامل معها وخلق فرص تطويرها,
2 ـ ضغينة دينية أو شوفينية، واعية أو غير واعية، تجعل بعض أصحاب تلك الدعوات يعتبرون اللغة العربية لغة عدو ديني وعرقي يتعين التحرر منها.

وأيا كان الدافع وراء الدعوات الصبيانية أو الشيطانية، فانه يتوافق مع رغبات قوى دولية بتعميق التصدعات في بلدان الأقليم وتشظية مجتمعاتها، وإدامة أسباب التنازع والتناحر بين مكوناتها، ولذلك تلقى تلك الدعوات دعما مباشرا وغير مباشر من القوى المذكورة.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت