سعد الجادر: المناضل الذي هزم اليأس

حميد الكفائي
2023 / 7 / 18

كلما نظرت إلى سعد الجادر، رأيت بطلا هصورا، شاهرا سلاحه بوجه أعداء الحياة والسعادة، مصمما على الانتصار، غيرَ آبهٍ بالموت أو الألم. انتصر في معاركه المتواصلة مع الأمراض التي داهمته من كل حدب وصوب، وكأنه الحي الوحيد على وجه الكرة الأرضية. تكالبت عليه العلل، فواجهها ببسالة المقاتل وعزيمة المناضل وطرحها أرضا.

وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني أليستر بيرت، سعد الجادر وحميد الكفائي أثناء حضور محاضرة للوزير البريطاني عام 2019

أجرى سعد ما يقارب الأربعين عملية جراحية خلال 30 عاما، وتحمل من الآلام والأذى ما لم يستطعه أيٌّ من بني البشر. لكنه واجهها بصمود قل نظيره وصبر لم يألفه بنو البشر. لم يتململ يوما من سوء طالعه، ولم يتبرم من أسى البلوى، بل واجه الحياة بعزيمة المناضل وقوة المتفائل ويقين الواثق من النصر.

عندما التقيت بسعد أول مرة، في بيت الراحلة لمياء الكيلاني، كان رجلا نشيطا يسير بقامة مستقيمة ورأس مرفوع، رغم أنه كان قد أجرى نصف عملياته الجراحية الأربعين. وبمرور الأيام صرت أراه وقد حمل معه عكازا قصيرا. كنت أحدث نفسي عن سبب حمله هذا العكاز، لأنه لم يحتَجْه وقلما استخدمه. لكن العكاز القصير تحول إلى طويل، يتأبطه عندما يترجل عن سيارته، ثم إلى عكازيْن تحت الأبطين، لكنه رغم ذلك ظل نشيطا وباسما ومتفائلا وسعيدا، يقود سيارته بنفسه ويزور أصدقاءه في منازلهم، أو يدعوهم إلى مطعمه المفضل، Fora، الذي سكن قربه ثلاثين عاما.

عاش سعد أعوامه العشرين الأخيرة بلا كليتين، مستعيضا عنهما بعملية تنقية الدم المتواصلة، وبلا مثانة، إذ استبدلها بأخرى صناعية، تتغير دوريا. وكان يزور المستشفى يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، لإجراء عملية تنقية الدم، (دايالاسيس)، ولأن العملية تستغرق بضع ساعات، فإنه يستغل فترة وجوده في المستشفى للقراءة والتراسل مع أصدقائه.

كنا نتواصل بشكل يومي عبر الإيميل والواتساب والهاتف، وكنا نلتقي على الأقل مرة أو مرتين في الشهر. حرص سعد في السنوات الخمس أو الست الأخيرة أن أكون معه عند حضوره اللقاءات العامة، سواءٌ في مؤسسة تشاتام هاوس العريقة، التي كان عضوا فيها، أو في اللقاءات الأخرى، إذ كان عضوا في جمعيات عديدة تنظم لقاءات دورية.

وكنت فعلا أسعد بلقائه، فقد كان أنيس المعشر صادق المشاعر، وطالما خرجنا أنا وإياه منفرديْن إلى المطاعم، الشعبية منها والراقية، لنجلس ونتسامر ونتبادل الأخبار والحَكايا. وفي أحيان كثيرة كان يود أن يصطحب معه صديقيه المقربين، الفنانين سعدي الحديثي وضياء العزاوي، وكنا نحن الأربعة نلتقي بشكل دوري، ورابطنا العضوي هو سعد.

كان واضحا في السنوات الأخيرة أن جسم سعد قد تعب كثيرا ولم يعد يتحمل طموحات سعد في ممارسة نشاطاته المعتادة، والتواصل مع الأصدقاء والاستمتاع بالحياة، وكنت كلما رأيته يصارع المصاعب، سواءٌ في السير مستعينا بعكازين، أو في قيادة السيارة، أو صعود السلالم، تمثلتُ قولَ المتنبي:

إذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادِها الأجسام

كانت نفس سعد كبيرة، وكبيرة جدا، وطموحاته رفيعة وأحلامه عريضة وإرادته صُلبة، لم تُعِقها عقباتٌ كالأمراض التي تكالبت عليه. ورغم أنه رجل أعمال ناجح ومتشعب التوجهات، فإن انشغالاتِه التجاريةَ لم تلْهِه عن هواياته الفنية والموسيقية، فقد كان مطربا مُجيدا وعازفا حاذقا، ومدير علاقات ماهرا، إذ أقام علاقاتٍ وصداقاتٍ وطيدةً مع معظمِ فنّاني عصره، من فريد الأطرش إلى صباح فخري وكاظم الساهر وسعدون جابر وعارف محسن، وارتبط بعلاقة وثيقة مع الشاعر مظفر النواب.

لقد رعى سعد كل من احتاج إلى رعاية من الفنانين، وكان منزله في (سان جونز وود) شمالي لندن، ملتقىً للفنانين والشعراء. وفي التسعينيات، عندما اشتد الحصار على العراق، افتتح سعد مقرا له في عمان، استضاف فيه العديد من الفنانين والأدباء، وقدم لهم ما يستطيعه من مساعدات مادية ومعنوية.

كانت مشاعره الإنسانية لا تحدها حدود، وقد بذل كل ما في وسعه لمساعدة كل من مر بطريقه، غير مكترث للفوارق التي يراها البعض بين بني البشر. لكن قلبه ونفسه ومشاعره ظلت عربية عراقية جياشة.

وعندما رأى معاناة أطفال العراق أثناء الحصار الدولي في التسعينيات، لم يستطع أن يبقى متفرجا، فقرر أن يقوم بعمل فردي لتوريد حليب الأطفال، مستحصلا الموافقات المطلوبة من الأمم المتحدة، كي يوصله إلى بغداد، وعندما لم تتمكن الحكومة من دفع المبلغ (سبعة ملايين دولار) بسبب العقوبات الدولية، قام سعد بدفع المبلغ من ماله الخاص، على أمل أن تعيده له الحكومة لاحقا عندما تتوفر لديها الأموال، لكنها لم تفعل، متذرعة بذرائع شتى.

ولم يكن النظام الجديد أكثر انصافا من سلفه، بل سار على النهج نفسه، ورفض تسديد المبلغ، رغم أنه زهيد بالنسبة للحكومة، لكنه باهظ جدا بالنسبة لفرد دفعته إنسانيته ووطنيته لمساعدة أبناء بلده في وقت الضيق، دون أن يطمع بمنافع مادية.

ألّمَّ بسعد التهاب خطير في الدم في العام الماضي، وكاد الالتهاب أن يقتله، لكنه نجا منه بأعجوبة، بفضل العناية الطبية الممتازة. غير أن المرض أضعفه كثيرا، فلم يستعِد عافيته كليا، وكان ذلك واضحا على تحركاته. لكن روح سعد الكبيرة ومشاعره الجياشة وطموحاته العريضة في الاستمتاع بالحياة لم تتغير. لقد ظل مصِرَّا على مواصلة نشاطاته والتواصل المباشر مع أصدقائه.

في أحد اللقاءات الأخيرة، قبل ثلاثة أشهر، وكان يومها عيد ميلادي، قال لي سعد كلاما آلمني. “أتمنى أن أحتفل معك في عيد ميلادك المقبل”! لأول مرة أرى اليأس يتسلل إلى قلعة سعد الحصينة. أحسست بأنه شعر بقرب أجله، وأنه لا يتوقع أن يبقى معنا طويلا. تمنيت ألا تتحقق هواجسه، لكنه كان عارفا بنفسه، ومدركا أن الحياة مهما طالت فإنها آيلةٌ إلى النهاية.

أحببتُ في سعد تفاؤلَه المتواصل، وحبَّه للحياة والناس، وولعه بالفن والموسيقى، واستعداده للمضي إلى أبعدِ حدٍ لمساعدة الآخرين، وشغفه بلقاء أصدقائه والذهاب إلى أبعد نقط للالتقاء بهم، رغم صعوبة التنقلات في أوقات الزحام. أتذكر أنه أخبرني مازحا ذات مرة، أن أحد أصدقائه، “يعاقبه” بدعوته إلى تناول الفطور في منزله البعيد، فيضطر لأن يعبر لندن من شمالها إلى جنوبها وسط الزحام الصباحي كي يصل إليه. لذلك صرت أشعر بحرج في الآونة الأخيرة أن أدعوه إلى بيتي أو إلى مطعم لأنني أرى العناء الذي يقاسيه في المجيء والعودة.

قبل عامين كنت قد دعوته مع أصدقاء، إلى لقاء في بيتي. وفي صباح ذلك اليوم اتصل بي سعد وقال لي إنه اليوم يجري عملية جراحية في المستشفى. تمنيت له السلامة والشفاء وأسِفتُ أنه لن يكون معنا، وقلت له “إننا جميعا سنفتقدك مساء اليوم”. فأسرع قائلا “سأكون معكم يا صديقي. كيف أفوِّت فرصةً رائعةً كهذه؟”! فقلت “وكيف تكون معنا وأنت تجري عملية جراحية في المستشفى هذا الصباح”؟ قال سأخرج من المستشفى بعد انتهاء العملية بعد الظهر وأتوجه إلى منزلك. وفعلا جاءنا سعد من المستشفى بسيارته، بل ومر بصديق آخر وجلبه معه، ثم أعاده إلى بيته لاحقا.

شخصيا لم ألتقِ في حياتي بشخص بهذا المستوى الرفيع من الإنسانية والكرم والأريحية والتسامح والسمو والصبر والثبات والصدق، ولا أعتقد بأن هناك كثيرين يحملون صفاته وشمائله.

كنت أقلق على صحته كثيرا ولا أدعُ بضعة أيام تمر دون أن أتصل به مستفسرا عن صحته وأحواله ومستطلعا أخباره. صباح هذا اليوم، 17 تموز 2023، اتصلت بسعد كعادتي، مستفسرا عن أحواله وصحته، فأجابني (للأسف أنا في الإنعاش في المستشفى)! قلت له (قلبي معك) وتمنيت له الشفاء العاجل فرد قائلا “أنت دائما متفضل”. سألته إن كان هناك أي أمر جديد، أم أنه في المستشفى لإجراء تنقية الدم (دايالاسيس)؟ انتظرتُ، ولا جوابَ من سعد. وبعد ثلاث ساعات رن جرس هاتفي، وجاءني الخبر الصادم. إن سعد قد فارق الحياة!

إنه ليومٌ حزين وزمن حزين أن يموتَ من أحبَّ الحياة وناضل عقودا كي يبقى نابضاً بها. سأفتقد سعد كثيرا، فقد كان جزءا أصيلا من حياتي. سأبقى أحتفي بذكراه، واحتفل بحياته المليئة بالإنجازات والمسرّات، وأتذكر الأوقات الجميلة التي عشناها معا. لقد أعطى للحياة أجمل ما عنده وأقصى ما يمكنه، وعاش سعيدا رغم الصعاب ومتفائلا رغم الآلام.

ألقى سعد اليوم سلاحه الأخير، فالمعركة لابد أن تنتهي، وكلنا سنغادر هذه الحياة، وسعيد من بلغ قمة سعد السامقة. سوف يرقد بسلام في أرض لندن التي اختارها منذ ستين عاما، وسوف تبقى مآثره شاخصة، وتظل ذكراه عطرةً وفوّاحةً بالحب والأريحية والسمو.



حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت