السلام العالمي لكانط و الرؤية البهائية لمستقبل النظام العالمي - (8-14 )

راندا شوقى الحمامصى
2023 / 7 / 23

يجب أن تكون الإنسانية هى هويتنا الأسمى، والتي في حين أنها تتضمن الآخريات فلها أولوية عليهن. ومع ذلك، فنحن لا نفقد هوياتنا: على الأصح، فإننا نصبح "كأننا" نفس واحدة و"كأننا" قلب واحد، أي متميزون مستقلون ولكننا فى توافق وانسجام بواسطة هوية واحدة عليا. فالوظيفة الرسمية لظهور حضرة بهاءالله هى السماح لهذه الوحدة الجوهرية للبشرية أن تحقق التعبير الظاهر في حياة الأفراد والمجتمعات والعالم بشكل عام. و يجب علينا التوقف عن الإنغماس و الولع بالحواجز الإصطناعية التي من صنع الإنسان، والبحث عن سبل لجعل الإختلافات تعمل معاً، أو، إذا لزم الأمر، أن نتخلص منها تماماً. كما يقول حضرة بهاءالله: "إن ربكم الرحمن يحبّ أن يرى من في الاكوان كنفس واحدة وهيكل واحد." (بهاءالله، منتخبات: 107) ويقول أيضا:
" إذا نظرَ أحدٌ في الكتب المنزلةِ من سماءِ الاحدية بعينِ البصيرةِ وتفكّرَ فيها أدرك أن المقصود هو أن يعتبرَ النفوسُ كلهم نفساً واحدا حتى ينطبعَ في جميعِ القلوبِ نقشُ خاتمِ "المُلكُ لله" وتحيطَ الكلّ شموسُ العنايةِ واشراقاتُ أنجمِ الفضلِ والرحمةِ." (بهاءالله، منتخبات: 122)
و في تفسيرنا لهذه الوصية بإعتبار كل منا للآخر بأنه "نفس واحدة وجسد واحد" يعني أنه يجب علينا أن نعمل معا، فى تعاون، كما يعمل جسم الإنسان و روحه معاً لتوليد كائن حى موحَّد. وبالتالي لا بد من وضع جانبا كل الخلافات العَرَضَية غير الجوهرية التي تعيقنا أن نعمل معا على مشروع مشترك لبناء السلام. (التنوعات التي لا تمنعنا من العمل معا هي مسألة مختلفة.) وبعبارة أخرى، علينا أن نعمل عضوياً [كأعضاء]، بحيث كل جزء بطريقته الخاصة يدعم كل جزء آخر. و بتطبيقها على هذا الكوكب ككل، فهذا يعني أننا يجب أن لا نكون موحدين فيزيائياً فقط أو عن طريق الوسائل المادية ولكن أيضا روحيا، كما في "الدين المشترك الواحد." (SAQ 65)
هذه البيانات من الآثار (الكتابية) البهائية المقدسة تجعل من الواضح أنه يجب أن تتحول وحدة الجنس البشري من شكل المشاعر الجميلة للمناسبات الإحتفالية الى مبدأ متين مطبق عالميا يحمل الأفكار والمشاعر والأفعال سواء في الأفراد و المجموعات. و من أجل أن يكون السلام دائماً بدلا من أن يكون مؤقتاً، يجب أن نتوقف عن التفكير والشعور والتصرف كما لو أن العرق أو الدين أو الجنسية أو الطبقة تشكل إختلافات جوهرية بين البشر بدلا من أن تكون مجرد عرضيات غير جوهرية.
إن مقالة "السلام الدائم Perpetual Peace" لكانط لا تشمل الوحدانية المتأصلة في البشر كجزء من الأسس من أجل سلام دائم. و لم تُذكر لا صراحة ولا ضمناً. و أكثر قرباً وصل إليه بالنسبة لهذه الفكرة هو مفهومه الكوزموبوليتانى "الحق [للمواطن] العالمى cosmopolitan right" (Kant 1983, 118) أو "الضيافة العالمية universal hospitality" (المرجع نفسه). و يدّعي كانط أن "الحق في زيارة و الإرتباط بمجموعة، هو ملك لجميع البشر بحكم ملكيتهم المشتركة لسطح الكرة الأرضية." (المرجع نفسه). ثم يضيف أن "فكرة الحق العالمى the idea of cosmopolitan right" هى جزء من "القانون غير المكتوب للحقوق الوطنية والدولية، و الضروري لحقوق البشر بشكل عام". (المرجع نفسه 119). و بعبارة أخرى، بالنسبة لكانط فإن وحدة الجنس البشري هى أساسا مسألة قانونية تضعها الحكومات والدبلوماسيون، أي بالقوة و السلطة، في تناقض حاد مع مفهوم البهائية من وحدة طبيعية على أساس الطبيعة البشرية و وحدة روحية إستنادا إلى أبوة الله. و المشكلة فى الوحدانية القانونية هي أن القوانين يمكن ألا تطبق عمداً من قِبل الحكام والحكومات. وبالتالي، فإن مثل هذا المفهوم ضعيف، وبالتالي يشكل أساسا رديئاً لسلام دائم. فإنه لا يخدم أغراض كانط كما يجب. و من ناحية أخرى، فإن مفهوم الوحدانية الذى يقوم على الطبيعة البشرية لا يمكن التراجع عنه بسبب العناد المحض أو الفعل السياسي، بل هو حقيقة طبيعة تجريبية و سوف يفرض نفسه على أي محاولة لإنكاره أو قمعه. ولا أن وَضْعنا كإبداعات إلهية يخضع لإرادة الإنسان. و لذلك، فإن مفهوم البهائية لوحدانية الجنس البشري oneness of humankind هو ذو أساس متين أكثر من مفهوم كانط لوحدانية الإنسان human oneness بقدر ما نجده في مقالة "السلام الدائم".
المبدأ الرئيسي الآخر لبناء السلام هو القضاء على التطرف في الغنى والفقر. و يبين حضرة عبد البهاء، "إن المبدأ الرابع أو التعاليم لحضرة بهاءالله هو التعديل والتكافؤ فى المعايير الاقتصادية للبشرية."{ت ت} (PUP,107) أما مقالة "السلام الدائم" لكانط لا تقول شيئاً حول هذا الموضوع الحيوي أو حتى حول الإصلاح الاقتصادي بصفة عامة كجزء ضروري لبناء سلام دائم. و لهذا السبب وحده، فإنه ليس له ما يبرره الإعتقاد بأن مقترحاته كافية لإقامة سلام دائم. لأن "سوء توزيع الثروة" يقوّض حتما على الصعيدين المحلي والدولي الإستقرار والوحدة (COL 25) وخاصة في عصر فيه الإتصالات العولمية تجعل من المستحيل إخفاء الفوارق الهائلة في الثروات. و هذا يمهد الطريق للحرب.
"هذا التعديل فى الاقتصاد الإجتماعي له أعظم أهمية، بقدر ما يضمن الإستقرار في العالم الإنساني، وإلى أن يتم ذلك، فإن السعادة والرخاء مستحيلة" {ت ت} (عبد البهاء، PUP 181).
فعندما، على سبيل المثال، يستهلك جزء صغير من سكان العالم نصف أو أكثر من موارد العالم، فإنه سيكون من الحماقة أن نتوقع تحقيق سلام دائم. إن المعاناة الهائلة و ما يترتب على ذلك من غضب و الذي يسببه مثل هذا التفاوت الفادح يقوّض السلام بطريقتين. الأولى، فإنه يزعزع إستقرار الدول داخليا، حيث أن المجموعات المختلفة تتزاحم على ما تبقى من ثروة صغيرة و / أو أن تنفجر الثورات العنيفة؛ والثانية، أنه يزعزع إستقرار العلاقات الدولية لأن الصراعات الداخلية تؤثر على الدول المحيطة، والإنتهازية السياسية تؤدي إلى تفاقم المشكلة من خلال التدخل الأجنبي. و حتى لمحة خاطفة على تاريخ القرن العشرين تُظهر كيف أن كل من هذه السيناريوهات يمكن أن تتكشف و تؤدى الى عدم الإتزان فى أجزاء كبيرة من العالم.
و بينما تعترف الآثار (الكتابية) البهائية المقدسة أن الإختلافات الإقتصادية والإجتماعية المعقولة تستند إلى الإختلافات الطبيعية من قدرة ومزاج، فإنها أيضا تُعلّم أن هذه الإختلافات لا تبرر التفاوت المفرط فى الدخل. حضرة شوقي أفندي يلخص موقف البهائية قائلا: "إن التفاوت الفاحش بين الغنى والفقر .... يجب أن يُلغى." (DG 20). فالتعاطف مع من هم أقل حظا هو أحد الأسباب لإلغاء هذا التفاوت: "سبحان الله كيف يطمئنّ الإنسان ويستريح في قصره العالي وهو يرى جموعاً من بني جنسه يتضوّرون جوعاً وهم عراة في غاية من البؤس والشّقاء وفي شدّة الاحتياج، أو كيف يسرّ ويهنأ بثروته؟ (عبدالبهاء، من مفاوضات عبدالبهاء: 76). ومع ذلك، يعطي حضرة عبد البهاء سبباً آخر:
"لكل إنسان الحق في العيش؛ و له الحق فى الراحة، و قدر معين من الرفاه. و كما أن الإنسان الغني قادراً على العيش في قصره محاطا بالترف وأكبر قدر من الراحة، كذلك ينبغي أن يكون الإنسان الفقير قادراً على الحصول على ضرورات الحياة. لا أحد يجب أن يموت من الجوع، وينبغي أن يكون للجميع الملابس الكافية، و لا ينبغي لأحد أن يعيش في فائض بينما آخر لا وسيلة له ممكنة لوجوده." {ت ت} (عبد البهاء، محادثات باريس، PT 131–132)
من المهم أن نلاحظ لغة "الحقوق" المستخدمة من قِبل حضرة عبد البهاء. هذه اللغة تعني أن الناس لديهم حق المطالبة الفطرية الغير قابلة للنقض ل "ضروريات الحياة" الأساسية فقط بحكم كونهم بشراً. و على العكس، فهذا يعني أن المجتمع لديه على الأقل بعض الإلتزام بتوفيره للناس الفرصة لتحقيق متطلباتهم الأساسية. (على وجه التحديد كيف ينبغي القيام بهذا، هو بالطبع موضوع نقاش مكثف و لا يمكن مناقشته هنا.). و يصف حضرة عبد البهاء التفاوت الشديد فى الثروة باسم "عين (منتهى) الإعتساف the height of iniquity"، ويضيف "ولا شكّ أنّ الإنسان المنصف لا يقبله، " (المفاوضات: 76). و ضمناً، لا يمكن لمجتمع عادل أن يقبله أيضاً. فأهمية هذه المشكلة تأكدت من إصرار حضرة عبد البهاء على العدالة الإقتصادية للعمال. و من أجل "وضع نظم وقوانين تعدّل الثّروة المفرطة لتلك الأنفس المعدودة، وتكون سبباً في سدّ الحاجة للملايين العديدة من جمهور الفقراء حتّى يحصل قليل من الاعتدال، ..." (المرجع نفسه)
" فالواجب إذاً أن توضع أنظمة وقوانين يحصل العمّال بمقتضاها على أجورهم اليوميّة من صاحب المصنع ويشتركون معه في الرّبع أو الخمس من أرباحه حسبما تسمح به ظروف المصنع، أو أن يشترك العمّال مع صاحب المصنع في الأرباح الحاصلة بطريقة معتدلة بأن يكون رأس المال والإدارة من جانب صاحب المصنع، والعمل من جانب العمّال وبعبارة أخرى إمّا أن يحصل العمّال على أجرتهم اليوميّة على قدر ما يكفي للمعيشة المعتدلة ويكون لهم حقّ الاستفادة من دخل المصنع على قدر الكفاية في حال العجز أو الضّعف،..." (عبدالبهاء، من مفاوضات عبدالبهاء: 76)
و لمواجهة هذه المظالم، فإن حضرة عبد البهاء يرسي مبدأ الأجور وتقاسم الأرباح كوسيلة لمنع حدوث تركيز غير مبرر ومفرط للثروة مما يؤدي إلى تفاقم التوترات والأعمال العدائية داخل البلدان وفيما بينها. و أنه يُعلّم أيضا فى إعادة التوزيع العادل للثروة يجب أن يتضمن مرحلة الشيخوخة وكذلك ما نحن ندعوه اليوم "ضريبة الدخل التصاعدية progressive income tax": "فرض الضرائب سوف يكون متناسباُ مع القدرات والإنتاج وسوف لن يكون هناك فقراء في المجتمع" (FWU 37)
و في هذه المرحلة، من المهم جدا أن يصدر التحذير بأن الآثار (الكتابية) البهائية المقدسة لا يجب أن تُربط مع الشيوعية فيما يخص توزيع الدخل. حضرة عبد البهاء يجعل من الواضح أن:
"ولكنّ المساواة التّامّة أيضاً غير ممكنة لأنّ المساواة التّامة في الثّروّة والعزّة والتّجارة والصّناعة والزّراعة تؤدّي إلى اختلال المعيشة واضطرابها وفسادها وحرمان العموم،" (عبد البهاء، المفاوضات: 76)
و التاريخ المؤسف للشيوعية في أوروبا الشرقية وروسيا يثبت حقيقة تحذيرات حضرة عبد البهاء في هذا الشأن. وبالتالي، فإن الآثار (الكتابية) البهائية المقدسة تقبل بعض الإختلافات في الثروة وكأنها أمر طبيعي، ولكنها لا تقبل أن تسمح لهذه الإختلافات بتدهور ظروف العمل و الإفقار الإقتصادى لأجزاء كبيرة من البشر. علاوة على ذلك، شهد القرن العشرين كيف أن سوء توزيع الثروة الإجمالي المزعزع للإستقرار يمكن أن يكون. على سبيل المثال، على الرغم من أنها تحولت في نهاية المطاف إلى شيء آخر، كانت الثورة الروسية عام 1917 كرد فعل ضد التركيزات المفرطة للثروة و لاحقاً تدهورت ظروف العمل و حدث الإفقار الإقتصادى لكثير من البشر. وشُعِرَ بآثارها المزعزعة للإستقرار في كل مكان لبقية القرن. إنه ببساطة غير واقعي أن نتوقع سلاماً دائماً داخل أو بين الدول دون علاج حاسم لهذا الظلم الكامن الذي يشوه ويدمر حياة عدد لا يحصى من البشر.
بالإضافة إلى الإصلاحات القانونية، فالآثار (الكتابية) البهائية المقدسة بالإضافة إلى تقديم تبرعات و هبات طوعية فإنها تقدم أيضا وسيلة أخرى لتحقيق التعديل المناسب للثروة: و هو قانون حقوق الله. فهذا القانون - والذي لديه العديد من الأحكام التفصيلية - يوفر وسيلة لحساب دفع قيمة من نسبة مئوية للزيادة في ثروة الفرد، فوق ما هو مطلوب كحاجة أساسية، إلى صندوق خاص في بيت العدل الأعظم للخدمات الإنسانية. و الغاية الأساسية من حقوق الله هى "القضاء على التطرف في الغنى والفقر، و توزيعاً أكثر إنصافا للموارد." (عبد البهاء PUP 102) وبعبارة أخرى، فطاعة هذا القانون هو أحد السبل التي بها الجميع تقريبا يمكنهم أن يساهموا في إرساء أسس السلام العالمى. إن قانون حقوق الله يعزز النضج الروحي اللازم لجعل الناس يقبلون طواعية بالإعتدال فى الثروة، وهو السلوك الجديد الذي هو في حد ذاته جزء ضروري من الأسس الاقتصادية للسلام الدائم. فما لم يتطور الناس للعثور على الرضا و الغاية في أمور أخرى غير تراكم الثروة، فإن القدرة التنافسية الغريزية للنشاطات المادية و الإقتصادية، سوف تستمر فى زعزعة إستقرار المشهد داخل الدولة و بين الدول.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت