الهدم الفكري ضرورة للبدء في البناء الجديد

عباس علي العلي
2023 / 7 / 28

عندما يبدأ المجتمع البشري أيا كان توجهه في بناء وجوده الذاتي لا بد في البدء من تحقيق أو تكوين صورة نظرية عما يريده من وجوده، يبدأ هذا التكوين من خلال تأسيس قواعد ثم أطر ثم أعمدة لهذا البناء ليكون قادرا على تحمل مشروع الوجود، المشكلة التي نعاني منها نحن في واقعنا الأجتماعي أن كل شيء متوفر من أسس وأطر وقواعد لكنها متفرقة غير قادرة على أن تتكون معا وتنظم معا لبناء مشروعنا، والسبب أن الدافع الأساسي للبناء غائب والرغبة في تحقيق الهدف مشوشة والنخبة الأخلاقية القيادية غير متمكنة من البدء بالعمل، حالنا تماما مثل شخص أراد بناء بيت وجمع وجهز كل شيء لكن يعوزه البناء القادر على أنجاز المشروع، وهو أيضا عاجز عن فعل أي شيء لعدم ثقته بنفسه أن يختار بناء حقيقي، فبقى عاريا بلا غطاء تحت حر الصيف وبرد الشتاء سنين طويلة حتى أدمن الحالة، ينتظر الفرج من الغيب والغيب خالي من أي فرج متوقع لأنه أصلا لم يأت إلا حينما نتذكره.
في حكم النص التالي نعلم أن الله تعالى قد تبرأ من الذين فرقوا الناس عن دينه، وحولوا قاعدة التوحيد والجمع إلى واقع التفرقة والتحزب ومفارقة الله ودينه، النص يقول (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) والحقيقة أن المتفرقون اليوم يرون في فرقتهم نصرا وفي تشتتهم فرحة، وكأن الله لم ولا ولن يعلم بما يصنعون، الله الذي أراد للناس أن تكون أمة واحدة ليس من خلال الفرض والتقدير ولكن من خلال العقل والإيمان بالوحدة، ليس عاجزا أن يجعلهم كما يشاء ولكن قدم التكريم والتكليف بدل الجبر والإيحاء القسري، المسلمون اليوم خاصة وبعد تجربة أهل الكتاب تحذير الله لهم أن لا يسيروا على ما سار عليه الأولون، لتجدنهم أشد المتدينين على مخالفة أمر الله ومنطق العقل وضرورات البقاء والتوحد على أهداف سامية وشعارات أخلاقية ترفع من قيمتهم الذاتية والوجودية، فالخلل هنا ليس في الدين بل وحسب منطق الآية بالذين فرقوا دينهم، بالذين جعلوا من دين الله سلعة متاجره وسلم للسلطان ومحل للتنعم الذاتي ونسوا يوما لا ينفع نفس إيمانها.
بالرغم من أن المجتمع الإسلامي كما قدمنا في البداية يملك النظرية ويملك المنهج والوسائل والعقل الذي يستوعب كل ذلك مع تجربة فيها الكثير مما يمكن أن يكون مرشدا ودليلا، إلا إنهم في الواقع وضعوا كل ذلك في الأرض وأمام أعينهم دون أن يتمكنوا من الحركة له ومن ثم إعادة البناء الطبيعي والأستغلال الأمثل لمواردهم المعرفية وتجربة خصبة ورعاية سماوية، هكذا يمكن أن نتصور حال المسلمون اليوم بعد أن نجح أولئك القلائل الذي فرقوا المسلمين إلى طوائف وملل وأحزاب وحركات، ونفخوا في بالون الفروقات والأختلافات ووضعوا الكثير من الدس والتحريف والتزييف في جسد المنظومة العقيدية، وطلبوا من الناس أن يقدسوهم لأنهم حافظوا على منهج الشيطان الذي وعد الله أن يقعد لهم في كل مرصد.
المشكلة في نظري المتواضع لا تبدأ من أشكال عقائد الناس العامة ولا مما توارثوا عليه من مرويات وقصص وخرافات وخزعبلات ضمتها ألاف الكتب الصفراء ورددتها ملايين العمائم الجاهلة، بل بما يوجد اليوم من رجال دين وممن يعدون أنفسهم مفكرين وهم يرون الخطل والخطيئة كيف تلف روحها على قلوب وعقول الناس وهم لا يجرؤ على القول بأن هذا ليس دين الله، ما دور العشرات من الآيات والحجج والمشتيخ والدعاة وممن بعتاش على جهل الناس من العامة وحتى الخاصة، وعندما تسأل أحدهم يقول أنهم يخشون أن الناس لا تصدقهم وستثور عليهم مجرد المس بعقائدهم العاطفية، الحقيقة أنهم لا يخشون الناس من هذا وهم المسلحين بالقرآن ومبادئ الدين، بل الخشية كل الخشية من فقدان الأموال والمنافع والمكاسب وحياة الترف التي فيها يتنعمون، أما أمر الله فهم يرددون " أن للبيت ربا يحميه"، هذه هي المشكلة وسرها وسر أمتدادها عبر التاريخ.
إن النخب التي تسمي نفسها دينية وتتصدر المشهد الإيماني بعمائم السوء ومنطق إبليس هم الذين يتحملون كل ما أصاب ويصيب مجتمع الإسلام اليوم، وكل ما يلحق بالمسلمين من إهانات وتخلف وظلم وقهر وأستعباد، أولئك الذين بقولون أنهم حارسوا مملكة الله ودين الله ومبادئ المذاهب هم حراس الفرقة وهم من يترحم على الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، هؤلاء الفرحون بما كسبت أيديهم وأيدي أسلافهم سينالهم غضب من الله وعذاب شديد يوم يسألهم الداع عما يقولون، فلا يجدون جوابا غير "يا ليتني لم أتخذ فلان خليلا"، ولكن هيهات أن ينفع القول وقد حذر الله من الفرقة والتحزب والتشظي في دين الله الواحد، والعجب كل العجب أنهم يتفاخرون أنه من حزب الفلان وذاك مبتهجا أنه من حزب أخر والأثنان يعلمان تماما أن حزب الله هو وحده من يحق له الفخر والفرح، حزب الإسلام والإيمان والتقى والصدق والعدل والعمل الصالح والإحسان هو من له الحق أن يقول أني على ملة إبراهيم، وليس أحزاب الرجال وأحزاب الساعين للسلطة والمال والترف.
على الأحرار من مثقفي ومفكري المسلمين في خطوة أولى نحو رفض التحزب والتفرق والتشتت وطريقا للخلاص من أثار أولئك الذين فرقوا دينهم، أن يخرج هؤلاء من عباءاتهم من عباءة المزيفين من أصحاب الكتب والمذاهب ورجال الأحزاب ودعاة السلطة وأصحاب النزوات الجاهلية، من ظلال وتضليل البخاري والكافي وأشكالهم وأترابهم وتلامذتهم والمتعصبين لهم، العودة إلى مائدة القرآن وفقه السنن وسيرة الأنبياء والرسل وما يريد الله لنا أمرا ثم نصحا ثم رشدا، أن نحرم ما حرم محمد من قبل في كتاب الله ونترك ما حرم الرجال على غيرهم وحللوا لأنفسهم، علينا أن نغادر عقلية أن السابقون من رجال الدين وكهنة المعبد كانوا يملكون عقولا خارقة فاقت في قدرتها عقول الأولين والأخرين، ولا يمكن لأي عقل بعدهم أن يصل لما وصلوا وهم الذين أخترعوا فكرة أن الحوت يأكل القمر...علينا أن لا نعير أهمية لمن أعتمر العمامة وقال أن وكيل الدين ونائب الرسول الأمين ومن سلالة المخلصين الذين جعل الله فينا إرث الأنبياء والمرسلين، وما أنتم أيها الناس إلا تبع لمن أراد الله له أن يتبع، أن نهدم معبد الجهل والخرافة ونقيم مسجد الله الذي يتأسس على التقوى ولا يدعى فيه إلا لله وحده لا شريك له، وكفى الله المؤمنين القتال.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت