الدولة الداعشية و الإسلام الأصولي ( 1 )

آدم الحسن
2023 / 7 / 26

يعتقد بعض واضعي استراتيجيات مكافحة الإرهاب و التطرف الإسلامي أن إقصاء و اجتثاث حركات الإسلام السياسي المعتدلة سيكون عاملا خطيرا في نمو التطرف و الإرهاب , حتى أن البعض منهم وصف حركات الإسلام السياسي المعتدلة بالضد النوعي للإرهاب و التطرف الإسلامي , أي بوسطة الإسلام السياسي المعتدل و من خلاله يمكن القضاء على التطرف الذي يقود للإرهاب .
لتناول الفرق الأساسي بين الإسلام السياسي المعتدل و الإسلام السياسي المتطرف يمكن , على سبيل المثال , اخذ النهج الذي تتبعه حركة طالبان الافغانية بعد استيلائها من جديد على السلطة في افغانستان باعتباره يمثل النهج المعتدل للإسلام السياسي و نقارنه بنهج الدولة الداعشية التي سيطرت منتصف سنة 2016 على اجزاء من شمال و غرب العراق و اتخذت من مدينة الموصل العراقية عاصمة لدولة الخلافة الإسلامية باعتباره يمثل النهج المتطرف للإسلام السياسي بحده الأقصى .
لقد دعت عدد من الدول من ضمنها الصين للتعامل الإيجابي مع حكومة حركة طالبان الأفغانية كي يتم بواسطتها احتواء التطرف الإسلامي المتمثل بتنظيم القاعدة و داعش و التنظيمات الفرعية المرتبطة بهما .
فهل حقا أن النهج الذي تتبعه حركة طلبان يختلف عن النهج الداعشي ...؟
لاشك أن هنالك فروقات بين النهج الذي تتبعه حكومة حركة طلبان و النهج الداعشي لكن هذه الفروقات هي كمية و ليست نوعية و إن هنالك مساحة مشتركة واسعة بين هذين النهجين لأنهما نابعين من مصدر فقهي واحد و احكام شرعية لها نفس الجذور التاريخية , يمكن تلخيص هذه الفروقات بين نهجيهما بما يلي :
اولا : مبدأ تصدير الثورة الإسلامية .
حركة طالبان تعمل على تطبيق نهجها المتطرف ضمن الرقعة الجغرافية لأفغانستان , أما نهج تنظيم القاعدة و داعش فهو نهج اممي لا يتوقف نشاطهما المسلح عند الحدود السياسية للدول .
ثانيا : موضوع الخلافة الإسلامية .
لأن نهج حركة طالبان الأفغانية يخص الأمارة الإسلامية التي شكلتها هذه الحركة ضمن الحدود السياسية لدولة افغانستان فقط و لا تتعداها , لذا اصبحت هذه الأمارة الإسلامية غير خاضعة لأي دولة خلاقة إسلامية يعلنها تنظيم الدولة " داعش " , بالإضافة الى أن حركة طلبان اعلنت بوضوح احترامها للأعراف الدولية و تقر مبدأ عدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول الأخرى و تسعى للحصول على اعتراف الدول الأخرى بإمارتها لغرض حصولها على المقعد المخصص لدولة أفغانستان في الأمم المتحدة .
ثالثا : التدرج في تطبيق الحدود الإسلامية .
تعتمد داعش التطبيق الفوري و الصارم للحدود الإسلامية كقتل المرتد و قطع يد السارق و دفع اهل الكتاب للجزية و تطبيق عقوبة الجلد و الرجم حتى الموت و غيرها , اما في نهج حركة طلبان فهنالك فسحة زمنية بين استلامهم للسلطة و البد في تطبيق هذه الحدود المتشددة , و خلال هذه الفسحة الزمنية يتم التدرج في التشدد لحين وصول العقوبات و الأحكام الى حدها الأقصى .
رابعا : الاختلاف في بعض المعايير التي تستخدم في تحديد من هو المشرك و من هو المرتد , فمثلا داعش تعتبر كل المسلمين الشيعة هم من المرتدين و لا تشملهم التوبة .
و لكي يكون تناول هذا الموضوع اكثر وضوحا لابد من تناول اهم الحدود التي يقرها الإسلام الأصولي و هي كالاتي :
اولا : اعطاء أهل الكتاب اربعة خيارات عليهم اختيار احداها و ليس لهم خيار خامس .
1- دفع الجزية .
2- الدخول في الإسلام .
3- ترك ارض الإسلام دون اخذ اي شيء من ممتلكاتهم .
4- القتل بقطع الرأس .
لقد طبقت داعش هذه الخيارات الأربعة على المسيحيين في المناطق التي سيطرت عليها في العراق , الإسلام الأصولي يعتبر هذه الأحكام الشرعية التي طبقتها داعش هي أحكام مطابقة لما اعتمده المسلمون الأوائل بحق اهل الكتاب في الأراضي التي سيطروا عليها في ذلك الزمان .
ثانيا : ليس للمرتدين سوى القتل و سبي نسائهم و هذا المبدأ طبقته داعش على شيعة العراق بعد أن تم اعتبارهم من المرتدين , تختلف مدارس الإسلام الأصولي على تحديد من هم المرتدين لكنهم لا يختلفون من حيث المبدأ على الحكم المتمثل بقتل المرتدين و سبي نسائهم .
يمتد جذور الفكر الداعشي الى مدارس الإسلام الأصولي التي شكلها فقهاء المسلمين الأوائل اعتمادا على مجريات الأحداث الواردة في بعض كتب التاريخ في حروب الردة و بعدها .
مَنْ يطلع على كيف بطش جيش خالد ابن الوليد بالمسلمين من بني تميم و كيف انه لم يكتفي بقتل زعيمهم مالك ابن نويرة بل قطع رأسه و وضعه في قدر من الماء المغلي لسلقه و يقال لأكله .
قد تكون قصة اكل راس ابن نويرة من قبل خالد ابن الوليد فيها مبالغة و تشويه للحقائق , لكن لا يختلف المؤرخون على ان جيش خالد ابن الوليد قد اباد مالك ابن نويرة و جماعته , إذ إن زعيم المرتدين مالك ابن نويرة قد استسلم و معه عدد من ابناء قومه إلا إن خالد ابن الوليد نفذ حكم الإعدام بمالك ابن نويرة و بغيره من الأسرى وذلك بقطع رؤوسهم تطبيقا للحكم على المرتدين عن الدين الإسلامي , كان يفترض اعتماد المبدأ القرآني " لا اكراه في الدين " لكن الإسلام الاصولي المتطرف يعتبر أن هذه الآية القرآنية قد نسختها آيات السيف .
في حروب الردة و انتصار جيش خالد ابن الوليد على من تم تسميتهم بالمرتدين قد ثبت مبدأ قتل المرتدين عن الإسلام من الذكور و سبي الإناث حيث تم سبي نساء عشيرة مالك ابن نويرة و وزعت السبايا على قادة المسلمين و كانت حصة خالد ابن الوليد زوجة مالك ابن نويرة .
ثالثا : أما المشركين فيتم سبي نسائهم و وضع رجالهم امام خيارين , إما الدخول في الإسلام او القتل , و هذا ما فعله الدواعش بالأيزيديين في مدن و قرى محافظة الموصل العراقية التي خضعت لسيطرتهم .
الحوار الفقهي الذي دار بين كبار فقهاء الدواعش حول الحكم الشرعي الإسلامي بحق الأيزيديين في العراق و الذي نشر في وسائل الدواعش الإعلامية في تلك الفترة لمعرفة هل أن الأيزيديين هم من المشركين ام هم من المرتدين , و كان قرارهم الفقهي هو ان الأيزيديين هم من المشركين لذا كان الحكم بحقهم اقل وحشية و بشاعة و هو سبي النساء الأيزيديات و اعطاء الرجال خيارين , إما الدخول في الإسلام او القتل .
لو أن الدواعش اعتبروا الأيزيديين مرتدين لتم قتل رجالهم و سبيت نسائهم , كما فعلوا للشيعة في تلك المناطق .
رابعا : أمام المسلمين من اهل السنة و الجماعة خياران , إما اعلان التوبة و مبايعة أمير الخلافة الإسلامية أو القتل و هذا ما فعله الدواعش بالمسلمين في المناطق التي سيطروا عليها في العراق .

(( يتبع ))

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت