غرامُ آينور هانم: ملامحٌ حزينة للحكاية

دلور ميقري
2023 / 7 / 17

1
في صباح يوم الإثنين، اتسعت ابتسامةُ دارين حينَ بوغتَ بمرأى الزميلة الأرمنية في سيارة آينور هانم. قال لهذه الأخيرة، عقبَ ابتعادهم عن المكان: " ألا تخشين على حياتك، وأنتِ التركية، من سكّين إنتقام هذه الأرمنية؟ "
" عليكَ أخذ حذرك أيضاً، أيها الكرديّ! "، علّقت آينور هانم ضاحكةً. شاءَ عند ذلك أن يُفنّد لمزها، بالتذكير أنّ إبادة الأرمن كانت فعلاً منهجياً من قبل حكومة الإتحاد والترقّي، العثمانية، وأنّ الكرد كانوا مجرّدَ رعايا للدولة. وإلا فلِمَ رفضت جميع الحكومات التركية، منذ قيام الجمهورية، فتحَ أرشيف الموت، العثمانيّ؟
" لكنك لو قلتَ ذلك، قد تُثير حنقَ آينور هانم؛ وهيَ مَن توحي لك، منذ أشهر، برغبتها في أن تكونَ حبيبها أو ربما عشيقها "، خاطبَ دارين نفسه. ما أراحه، أنّ كريستينا الأرمنية لم يصدر عنها سوى ضحكة مُقتضبة، تعليقاً على كلامه. كانت إمرأة لطيفة، بالرغم من حدّة قسماتها، مُعتدلة القامة مع امتلاءٍ بسيط. وكان شَعرها، المصبوغ بلونٍ أرجوانيّ، يُناسب بشرتها الناصعة. وربما ناهزت الثلاثين؛ أيّ أنها بعُمر زميلتها التركية. منذ طلاقها، تقيمُ هيَ وابنها الصغير لدى والدتها في البناء المُجاور لذلك البناء، أين توجد شقّة دارين. هذا الأخير، كانَ مُعجباً بموهبة زميلته؛ وبغض الطرف عن ضيقه بالأسلوب الكلاسيكيّ. مُذ وقوع عينه عليها اليوم في سيارة آينور هانم، كانَ قد فكّرَ في شيءٍ من الحيرة: " متى توصلتا إلى عقدِ صداقةٍ بينهما؟ أم أنّ الأمرَ مُجرد مصادفة؟ ". بيد أنه حينَ نزلَ من السيارة لدى وصولها إلى باحة القصر، كانَ قد أدركَ سلفاً أنهما صديقتان على شيءٍ من الحميمية والتفاهم.
بدَوره، غدا دارين صديقاً مُقرّباً لكريستينا الأرمنية. لقد عُدّ بمثابة " الديك " في تلك الصُحبة، الثلاثية، ودأبَ منذ ذلك الصباح على التنقل معهما بالسيارة فضلاً عن تناول الغداء معاً. كونه أيضاً الذكرَ الوحيد في الفصل، كانَ محط أنظار بقية الزميلات. طبعُه المرح، وقدرتُه على إبتكار المواقف الطريفة، كانا أصلاً من أسباب توثّق صلته بكريستينا الفنلندية وصولاً لاتخاذه عشيقاً. وكما يقولُ أحد الكتّاب: " إنّ إضحاك المرأة أمرٌ خطير؛ وإنّ النساء يرفعنَ من شأن الضحك حتى يكاد يُعادل لديهن الشعورَ بالحب ".
وكانَ دارين مع بداية الدراسة، قد أدهشَ الزميلةَ الأرمنية بنطقه جُملة كاملة باللغة الفارسية: " أيْ خودا مُخالف جه كار ميكونم ". كانت جملةً تتسمُ بالطرافة، تجري على لسان العامّة في إيران تعبيراً عن العجز عن مُجادلة المسلم السنيّ ( المُخالف ). الجملة، وبالتالي خلفيتها، أستمدّها دارين من صديقه حَمي وليسَ من صديقته الإيرانية القديمة.
هكذا صارت كريستينا الأرمنية تكلمه ببعض الفارسية، لو شاءت إضفاء الخصوصية على موضوعٍ مُعيّن دونَ مُشاركة بقية زميلات الفصل. لمَحض المُصادفة، أنّ الأجانب الثلاثة في الفصل جلسوا على نسقٍ واحد. كانت الأرمنية، مذ بداية الدراسة، تتعاملُ مع الكرديّ الجالس بلصقها كما لو أنه على شيءٍ من السذاجة؛ وربما الغباء أيضاً: إنها نظرةٌ دونية لأبناء جلدته، مصدرُها عموماً الفرسُ لا بني قومها. من ناحيته، تعمّدَ دارين في ذلك الوقت ترسيخَ هكذا نظرة لديها، وذلك من قبيل التفكّه.
ذات مرّة، علّقت معلّمةُ الرسم على اسكتش إحدى الزميلات، المُصوّر امرأةً عارية لكنها مُكتسية بجواربٍ صارخة اللون. عندئذٍ، سألت الأرمنية زميلها بالسويدية: " دارين، هل تعرف ما هيَ الجوارب النسائية؟ ". فبقيَ يحدّقُ فيها مُتقمّصاً نظرة الأبله، ثم أجابَ: " لا، لكنني أعرفُ سروالكِ الداخليّ! ". فانفجرنَ جميعاً بالضحك، فيما الأرمنية دمدمت من بين أسنانها: " أيها العربيدُ الملعون ".
إلا أنّ كريستينا، في ذلك الصباح، كانت قد تخلّت مُسبقاً عن تلك النظرة الدونية. في المُقابل، أصرّت آينور هانم على التمسّك بشيمة بني جلدتها، التي تنظرُ بريبةٍ وحذر للكرديّ غير المُتمثّل. وها همُ الأصدقاءُ الثلاثة، ذات يوم، يقررون تناولَ الغداء في المطعم اليونانيّ، الذي قلنا أنه انتقلَ لملكية لبنانيين سريان. ذلك كانَ إقتراحَ دارين، كون مُعلّمة التاريخ إعتذرت عن الحضور للدرس لسببٍ من الأسباب. وكانَ ذلك الدرس يعقبُ مباشرةً ساعةَ الغداء.
في سياق الدردشة، المُرافقة لتناولهم الطعام، تحدثوا عن ملابسات العلاقة الزوجية وكيفَ أنّ المللَ قد يؤدي إلى إنهائها. عند ذلك، ذكرَ دارين على سبيل المزاح قولاً سمعه من الشاعر شيركو بيكس ( وكانَ قد تعرّفَ عليه مذ أن أقام بدمشق )؛ بأنّ المرأة تغدو كما لو أنها شقيقة الرجل بعد خمسة أعوام من زواجهما. فنبرت آينور هانم، تسأله وقد اتّسعت عيناها: " أهوَ كرديّ، ذلك الشاعر؟ "
" أجل، وأنا عرّفته بهذه الصفة "، ردّ دارين بشيءٍ من الإنزعاج. لقد أدرك معنى سؤالها، المُحيل إلى تلك النظرة الدونية، المَوْصوفة آنفاً.
وفي إحدى المرات، شاءت كريستينا أن يتناولوا الغداءَ في مطعمٍ، يمتلكه زوج شقيقتها الكبيرة. المطعمُ، كانَ يقع في شارع " ستور غاتان "؛ ثمة، أين أقامَ دارين في عامٍ سابق بذلك الكُريدور، الكائن في نهاية الشارع. بالرغم من الإسم الإيطاليّ للمطعم ( كونه لا يُقدّم سوى وجبات البيتزا )، فإنّ ديكوراته واكسسواراته تمتّ إلى عالم الكاوبوي، المُنقرض. رحّبَ بهما صهرُ كريستينا، وكانَ رجلاً في مستهل العقد الرابع، متينَ البنية ومُتجهّمَ الأسارير. عندما تركهم كي يوصي شغيله بالطلبات الجديدة، قال دارين لكريستينا بصوتٍ منخفض: " أول مرة أرى أرمنياً ذا بشرةٍ سمراء "
" والدته كذلك، وهي من أسرة آشورية مستوطنة في لينينغراد "
" هوَ إذاً من أرمن الإتحاد السوفييتي؟ "
" نعم، وقد تعرفت عليه شقيقتي في خلال فترة دراستها في يريفان ".
جلس الصهرُ لبعض الوقت إلى طاولتهم، وفي الأثناء تبادلَ معه دارين بضعَ عباراتٍ باللغة الروسية، التي تعلم القليل منها، وذلك في فترة دراسته بموسكو، وكانت قد انقطعت بعد عام واحد حَسْب. إلا أنّ الجو تلبدَ بعض الشيء، عندما علّقَ دارين على خارطةٍ تمثلُ أرمينيا الكبرى. كانت الخارطة تنثرُ رموزاً تاريخية وأثرية، وقد شملت زهاءَ نصفِ ولاياتِ كردستان تركيا. لما ذكرَ دارين هذه الحقيقة، فإنّ الصهر رد ببعض الحدّة المُتماهية بالتهكّم: " بالطبع ستصبحُ ولاياتٍ كردية، عقبَ إبادة الأرمن "
" هذا القولُ يُمكن أن ينطبقَ على اليهود، الذين صاروا أغلبية في فلسطين نتيجة هجرتهم إليها ومن ثم تهجير مواطنيها العرب "
" لا أعرفُ عما تتحدث، وما لو كان له صلة بموضوعنا "، قاطعه الرجلُ. ثم ما لبثَ أن استأذن في الذهاب لاستقبال أحد الزبائن. بعيدَ ذهابه، تبادلت رفيقتا دارين ابتسامةً مُغرضة.
كانَ الصهرُ ما زال مُتأثّراً بذلك الجدل العابر، لما تعهّدَ ذات مرّةٍ أخذ دارين إلى المعهد بسيارته. إذاك، علمَ من آينور هانم أن سيارتها مُتعطّلة بسبب البطارية أو شيئاً من هذا القبيل. في مستهل الطريق، طفق السائقُ محتفظاً بالصمت. إلا أنه ما لبث أن أخذ يتكلم بالأرمنية مع شقيقة امرأته، وكانت جالسة بقربه. هذه الأخيرة، التفتت من ثم إلى الخلف، لتقول: " أنتما مدعوان للغداء في بيتي، يوم الأحد القادم ".

2
لبى دارين دعوة كريستينا، وهنالك في بيتها تعرّفَ على والدتها. كانت الأم على شيءٍ وافر من النشاط، بالرغم من إقترابها من سنّ الثمانين. وبوفرة من الحرارة أيضاً، المُتماهية بحزن شفيف، رحّبت بضيفها الكرديّ. ثم ما عتمَ أن خرجت إمرأة أخرى من المطبخ، فأتت كي تحييه: " إسمي جانيت، الشقيقة الصغرى لكريستينا! "، قالتها بدعابة. لكنها، على أية حال، كانَ واضحاً أنها تصغر رَجُلها ببضعة أعوام. كانت على شبهٍ لافتٍ بشقيقتها الوحيدة؛ إلا أنها أطول قامة وأكثر نحفاً. أردفت جانيت، غامزةً بعينها بطريقةٍ مُواربة: " الآنَ أدركتُ حقاً، لِمَ كانت شقيقتي مُعتادةً على التحدّث عنك "
" بالطبع، طالما أنّ الفنانينَ طائفةٌ محدودة من البشر! "، علّقت كريستينا ضاحكةً وقد أحمرّ وجهها. ثم أردفت، متوجّهة للضيف: " على فكرة، شقيقتي أيضاً فنانة، تعزف على البيانو بمهارة ". وفي الأثناء، كانَ الصهرُ في المطبخ يعدّ الفطائرَ الأرمنية الشهية؛ وكانت آينور هانم ثمة كي تقدّم خبرتها. لما دخلَ دارين المطبخَ، مدفوعاً بالفضول، انتبه إلى أنّ كلاهما كانَ يتكلّمان عن قرب وبصوتٍ منخفض. شعرَ بشيءٍ من الضيق، بالرغم من أستبعاده أن تكونَ إمرأة في مستواها على علاقةٍ سرية بهكذا رجل لا بدّ وسيُذكّرها بزوجها؛ صاحب المطعم.
في مساء ذلك اليوم، أتى حَمي إلى الشقّة، وكانا عادةً يتصارحان في أمور القلب. هذا الأخير، علّقَ على ما سمعه بالقول: " إنها إمرأةٌ شبقة، محرومةٌ من الإتصال الجسديّ المُنتظم بسبب وجود زوجها في مدينة أخرى "
" لا أرغبُ بإعادة خطيئتي، الأولى. وأعني، علاقتي بتلك الكردية اللبنانية. بالأخص لأن زوجَ آينور هانم يُقدّرني ويحترمني، وكذلك أخوته "
" أأنتَ أبلهٌ أم غبيّ؟ "، هتفَ حَمي. ثم تقمّصَ لهجة الناصح: " إذا لم تتخذها عشيقةً، فإنها سرعانَ ما سترتمي في أحضان الأرمنيّ؛ هذا، لو لم تكن قد فعلت ذلك سلفاً "
" لا، لا أعتقدُ ذلك "، ردّ دارين بنبرة إنكار. ثم ما لبثَ أن شرحَ وجهة نظره، بشأن نوعيّة المرأة المَعنيّة. عقّبَ الضيفُ، بتأكيده أن المرأة هيَ المرأة؛ مهما يكن مستواها الثقافيّ والإجتماعيّ. لكنّ تلك الشكوكَ، ما أسرعَ أن أوقظت، وذلكَ على أثر واقعةٍ على شيءٍ من الغرابة.
في نهار يوم الأحد الموالي، كانَ يُراجعُ مسودّةَ مجموعته الشعرية الجديدة، لما ظهرت شقيقة كريستينا عند باب الشقّة: " أعذرني، لأنني أتطفّلُ دونَ موعدٍ سابق. كنتُ خارجة من عند والدتي، فقررتُ أن أمرّ عليك "، قالتها ببساطة ثم مرقت إلى الداخل. بنطالُ الجينز، الذي أرتدته، أظهرَ هزالَ مؤخرتها وساقيها. وهذا، مثلما سبقَ وعلمنا، هوَ نوعٌ من النساء، يتجنّبه دارين في الفراش!
ألقت جانيت نظرةً مليّة على اللوحة الكبيرة، المُعلّقة على الجدار: " في الحقيقة، أنا جئتُ كي أرى رسومك ". قبل أن يدعوها للجلوس على الأريكة، عادت للتساؤل هذه المرّة باهتمامٍ مُتكلّفٍ: " أفي وسعك أن تشرحَ لي قليلاً، ما تعنيه هذه اللوحة؟ "
" إنها تُمثّل حكايةَ عشقٍ كردية، أشبه بالأسطورة؛ تُدعى: سيامند وخجي "
" آه، إنها أسطورة أرمنية أيضاً! "، قاطعته بنبرة مُبتهجة أكثر منها مُعترضة. ثم استدركت، لتوضّح: " خاجي، وهوَ اسمُ بطلة الحكاية، لها نفسُ معنى اسم كريستينا؛ أي الصليبية "
" شكراً لهذه المعلومة، لأنني سابقاً كنتُ أظن أنّ ذلكَ الاسمَ كانَ مُجرّدُ تخفيفٍ كرديّ لاسم خديجة؛ وهيَ زوجة الرسول محمد ووالده أبنائه "، قالَ ذلك ثم أعلمها بانّ اسم " خاجي " له نفس المعنى بالكردية. ولم تجلس الضيفة إلا بعدما أومأت هذه المرة إلى الفترينا، لتقول: " من ملاحظتي للعديد من الكرد، وبينهم ولا شك أصدقاء، أنكم بعيدون عن تعاليم الدين الإسلامي فيما يخصّ الخمرة وغير ذلك من المُحرّمات ". في الصوّان الأسفل من الفترينا، أين إتجهت نظرتها، كانَ ثمة دنّ بلوريّ قد أُترِعَ بالويسكي؛ وكانَ دارين يُفرغ فيه زجاجةً جديدة كل مرة.
رداً على ملاحظتها، ذكرَ دارين مثلاً تركياً، يُشنّعُ على ملّته من هذا الجانب: " الكرديّ مُسلمٌ، فقط بالمقارنة مع الكافر! ". شاعَ جوُ المرح في الحجرة على الأثر، قبلَ أن تقول الضيفة وهيَ تتنهد: " جدّتي لأمي، كانت ما فتأت على قيد الحياة حينَ قررنا الهربَ من إيران بعيد الثورة. أذكرُ أنها قصّت علينا ذاتَ مرةٍ، كيفَ نجت وأسرتها من الموت المُحقق بفضل شهامة الكرد. كذلك سمعتُ مثل هذا القول، من أرمنٍ مُسنّين سواءً في إيران أو الإتحاد السوفييتي "
" قبل تنصّر الأرمن، كانوا والكرد شعباً واحداً تقريباً. لدرجة أنّ أحد أهم المؤرخين الأرمن، سافرستيان، ألّفَ كتاباً بعنوان ‘ التاريخ الكردي الأرمني ‘؛ وقد رأيتُ الكتابَ بطبعةٍ روسية، ثمة في موسكو "
" مؤسفٌ أنك لم تُكمل دراستك هناك، مثلما علمتُ من كريستينا "، قالتها ثم أستدركت: " وعلى أية حال، لم تكن الشهادة الروسية ستنفعك، هنا في السويد ". لم يُعقّب دارين عندئذٍ سوى بهز رأسه. كانَ إعجابُهُ يزداد بحديث هذه المرأة، المُتّسم بالهدوء والحنان، والمُنساب من شفتيها الرقيقتين. لكنها فاجأته، بطلب قدح من الويسكي. قال لها، وهوَ ينهضُ نحوَ الفترينا: " على فكرة، لديّ زجاجة فودكا في الثلاجة "
" لا، أرغبُ بقدح صغير من الويسكي "
" قلتُ ذلك، لأنني أعرفُ أن النساءَ نادراً ما يتعاطينَ الويسكي "، قالها فيما يناولها القدحَ. راحت تتجرّعُ الشرابَ الناريّ على مهل، فيما عيناها السوداوتان تتنقلان على موجودات الحجرة. ما عتمَ أن أشارت إلى الأريكة، المفتوحة كسرير: " يبدو أنك أفقتَ هذا الصباح، مُتأخّراً؟ "
" بلى، إنه يوم الأحد "، أجابَ بشيءٍ من البرود. ذلك أنه عدّ إشارتها، كما لو أنها تمهيدٌ لجرّه إلى الفراش. فيما أنه كانَ يحرص على ألا يتورّط معها؛ إن كانَ لجهة حرصه على علاقته بآينور هانم، أو لجهة نفوره من ذوات الأجسام الضامرة. لكنها عقّبت بالقول: " سمعتُ أنك في كلّ يوم سبت تُدرّس الأطفالَ الكرد، ثمة في نادي جاليتكم؟ "
" ليسَ أطفالَ الكرد، تحديداً. فلو شئتِ، في الوسع أن تحضر طفلتكِ الدرسَ "، قال ذلك وكانَ قد علمَ مُسبقاً أن ابنتها الصغيرة تبلغُ سنّ السابعة. هزّت رأسَها فيما تداعبُ القدحَ بأصابع يديها، ثم تنهدّت مُجدداً: " لا أظنّ أن رَجُلي سيقبلُ ذلك، مع أنه لا يرى مانعاً من مُعاشرة إمرأة كردية أو حتى تركية! ".

3
" أأنتِ تقصدين...؟ "، تساءل دارين ثم لم يُكمل الجملة. بدأ قلبه يخفقُ بقوّة، وبألم. لو أنّ حَمي ـ الأخبث من ثعلبٍ عجوز ـ قد رأى حالته هذه، لقال مع ابتسامةٍ ماكرة: " إنك وقعتَ في غرام آينور هانم، عوضاً عن جرّها إلى فراشكَ! ". لكنّ دارين شاءَ الآنَ أن يبقى لوحده مع هواجسه، وتمنّى لو أنّ الضيفة تذهب بسرعة. لعل جانيت فهمت معاناته، كأيّ إمرأةٍ تحدُسُ حقيقةَ مشاعر الجنس الآخر. إنها لم تزِد عن إشاحة وجهها، رداً على تساؤله. أخيراً، عقبَ لحظاتٍ متوترة من الصمت، وضعت قدحَها الفارغ على الطاولة العريضة: " أشكرك ". ثم تمتمت، وهيَ تنهضُ لتتجه نحوَ الباب: " سندعوك في المرّة القادمة إلى الغداء، لدينا في المنزل ". ثم أشرقت سحنتها اللطيفة عند باب الشقّة، المُوارب: " سأسمعكَ عندئذٍ مقطوعاتٍ على البيانو، سواءً من تأليفي أو من المختارات العالمية ". طفقَ ذاهلاً، وبالكاد تمكّنَ من نطق التحيّة.
على عكس غالبية البشر، المُستأنسين بالصُحبة حينَ تهاجمهم الوساوسُ والأوهام، كانت شيمةُ دارين. بيدَ أنه كانَ ينتظرُ بلهفةٍ حضورَ صديقه حَمي، المُعتاد أن يزوره في أيام الآحاد: لقد أثبت هذا أنه أبعدُ منه نظراً، وذلك حينَ حذّره بأن آينور هانم، كونها إمرأة تعاني من الحرمان، فإنها قد ترتبط بعلاقة مع ذلك الأرمنيّ. زوجة هذا الأخير، لعلها أكّدت تلك الفرضية، بالرغم من أنّ جملتها كانت عامّة وغامضة.
" إنكَ تُلقي اللومَ على المرأة، مُتجاهلاُ مسئوليتك لو أنها أرتمت في أحضان ذلك الرجل أو غيره. لقد استسهلتَ العلاقات العابرة، وبعضها مع فتياتٍ كنّ بسنّ إبنتك لو أنك تزوجتَ مُبكراً. ما الضير في أن ترتبط هيَ بصاحب المطعم، لو صحّ ذلك؟ ألم ترتبط أنتَ بإمرأةٍ معدومة الثقافة، كنجوى؟ "، خاطبَ دارين داخله وهوَ يغلي من الغيرة والغيظ.
حَمي، من ناحيته، كانَ قد أرتبط مؤخراً بعلاقةٍ مع إمرأة متزوّجة. كانت شابّة ثلاثينية من إحدى بلدات موطنه الأول، شوّهَ قليلاً جمالَها إنجابُها لخمسة أطفال. رَجُلها، كان شخصاً شرساً، معروفاً في النادي بتعدد معاركه لأيّ سبب. وكانَ يغارُ بشدّة على إمرأته، كونه يكبرها بلا أقل من عقدين. كانَ أصلعَ، مُترهّلَ الجسم، تنطق عيناهُ بالمكر. وكانت إمرأته تدرسُ مع آينور هانم في كورس الترجمة، وأكثر من مرّة ركبت معها في سيارتها في الطريق إلى المدينة. لحظ دارين مدى شبق وتهتّك تلك المرأة، وذلك من طريقة تعاملها مع الشبّان في المعهد. لقد جرّبت إغواءَهُ أيضاً، ويتذكّر كيفَ ركبت إلى جانبه ذات مرّةٍ في سيارة تلك الزميلة التركية. فمنذ ولوجها السيارة، تعمّدت كشفَ ما بين فخذيها، وكانت مرتدية تنورةً قصيرة. ومن ثم راحت بشكلٍ مُنتظم، كحركة عقرب الساعة، تضربُ ركبته بركبتها طوال الطريق. وكانَ من الصعب عندئذٍ أن يتفادى ذلك، كونه حُشرَ عند النافذة وهيَ جالسة في الوسط. آينور هانم، انتبهت لحركات تلك المرأة اللعوب، فعلّقت على ذلك فيما بعد مُقهقهةً: " كدتُ أنفجرُ بالضحك حينئذٍ، وأنا أراك تحاولُ تجنّبَ الإحتكاك بها ". تعليقها تأخّرَ، ولا غرو، لحين أن غدت بدَورها كالأخرى، لناحية الشبق والتهتّك.
حَمي، لم يكن أقلّ مكراً وخبثاً من رَجُل خليلته؛ هكذا فكّرَ دارين. ثم تابعَ مونولوجه الداخليّ: " لعله هوَ من أوصلَ إلى الرجل، عن طريقِ أقاويلٍ على عدّة ألسنة، ما يُفيد بأنّ إمرأته تعشقني أنا؛ بل وربما ما هوَ أبعد من ذلك ". إذ استغربَ دارين ذات يوم من طريقة كلام الرجل معه، ثمة في النادي، المُتمادية في اللؤم والإستفزاز. كذلك، حضرَ الرجلُ أكثر من مرّة إلى المعهد كي يتأكّد بنفسه من أنّ إمرأته ليست مُتغيّبة مع عشيقها، المُفترض. وقد واجه دارين صديقَهُ بشكوكه، فيما بعد، قائلاً: " إنك جعلتني بمثابة الدريئة، كي تحمي نفسك من زوج خليلتك. فإنه بمُجرّدَ أن أدركَ براءتي، توهّمَ أن إمرأته كذلك بريئة ". وكانَ جوابُ حَمي، أن أطلق ضحكةً مكتومة: " الآنَ في وسعي أن أهنئكَ على موهبتك الأدبية، لأنكَ تملكُ بالفعل فراسةً دستويفسكية! ".
وجاء المتطفّلُ أخيراً على وقت الغداء، ولاحَ أنه ثملَ سلفاً من عبق الطعام، المنتشر في الردهة. قال للمُضيف، مومئاً بعينيه إلى ناحية المطبخ: " كأني بمائدتك اليومَ، وعلى غير العادة، تحتفي بالديك الروميّ؟ ". بدَوره، أومأ دارين موافقاً: " لقد أقتربَ الكريسماس، والمخازنُ فاضت بالديوك الرومية المسلوخة "
" لكننا بعدُ من الكريسماس، تقريباً، على مسافة شهر ونصف الشهر؟ "
" ربما يُباع إحتياطاً، لأجل الحفظ في الثلاجة "
" على علمك، وأنت المهتم بالعهود الخوالي، ما هوَ رمز الديك الرومي في المسيحية؟ "
" على مرجوح التأويل، أنه إحتفاءٌ بأحد حواريي المسيح وكانَ من أصلٍ كرديّ! "، ردّ دارين برصانة. لقد كانَ يعرفُ أنّ الضيفَ، مثل مواطنيه، يجلّ هذا الطائرَ المُدجّن حدّ التقديس. وبطبيعة الحال، كانَ مكانه في المعدة وليسَ في المعبد ـ كحال طاووس الإيزيدية. بعد نحو خمسة عشرة عاماً، وصلت هذه النكتة إلى سمع دارين: " عقبَ انتخاب جلال الطالباني رئيساً للعراق، فالديوك الرومية، المذعورة، قدّمت بشكلٍ جماعيّ طلبَ اللجوء في أوروبا! ".
ما عتمَ أن وُضِعَت الأشلاءُ الذهبية للديك الروميّ في الطبقين، وقد رُصّعت بقلائد الخضار والأرز المُفضّض. كانَ دارين، عادةً، يتشددُ في موضوع الجلوس إلى مائدة المطبخ. إلا في حالة الشرب مساءً، المُترافق مع المازة، فإنّ طاولة الصالون العريضة تكونُ البديلَ. غبّ هجوم الضيف على الديك المسكين، بدأ دارين يقصّ تفاصيلَ زيارة تلك المرأة الأرمنية. كانَ حَمي في أسعد حالاته وهوَ يستمعُ للتفاصيل، كونها فتحت شهيته. لكنّ الواقعة عندما انتهت دونَ مُواقعة في الفراش ـ كما كانَ مُتَوقِّعاً ـ فإنّ الضيفَ لم يتمكّن من التعبير عن مبلغ استيائه بسبب الطعام َالمَحشو في فمه. إلا أنّ المُضيفَ، ولسببٍ ما، لم يبُح لصديقه ما فاهت به تلك المرأة في شأنّ شكوكها بزوجها. لقد خشيَ أن ينشرَ الخبرَ في النادي، وذلك لمزيدٍ من التمويه على علاقته الآثمة بمواطنته. غبّ انصراف الضيف، ظلّ دارين في دوامة الهواجس. لم تُرِحه الخمرة، ففكّرَ عندئذٍ وقد تداعت لخياله صوَر فتياتٍ عرفهن: " ألهذا السبب، لجأنَ إلى المخدرات؟ ". في اليوم التالي، ودونما حاجةٍ إلى المشروبات الروحية أو للبودرة القاتلة الروح، سلى كل تلك الهواجس.

4
تم إبلاغ الطلبة، مُسبقاً، عن رحلةٍ مدرسية إلى أحد القصور الملكية في ستوكهولم. بما أنّ الرحلة مُشتركة بين المعاهد، المُحتلّة جانباً من قصر " فيك "، فإنّ دارين أمِلَ بصُحبة صديقتيه؛ وأنهم سيقضون يوماً جميلاً في المدينة القديمة ( غاملا ستان ) بالعاصمة. كانَ يعشقُ المدينة القديمة، التي تعطي الزائرَ إنطباعاً أنه يتجوّلُ في إحدى مدن الحوض الغربيّ للمتوسّط. لم يكن غريباً، إذاً، أن تُدعى ستوكهولم " بندقية الشمال ".
فيما استخدم غالبيةُ الطلبة، الحافلة كبيرة، إنطلاقاً من المعهد، فإنّ الأصدقاء الثلاثة مضوا رأساً إلى العاصمة بالسيارة. وبالطبع، قادتها صاحبتها، آينور هانم. كانَ الجوّ بارداً، ولا غرو، في ذلك اليوم من أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر. إلا أنّ الثلجَ، بقيَ مُتشبّثاً بالغيوم الرمادية، وكذلك الشمس؛ وإن يكن لكلّ منهما سبَبُهُ الخاص. كانَ دارين، عادةً، على شيءٍ من التوتر لو ركبَ السيارة في مشوارٍ طويل نسبياً؛ بحيث أنه يُراقب الطريقَ طوال الوقت. إلا مع زميلته التركية، فإنه يغدو مطمئناً في خلال الطريق، وربما أغمضَ عينيه أيضاً واستسلمَ لأفكاره. هذه الأخيرة، كشيمتها غالباً، ملأت الطريقَ بالطُرف والمِلَح والضحك.
" كأنما تنقصنا رؤيةُ المزيد من القصور، نحنُ من نداوم يومياً في أحدها! "، كذلك قال دارين لآينور هانم. كانا عندئذٍ في قصر " غوستاف الثالث "، العائد لأواخر القرن الثامن عشر، وقد افترقا مذ بعض الوقت عن بقية أفراد الرحلة. حتى كريستينا، غابت فجأة عن الأنظار عندما كانوا في إحدى الصالات الكبيرة، المُتزاحم على جدرانها لوحاتٌ عملاقة تمثّلُ بعض شخصيات ذلك العهد، فيما السقف بحدّ ذاته لوحة فنية هائلة ومتعددة المواضيع.
" لو زرتَ قصريّ دولما بهشة ويلدز في اسطنبول، فإنّ ما تراه الآنَ ليغدو في عينيك كأنه لعبة ‘ لوغو ‘ أطفال "، قالتها آينور هانم. وأضافت، كأنما قد خططت لرحلةٍ مشتركة، مُعدّة سلفاً: " وسنأخذك أيضاً إلى أماكن لا تقل روعة، ولن تضطر عندئذٍ للنزول في فندق؛ كوننا نمتلك شقّة في أرقى أحياء اسطنبول "
" أنا بودّي، قبل كل شيء، أن أتعرّف على مسقط رأس أسلافي؛ ثمة في ريف ماردين "، علّق على كلامها. ثم أستدركَ بسرعة حينَ لحظ عبوسها: " أشكركِ على الدعوة، وبالطبع سأكونُ بغاية السعادة لو تحققت ". إذاك كانا يمران من أمام فتريناتٍ زجاجية، ذاخرة بالتحف والأواني، المشغولة من الذهب والفضة والنحاس والبرونز والكريستال والعاج. مُتهرّباً من الصمت ومن نظرات رفيقته، اللجوجة المُلحّة، سألها مُجدداً عن كريستينا وأينَ من الممكن أن تكون.
" ليأخذها الشيطانُ! هل سنشغل أنفسنا بها، ونسلو أنفسنا؟ "، قالت آينور هانم وهيَ تنفخُ بغيظ. لم تشأ، هيَ الأخرى، أن تنشغلَ عن رفيق الرحلة. فما عتمَ أن طرحت أيّ شيءٍ جانباً، لتتنكّب ساعدَهُ فيما خطواتهما تتنقلان من قاعةٍ لأخرى. ثمة عند مدخل القصر، قالت له بنبرة دعابة: " أأنتَ بخيلٌ، دارين؟ "
" لا عدوّ لي في الدنيا أكثر من البخل، سوى الأتراك! "، أجابَ ضاحكاً. هزّت رأسَها مع ضحكةٍ فاترة: " لا أستبعدُ ذلك "، قالتها ثم عادت إلى موضوع سؤالها: " ديلان امتدحتك، كطباخٍ ماهر. أهذا صحيحٌ؟ ". كادَ لسانه يفلت، فيستفهم بدَوره من أينَ استقت قريبتها تلكَ المعلومة، عندما قال في نفسه: " ابنتها داريا، هيَ مصدرُ المعلومة ولا شك ".
خاطبها عندئذٍ، وليسَ بقليلٍ من الحَرَج: " كانَ بودّي دعوتكِ إلى الغداء في شقتي، ولكن لنؤجل ذلك إلى يوم آخر ". تفاقمَ غيظها على الأثر، لما ذكرَ دارين أنه سيبقى في ستوكهولم لبعض الوقت عند أصدقاء. قالت له، وقد لاحت بغاية الإنزعاج: " تلكَ أختفت، وأنتَ تمضي إلى جماعتك. أتَدَعاني أعودُ إلى أوبسالا لوحدي، كأنني السائقُ الخاص لديكما؟ "
" إنه صديقٌ، طلبَ مني أمس هاتفياً أن أمرّ عليه حينَ علمَ أنني سأزور سنوكهولم ضمنَ رحلةٍ مدرسية "، قال ذلك مُبرراً ذهابه. ثم أضافَ: " وعلى فكرة، فإنّ ذلك الصديق كان مع إمرأته، ذاتَ مرّةٍ، ثمة بمنزل ديلان؟ ". لما ضيّقت آينور هانم عينيها في حركةٍ مُتسائلة، ذكرَ لها دارين اسمَ كاتبٍ كرديّ معروف. هتفت عند ذلك في مَرَحٍ، وقد تغيّرت ملامحها على حين غرّة: " آه، أنتَ تعني زوج صديقتي شيلان ". ثم عرضت عليه ببساطة مرافقته: " سنذهبُ إليهم عقبَ تناولنا الغداء في أحد المطاعم، لأنني لم يتسنّ لي زيارتهم مذ بداية الفصل الدراسيّ "
" أترغبينَ، حقاً، بالمجيء معي؟ "
" يا له من سؤال "
" أليسَ من مشكلةٍ لكِ، أن يروننا معاً في ستوكهولم؟ "
" سأقول لهم أنني كنتُ معكَ في رحلةٍ مدرسية، وليسَ في موعدٍ غراميّ! "، ردّت ضاحكةً. ثم قرصته بوجنته، المُلتهبة خجلاً، في حركةٍ مُعتذرة أكثر منها مُعابثة. بقيَ عابساً، كونها لم تفهم حقيقة خجله: لقد كانَ يتصوّرُ، مُقدّماً، ردّةَ فعل ذينك الزوجين عند ظهوره أمام باب شقتهما مع آينور هانم. ذلك الكاتب، ويُدعى " دوغان "، كانَ المسئول الثقافي لصحيفة كردية أسبوعية تتبع التنظيم السياسي ذاته، الذي ينشط فيه خلّو وأخوته.
إنّ الكاتبَ وإمرأته، يعيشان في حيّ غير بعيد عن مركز المدينة، وكانت شقتهما تشعّ بالأناقة والنظافة وحُسن الذوق. لقد سبقَ لدارين أن كان ثمة أكثر من مرة، وقد أسبغا عليه في أثناء ذلك مزيداً مما في طبيعتهما، الثريّة بالمحبة والتفهّم والكرم. ، كانَ الرجلُ، المُقترب من الحلقة الرابعة، بشوشاً ولطيفاً بالرغم من ملامحه، الحادّة نوعاً ما. وكانَ فارعَ القوام، متينَ البنيان، لا تشوبُ هيئته شائبة؛ بما في ذلك صلعته، النامية ببطء. كانَ يتألقُ غالباً بطقمٍ مُريح، كمواطنيه الريفيين، الميسورين الحال. قرينته، كانت إمرأة فاتنة بحق، قد ناهزت منتصف العقد الثاني من عُمرها. لم تُنجب أطفالاً؛ مع أنّ هذه هيَ زيجتها الثانية. ولكن، لما يمضِ على ارتباطهما أكثر من عامٍ واحد. على أية حال، كانا يعطيان إنطباعاً للآخرين بحياةٍ في غاية الإنسجام والسعادة. هذا لو غضضنا الطرفَ عن ملاحظةٍ لدارين، تَمُتّ لزيارةٍ سابقة، عن نفور شيلان من الحماة حتى إذا تعلّق الأمرُ بمكالمةٍ هاتفية.
وكما كانَ المُتوقّع، دُهشَ الزوجان لمرأى الضيفين عند باب الشقّة. كررت آينور هانم مُبرر وجودهما في ستوكهولم، وبالطبع مع حذف تلك النكتة عن الموعد الغراميّ. لقد دُعيا حالاً إلى المطبخ، كونها ساعة الغداء، بيد أنهما أعتذرا بالقول: " تناولنا سندويش دونر، ثمة في مُجمّع ‘ سالو هال ‘ في مركز ستوكهولم ". هتفَ الزوجان عندئذٍ: " الدونر، لا يعدو عن كونه نوعاً من المُقبّلات ". هكذا شارك الضيفان في الغداء، وكانت سيّدة الدار طباخة ماهرة كأغلب مواطناتها. وكانَ دارين يستسيغُ مأكولاتِ الأناضول، لأنها تذكّره بالمطبخ الحلبيّ، الغنيّ والعريق. غير أنه شعرَ ببعض الضيق على المائدة، بسبب نظراتِ المُضيفة، الباسمة والمُتماهية بشيءٍ من المكر: " شيلان، أنني عشيقُ صديقتها. اللعنة! ". لكنها آينور هانم، مَن ستغذّي فعلاً هكذا شعور؛ هيَ غير المُكترثة بأيّ اعتبارٍ لا يتماشى مع قناعاتها أو حتى أهوائها.

5
في الصالون، عندما كانوا يشربون القهوة مع الحلويات الشرقية، سأله دوغان ما لو أحضرَ الغرضَ المطلوب. كانت صورة فوتوغرافية للوحة " سيامند وخجي "، أخذها حَمي الخبير بالتصوير. كانَ من المؤمل أن يجعلها الكاتبُ كغلافٍ لرواية جديدة، ستنشر في أسطنبول. كذلك، أنجزَ دارين دزينةً من الرسوم الداخلية للرواية. وقد انتقلت الرسومُ من يدٍ ليد، مع فائضٍ من كلمات المديح. وكانَ الكاتبُ أشدّهم حماساً، فقال يُخاطب ضيفه: " لم أتصوّر أنك بهذه القدرة المُدهشة في التركيز على المواقف المهمّة في الرواية، بالأخص رسوم ‘ سيامند وخجي ‘، التي أظهرتَ ملامحهما وبما يتوافق مع الحكاية الحزينة ".
قالت آينور هانم، وكانت قد نسيت نفسها مذ ولوجها الشقّة: " إنه يُذكّرني بأسلوب الفنان، عابدين دينو، وكانَ قد استقبلني في مرسمه بباريس عدّة مرات في خلال رحلاتي للمدينة ". ثم أردفت ببساطة، مُخاطبةً دارين: " سأعرّفك عليه ذاتَ يوم، لو ذهبنا معاً إلى باريس! "
أنتقلَ المُضيف مع دارين إلى حجرةٍ صغيرة، مُعدّة كمكتب، مكتسية جدرانها برفوف الكتب فضلاً عن لوحاتٍ أصلية لفنانين كرد، سبقَ أن سجّل إنطباعاته عن أعمالهم في مقالاتٍ، نشرَ أغلبها بصفحته الثقافية في تلك الجريدة الأسبوعية. تبادلا الحديث هنالك، لحين دخول آينور هانم عليهما: " عليّ أن أكون في المنزل قبل حلول المساء، لأن ثمة ضيوفاً سيحضرون إلينا "، خاطبت دارين مُستخدمةً نبرةً آمرة.
في أثناء الطريق، أبدى دارين ملاحظة أغضبتها، أخذَ فيها على ما عدّه مسلكاً غير لائقٍ بها كإمرأة متزوجّة. نبرت تذكّره أنّ مسلكها وإن إتّسم بالحريّة والصراحة، فإنها سيّدة مجتمع تحظى بالإحترام والتقدير من لدُن الآخرين. عقّبَ مَغموماً: " أنتِ محترمة من غير شك، لكنك أعطيتِ إنطباعاً خاطئاً لديهم بأننا عشيقان "
" يُضحكني كلامك، وكأنني أسمعُ إمرأةً تخافُ على سمعتها "
" أهذا جزاءُ حرصي على سمعتكِ؟ "، ردّ مُختنقاً بالغيظ. ثم أردفَ، يُلفت نظرها إلى حقيقة صداقته مع أخوة زوجها؛ بل ومعاملتهم له كأنه أحد أفراد الأسرة. صرخت عندئذٍ بمزيدٍ من الغضب: " إنك بعقليتك الضيّقة، لا ترغبُ بإقامة علاقة مع إمرأةٍ مُقترنة برجلٍ كرديّ "
" ما هذا الكلام الغريب "، قاطعها دارين مع ضحكة مُتهكّمة. شاءَ عندئذٍ أن يفنّد كلامها، بذكر علاقته مع نجوى. إلا أنه أمسكَ عن الكلام، عندما أندفعت هيَ للقول: " أجزمُ أنك بهذا العُمر المُتأخّر، لم تعرف الحبَ بعدُ "
" إنكِ على الأرجح تتكلمين عن نفسكِ، كونك في سبيل العيش ببلدٍ راقٍ رضيتِ الزواج من رجلٍ لم تربطكِ به علاقة حب "
" أسكتْ! إنك تثير إشمئزازي! "، عادت تقاطعه وقد كادَ مقودُ السيارة أن يفلتَ من يدها من شدّة الغضب. ثم ما عتمَ أن أنفجرت بضحكةٍ هيستيرية، أعقبها إيقافها السيارة على جانبٍ الطريق. خيّمَ الصمتُ بعدئذٍ، وفي المقابل، كانت الريحُ خارجاً تبددُ سكونَ العتمة بزعيقها. التفتت إليه، لتقول بنبرة حنان: " مع غفلتك وسذاجتك، فإنك تعجبني كثيراً ". التفتَ إليها بدَوره، حائراً ومُفْرَغاً من الإنفعال، عندما أخذته على غرّة بقبلةٍ طويلة.
قالت له، وهيَ تتغلغل بعينيها المُتألقتين في غمار العتمة، المُطبقة على الطبيعة: " لم تكن مُحقاً، حينما أتهمتني بأنني بعتُ نفسي لكي أحظى بحياةٍ رغدة في السويد. وأعذرك، لأننا لم يسبق أن فتحنا قلبينا لبعضنا البعض ". ثم أردفت: " وأعتذر منك، كوني بالطبع حكمتُ عليك بدَوري دونما أن ألمّ بشيءٍ عن ماضيك ". ثم عادت هذه المرّة، لتقصّ حكايتها.
أضنة، وهيَ بوابة المنطقة الشرقية في تركيا، عمّها الفوضى في أعوام السبعينات، نتيجة الصراعات بينَ مختلف القوى السياسية. اليمين المتطرف، المُفصح عن عدائه للأقليات الأثنية، تبادل أعمال العنف مع اليسار المتطرف، الذي كان جلّ أفراده من تلك الأقليات. هاجموا بالأسلحة والقنابل مقرات ومقاهي بعضهم البعض، في حين وقفت الحكومة عاجزة. في الأثناء، كانَ الجنرالات يهددون بالتدخل لإحلال النظام. وإنما في أواخر ذلك العقد، تعرّفت آينور على صديق شقيقها الكبير، الذي تزاملَ معه في أثناء دراستهما بجامعة أنقرة. بقيَ خلّو بضعة أيام في منزلهم، وقد خرجت آينور معه أكثر من مرة تحت شمس الصيف، ملتجئَيْن تارةً لظلال أشجار الحدائق أو أسقف الأسواق، تارةً أخرى. هناك كانا يقضيان الوقت بالدردشة، وأحياناً كانت همساتهما تنسابُ عبرَ جسر المدينة الكبير، المغروزة قناطره المتعددة بانتظام في تربة النهر. في الزيارة الثانية، وكانَ الوقتُ أيضاً صيفاً، أدركا أنهما انتقلا من شعور الصداقة إلى حالة الحب. تمّت خطبتهما بحضور عددٍ من أقاربهما، واتفقا من ثم أن يُعقدَ قرانهما في أنقرة، أينَ ستكملُ آينور الدراسة في كلية الآداب بجامعتها في خريف العام التالي.
توقفت آينور هانم عن إتمام حكايتها، بأن أشعلت سيجارة. نفثت عدّة سحبات من الدخان، ثم أستمرت بالكلام: " كنا الآنَ في مفتتح عقد الثمانينيات، وحلّ الخريفُ المأمول. كانَ جوّ البلد مُتلبّداً بفعل تلك الصراعات الموصوفة، وكثر الحديث عن إحتمال حدوث إنقلابٍ عسكريّ. إحتياطاً، فرّ العديدُ من النشطاء اليساريين إلى سورية، لينتقلَ قسمٌ كبير منهم إلى أوروبا. على الأثر، سمعتُ صوتَ خلّو على الهاتف: " لن يكون في وسعنا عقد قراننا، هنا في الوطن، وآمل أن يتمّ ذلك حينَ تلحقين بي حيث أستقر في نهاية المطاف ". وقد استولى العسكرُ بالفعل على السلطة في ذلك الخريف، وتم إعتقال شقيقي الكبير. فيما أنا بحالةٍ من الإرتياع والحزن، وصلتني مكالمة هاتفية من خلّو وكانَ قد انتقل من سورية إلى السويد. بدَوري، تسللتُ في قارب تهريب إلى إحدى الجزر اليونانية، برفقة ديلان وأسرتها، ومن هناك انتقلنا إلى أثينا. مع مرور الأيام، تمكّنا من الحصول على الفيزا السويدية ".
أختتمت آينور هانم حكايتها، بنبرةٍ كامدة مُتماهية بالتهكّم: " كالكثير من الناشطين اليساريين، هنا في أوروبا، خلط زوجي السياسةَ بالأعمال. ثم أصابه أيضاً سعارُ جمع المال، فأضحى استقرارُنا نادراً بسبب بيعه لمطعم وشرائه لآخر. لكنني أخيراً رفضتُ مغادرة أوبسالا، المدينة التي أحببتها، وأجبرتُ زوجي على احترام قراري. هكذا صرنا نلتقي غالباً في نهاية عطلة الأسبوع، ولاحَ كأنما جسدانا قد أغتربا أيضاً عن بعضهما البعض ". لقد شددت على الجملة الأخيرة، فيما هيَ تثبّت عينيها بعينيّ رفيق الطريق. ثم تحولت إلى نبرةٍ أكثر مرحاً، لما سألته: " وأنتَ، متى تفتح لي قلبك وتحدثني عن ماضيك؟ ". ثم استدركت: " أتوقّع أن مغامراتك عديدة، ولن تكونَ بقادرٍ على روايتها، دونما حرج، إلا لو صرنا أصدقاء بمعنى الكلمة ".
أرادَ دارين التعليقَ على ما سمعه، وكانَ سيكتفي بالتفلسف عن حالة زوجها، بالإحالة لخبرته الشخصية مع أمثاله سواءً بلقاءات النادي أو المقهى اليساريّ. لكنّ رفيقته لم تدعه يفعل ذلك. أهوت من جديد على فمه، وراحت تدفع لسانها فيه لبرهةٍ قصيرة، كانت كافية مع ذلك لتهتاج شهوة صاحبه. بعدئذٍ إنحنت على حضنه، فراحت تترشّف ما في يدها بتمهّل ولذّة ـ كما لو كانت تتلمّظ عوداً، مُلبّساً بالآيس كريم.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت