حول الجمهور الديني

صوت الانتفاضة
2023 / 7 / 22

منذ أكثر من عشرين عاما والعراق غاطس في الدين، بات الدين هو الموضة السائدة عند هذا المجتمع، قد يكون أحد اهم أسباب ذلك هو شكل السلطة التي نصبتها الولايات المتحدة الامريكية، بصفتها قوة احتلال، سلطة دينية-طائفية، اخذت على عاتقها سن دستور وقوانين وتشريعات دينية خالصة، وهذه السلطة استمدت قوتها وشرعيتها وديمومتها من المؤسسة الدينية بكل الوانها، وهذه المؤسسة من جهتها لم تسمح ان ينفرط عقدها مع من تنصبهم في السلطة، لهذا امتزج الديني بالسياسي.

هذا الواقع الديني افرز جمهور غير متسامح وعنيف تجاه قضايا تمس دينه او رجال دينه، فتحول كل شيء الى "مقدس" لا يمكن المساس به، وخارج دائرة النقد او التساؤل، لا يسمح مطلقا وتحت اية ذريعة وحجة ان يتناول أحد رموزه الدينية "كتب، اشخاص، طقوس، اماكن "اضرحة"، هذا الجمهور، المروض والمربى دينيا تحول تدريجيا الى سلطة قمعية، بل انه صار أكثر تطرفا من السلطة الدينية ذاتها.

عاما بعد عام تتصاعد أكثر فعالية هذا الجمهور، رجال الدين من جهتهم اتقنوا اللعبة جيدا، عرفوا مسالكها وخطوطها، فخطابهم صار أكثر ديماغوجية "تملق، مراوغة، مناشدة للعواطف، أثارة القضايا الدينية والطائفية بين الحين والآخر"، اصبحت استراتيجيتهم إبقاء هذا الجمهور على هذا الوضع، والبحث الدائم في كيفية المحافظة عليه وديمومته، لهذا فأن أية قضية دينية، حتى لو كانت مغمورة يقومون بتفعيلها واعطائها زخما أكبر، بتصدرهم المشهد "المنبري"، وقد تكون الحملات التي قادها رجال دين ضد الفنانين "محمد رمضان، سعد المجرد" الأكثر وضوحا.

في هذه المرحلة تم انتاج جمهور ديني خالص، يعنى فقط بالقضايا الدينية، التي تستمر بها السلطة السياسية، فتغيب عنه حقوقه كانسان، رجل الدين يأمر هذا الجمهور بالخروج على مطرب، لكنه لا يأمره مطلقا بالتظاهر على حقوقه المعاشية وواقع حياته البائسة، لأنه يدرك جيدا انه جزء أساس من خراب هذا الواقع، بل انه ينهر هذا الجمهور إذا ما فكر افراده بالاحتجاج على الواقع، مستخدما أسلوبا دينيا "هذه قسمة الله"، او طائفيا "تريدوهم ياخذوها منا"، وهذا الخطاب لدى رجال الدين هو السائد، ولازال يؤتي ثماره.

قضية "حرق القرأن" مثلا نستطيع بها تلمس واقع هذا الجمهور، فأغلب من خرج هم من الطبقات الأكثر فقرا وبؤسا، من أماكن لا يمكن العيش بها ابدا، أصرت السلطة –بشكل مدروس ومسبق- على ابقاءها بهذا الشكل، تنتشر فيها نسب بطالة مخيفة، هذا الجمهور هو المادة الأساسية للسلطة الدينية، تشتغل على ترويضه وتربيته أربع وعشرين ساعة في اليوم، فإذا ما سألت أحد افراد ذلك الجمهور البائس: هل حياتك المعاشية وواقعك أهم ام رموزك الدينية؟ حتما سيكون الجواب: "كلشي ولا رموزي الدينية".

غياب قوى علمانية ويسارية حقيقية هو أحد أسباب انتشار واستمرار الواقع الديني، وحتى ان وجدت فبشكل جد ضعيف وهزيل، فهي لم تستطع تربية جيل تواجه به المد الديني، بل انها لم تقدر على ابراز رموز لها، بمقابل الرموز الدينية، والسبب في ذلك انها لم تحقق حزبها السياسي، القادر على مواجهة الأحزاب الدينية، والنتيجة استمرار رجل الدين بالتحكم بمصير المجتمع، اي مزيدا من الفقر والبؤس.
طارق فتحي

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت