الحرية مرة أخرى

سعود سالم
2023 / 7 / 28

وجود الإنسان مرتبط إرتباطا أنطولوجيا بالحرية، فالوجود كالحرية ليس صفة تضاف للإنسان من الخارج، وجود الإنسان حرا، هو الحدث الأولي والجذري المؤسس للبشرية عموما. فالإنسان ليس حجرا أوكرسيا أو شجرة، فهذه الأشياء كائنة، ولكنها تفتقر للوجود، حيث تكون في ذاتها منغلقة على كينونتها بدون وعي وبدون منافذ للخروج للعالم وتكوين علاقات معه. فالحجر غير قادر على الفعل، وغير قادر على الإختيار بين أن يبقى حجرا أو يتحول إلى سلاح في يد أطفال الإنتفاضة. الإنسان إذا هو إختيار دائم وتحول وصيرورة مستمرة ولا تنتهي أو تتوقف إلا بالموت. وهذا الإختيار الحر الدائم هو المكون لماهية الإنسان وهويته الحقيقية المتطورة على مدار الزمن.
من المفارقات الغريبة في عالمنا المعاصر، أن يكون الوعي بالحرية وممارستها يزداد ويتعمق في المجتمعات التي تديرها دكتاتوريات متسلطة ودموية. سارتر، فيلسوف الحرية أكد أكثر من مرة بأنه لم يكن حرا في حياته كما كان تحت الإحتلال النازي لفرنسا. فتحت نير القهر والطغيان يتعمق الشعور بالحرية وضرورتها، فالدكتاتورية لا توجد في مجتمع من العبيد. في المجتمعات الدكتاتورية، الإنسان الحر يمارس حريته الضرورية والأكثر إلحاحا، فيقول كلمته أو يناضل بالسلاح، فتمتلئ لذلك السجون والمقابر بالأحرار الذين اختاروا رفض الإنصياع والإستسلام والإنبطاح أمام الطاغية. والطاغية ذاته لا يمكن أن يكون طاغية بدون هؤلاء الرجال والنساء الذين يرفضون سلطته ويبصقون على المال والثروات والإمتيازات والمراتب التي يغريهم بها. ومن ناحية أخرى، فإن أي نظام دكتاتوري لا يستطيع أن يدوم ويمارس سلطانه المطلق على جميع نواحي الحياة الإجتماعية والسياسية والثقافية بدون "العبيد" الذين أختاروا ممارسة حريتهم في مساندة النظام القمعي والإندماج فيه، مكونين بذلك هيكله المادي وسلاحه وقاعدته الأساسية التي يمارس من خلالها قبضته الحديدية على بقية المواطنين. فليس هناك إذا إنسان حر وآخر لا يتمتع بالحرية، الإنسان حر حرية مطلقة، وحتى عندما يقرر التخلي عن حريته، فإن ذلك يعبر عن هذه الحرية ويؤكدها، فنحن محكوم علينا بالحرية. ولكن ماذا نقول في وجود السجون والقمع البوليسي وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والرقابة عن الصحافة والسينما والمسرح والفن عموما، ألا يعني كل ذلك غياب الحرية للذين تمارس ضدهم كل هذه الإختراقات لما يسمى بحقوق الإنسان؟ من المتعارف عليه تسمية كل أنواع القمع التي تمارسها الأنظمة الدكتاتورية والسلطوية الفاشية بسياسة تكبيل الحريات أو منع الحريات الأساسية وتكبيل الأفواه .. إلخ. ولابد للتأكيد هنا على أن كل هذه السياسات القمعية مهما بلغت درجة عنفها وضراوتها، فإنها لايمكن أن تمس جوهر الحرية الإنسانية ولا يمكنها أن تخترق قدس أقداس الضمير الإنساني. إن هذه القوى المادية الخارجية، بأدواتها السلطوية كالبوليس والمباحث والسجون والتعذيب أو التهديد، أو بأدواتها الفكرية أو الدينية لا تستطيع سوى أن تمنع الإنسان الرافض من ممارسة بعض الأعمال التي يراها حيوية بالنسبة لقناعته أو من قول كلمته الضرورية، أي أنها تمنع تمظهر الحرية وتجسدها في الواقع الملموس. فمهما كان القمع والسجن والتعذيب والتهديد، تبقى حريتنا كاملة ومطلقة، ونستطيع في كل لحظة، أمام التهديد بالقتل مثلا أن نختار الحياة ونعلن قبولنا للشروط المطلوبة، كما يمكن أن نواصل الرفض ونختار الموت بدلا من الإذعان. الحرية والإنسان شيء واحد، فهي جوهره ومصدر كونه إنسانا. وحتى لا يساء فهم ما نريد قوله، نؤكد بأننا لا نفصل بين الحرية المطلقة المرتبطة بالوجود الإنساني وبين ممارسة هذه الحرية وتجسيدها في الواقع الإجتماعي، الذي نريد قوله هو أن قمع مظاهر الحرية ومنعها لا يعني بالضرورة إلغاء الحرية كمصدر لهذه المظاهر والتجليات.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت