عقيدة العصمة بين النص والأفتراض ج1

عباس علي العلي
2023 / 7 / 22

بسم الله الرحمن الرحيم
" وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا" فاطر 35.
وقال الله تعالى
" يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ" المائدة 67.
وبه نستعين...
وأصل العصمة في موضوع اللغة "المنع" يقال عصمتُ فلاناً من السوء إذا منعت من حلوله به، غير أن المتكلمين أجروا هذه اللّفظة على من امتنع باختياره عند اللّطف الذي يفعله الله تعالى به عنده من فعل القبيح، فقد منعه من القبيح، فأجروا عليه لفظة المانع قهراً، وقسراً.
العصمة في اللغة هي بمعنى الحفظ والوقاية وفي المصطلح العقائدي وعند علماء الكلام هي ملكة اجتناب المعاصي والخطأ، وهي من المفاهيم التي يظن الكثير منا أنها من المصطلحات القرآنية، حيث أنها وردت لفظة العصمة ومشتقاتها في القرآن الكريم في ثلاثة عشر موضعا فسرت جميعا وأولت إلى ما أفضى إليه المفهوم اليوم من أنها ملكة تكوينية للنبي والمعصوم من الله أن لا يكون خاطئا ولا مذنبا لسبب متصل في عملية في التبليغ أو علة صحة في الإبلاغ.
ويعتقد جميع المسلمين وربما غالبهم بعصمة الأنبياء جميعا، بمعنى أن الله حفظ أنبيائه ورسله من الوقوع في الذنوب والمعاصي، وارتكاب المنكرات والمحرمات، لكن العصمة لدی المسلمين الشيعة لها مفهوم اعم واشمل، وهي من أهم الأمور في العقائد الدينية عندهم، حيث انهم لا يعتقدون بعصمة الانبياء فحسب بل يعتقدون بعصمة الأئمة الإثني عشر أيضا بناء على أنهم خلفاء المعصوم، فهم معصومون من جميع المعاصي، صغيرها وكبيرها، من حين الولادة حتى الوفاة، فلا تصدر منهم المعصية حتى سهوا ونسيانا.
العصمة لغة
العصمة في اللغة هي المنع والوقاية، قال في القاموس (اعصم، يعصم: اكتسب ومنع، ووقى... والعصمة بالكسر المنع) .
وجاء في كتاب العين (أن يعصمك الله من الشر، أي: يدفع عنك. واعتصمت بالله، أي: امتنعت به من الشر. واستعصمت، أي: أبيت. وأعصمت، أي: لجأت إلى شيء اعتصمت به) .
وفي لسان العرب: (العصمة في كلام العرب: المنع. وعصمة الله عبده: أن يعصمه مما يوبقه. عصمه يعصمه عصماً: منعه ووقاه، وفي التنزيل: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، أي: لا معصوم إلا المرحوم) .
وردت لفظة العصمة في القرآن الكريم - بجميع مشتقاتها المختلفة - ثلاثة عشرة مرّة مرتين في النص رقم 7، وهي على الترتيب:.
1. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿١٠١ آل عمران﴾.
2. وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿١٠٣ آل عمران﴾.
3. إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَـٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿١٤٦ النساء﴾.
4. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ﴿١٧٥ النساء﴾.
5. يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴿٦٧ المائدة﴾.
6. وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ۖ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا ۚ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢٧ يونس﴾.
7. قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ﴿٤٣ هود﴾.
8. قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ ﴿٣٢ يوسف﴾
9. ... النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ ... ﴿٧٨ الحج﴾.
10. قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴿١٧ الأحزاب﴾.
11. يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ۗ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴿٣٣ غافر﴾.
12. ... إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۚ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا ... ﴿١٠ الممتحنة﴾.
من جميع ما ورد في النصوص نجد ما يلي فيما يخص مفهوم العصمة كمفهوم مجرد النقاط التالية:.
• أولا العصمة دعوة عامة للناس أن تعتصم "بالله، بحبل الله بأمر الله بما يعني أن العصمة ممكنة لو طبق الإنسان دعوة الله له بشكل كامل، ومن ملاحظة النصوص وبالأخص النص السابع المتعلق بأبن نوح ينفي الله عن أي كائن وجودي أن يعصم أحد دونه أو دون أمره.
• لم يرد في أي نص من النصوص أن الله يعصم أحدا دون إرادته، أي لم يجعل الله نفسه عاصما جبريا لأحد لا لقريب ولا لبعيد سوى كتاب الله وامره فإنهما محفوظان لا تبديل ولا تغيير فيهما لأي حال ولأي سبب، فمعصوميتهما أساسا من معصومية الله أن يغير من أمره بعد أن أقره وأنزله.
• "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" أي أن النفس محكومة بما جعل الله فيها من قدرة وإتساع لأمره وتكوينه وتكليفه، وعندما يجعل الله النفس مأموره بما إلهمت فهو بذلك يضع أختبار المعصومية به أو بأمره موضع الفعل والقوة، ولا عاصم سواها.
• لا نجد من النصوص ما يشير إلى معصومية الأنبياء أو نبي محدد أو حالة إلا ما ورد في النص 5 الذي خص الرسول بمعصوميته هو من الناس وليس من النفس أو سلوكها، وبالتالي فالمعصومية هنا تأكيدا لمنع الناس من أن يلحقوا بالرسول من أذى، وغالب من قالوا بمعصومية الرسول أستندوا لهذه الآية دون النظر عميقا في قصديتها ودلالاتها الخاصة، فهي حالية ظرفية في الدلالة وليس موضوعية في الإشارة الخاصة بمفهوم التحصن الذاتي من الذنب والخطيئة وما فوقهما.
وهنا نجد في القرآن الكريم أن مفهوم العصمة بنفس معناه اللغوي المتقدم فعلى سبيل المثال: حينما يدعو اللّه سبحانه الناس إلى الإيمان يأمرهم بالاعتصام بحبل اللّه، فيقول سبحانه (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) ، وفي موقف النبي يوسف وامتناعه عن الاستجابة والامتثال لدعوة امرأة العزيز ومراودتها إيّاه يقول تعالى (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ)، فقد استعملت لفظة العصمة في الآية الأُولى في الإمساك والتحفّظ، وفي الثانية في المنع والامتناع، وكلاهما يرجعان إلى معنى واحد.

حوار مع الكاتب الفلسطيني نهاد ابو غوش حول تداعايات العمليات العسكرية الاسرائيلية في غزة وموقف اليسار، اجر
حوار مع الكاتب الفلسطيني ناجح شاهين حول ارهاب الدولة الاسرائيلية والاوضاع في غزة قبل وبعد 7 اكتوبر، اجرت