قالت لنا القدس/ عن العمران وضواحي المدينة الآن7

محمود شقير
2023 / 7 / 17

تزدهي المدن الحديثة بازدهار العمران في الضواحي السكنيّة التي تنشأ في محيطها وتشكّل امتداداً طبيعياً لها، وتسكنها في العادة فئات ميسورة من السكّان، لديها ميل إلى العيش الرغيد بعيداً من الضجّة والضوضاء، ومن ازدحام البشر وتفاقم الصراعات الصغيرة بينهم لأتفه الأسباب.
ولعلّ القدس الشرقية، تعتبر بعد انسلاخ القدس الغربية عنها العام 1948، من أكثر المدن، إن لم تكن المدينة الوحيدة التي تتعرّض للإساءة وللمحاصرة بشتّى الوسائل والأشكال. فاختزال الفضاء الفلسطيني للمدينة وحرمانها من إقامة امتداداتها الطبيعية المكمّلة لها، يعتبر من أخطر الأساليب لخنقها، ولتقليص عدد سكّانها ولإضعاف النهضة العمرانية الفلسطينية فيها، تمهيداً لاستكمال تهويدها الذي يجري على قدم وساق.
بعد نكبة العام 1948 وحتى هزيمة حزيران العام 1967 شهدت القدس الشرقية حالة من التوسّع في العمران خارج سور المدينة، وظهرت إلى حيّز الوجود مجموعة من الضواحي السكنية التي انتشرت حول المدينة، خصوصاً من جهة الشمال حيث الشارع الرئيس الذي يربط القدس برام الله. هناك، ظهر حيّ الشيخ جرّاح وحي التلّة الفرنسية القريب من قرية شعفاط التي تحوّلت بدورها إلى ضاحية من ضواحي القدس. وعلى جانبي الشارع الذاهب إلى رام الله، ظهر حيّ بيت حنينا الجديدة، الذي كان يعتبر قبلة الفئة الأرستقراطية من المقدسيين وموظّفي الطبقة الوسطى والتجّار.
وتعزّزت مكانة الحيّ حينما اختار الملك حسين الإقامة بضعة أسابيع كلّ عام، في بيت تعود ملكيته لوزير فلسطيني سابق في الحكومة الأردنية، يقع على الشارع الرئيس مباشرة. وفيما بعد باشر الملك ببناء قصر له على تلّة قريبة من حيّ بيت حنينا الجديدة، غير أنّ بناء القصر لم يكتمل لأنّ هزيمة حزيران قلبت كلّ الموازين، فظلّ الهيكل العظمي للقصر قائماً حتى الآن لا زيادة فيه ولا نقصان.
كانت بيوت هذا الحيّ الجديد تتكوّن في الأغلب الأعمّ من بنايات فخمة مشيّدة وفقاً لتصميمات هندسية حديثة، حيث تتشكّل الواحدة من هذه البنايات من طابقين أو ثلاثة طوابق، وتكثر فيها الشرفات وتتنوّع أشكال الشبابيك والأبواب وتكثر الزخرفات، وهي مبنيّة كلّها تقريباً من الحجر الأبيض المطعّم في بعض الأحيان بحجارة حمراء مقتلعة من المحاجر الفلسطينية الواقعة في منطقتي بيت لحم والخليل جنوب الضفّة الغربية أو في منطقة نابلس في الشمال. والبنايات محاطة في العادة بأسوار تزنّر حدائق تكثر فيها الورود والأزهار، وتكثر الأشجار التي منها المثمر ومنها المغروس للزينة، ولنشر الخضرة التي تبهج النفوس.
على مقربة من هذا الحي، تقع ضاحية البريد، الحيّ السكنيّ الذي خصّص آنذاك لموظفي بريد القدس. وكان هذا الحيّ الذي بني أواسط الخمسينيات من القرن الماضي مثالاً حيّاً على الضاحية السكنية الملحقة بالمدينة الأم، التي يمكن أن تقوم على غرارها ضواحٍ أخرى لقطاعات من الموظفين. كان الحسّ المدني ونمط الحياة المدنية آنذاك يتعزّزان في القدس على نحو ما.
إنّ تمدّد القدس نحو الشمال لتتّصل بمدينتي البيرة ورام الله بعد سنوات، مثّلَ الفرصة الوحيدة المتاحة لذلك، بالنظر إلى طبيعة الأرض المنبسطة التي تقع بين المدن الثلاث، وبالنظر إلى وعورة الأرض من جهة الشرق والجنوب خصوصاً بعد سلخ حي تلبيوت المنبسط وإلحاقه بالقدس الغربية منذ العام 1948 ، وسدّ الفرصة على أيّ توسّع عمراني للقدس الشرقية باتجاه بيت لحم. وأمّا من جهة الغرب فإنّ القدس الغربية (كان حيّ الطالبيّة وحيّ القطمون من أرقى الأحياء السكنية الفلسطينية فيها) سدّت الأفق الغربي على القدس الشرقية، وأصبح يفصل بينهما سور شائك في بعض المواقع وأرض حرام مزروعة بالألغام في مواقع أخرى حتى العام 1967.
الآن، بعد سنوات طويلة على احتلال القدس الشرقية، تبدو ضواحيها التي كانت تفاخر بها في زمن ما، قديمة ممنوعة من التوسّع العمراني إلا بصعوبة، حيث لا تتيسّر فرص حصول المقدسيين على رخص بناء من سلطات الاحتلال، وحيث تصادر الأرض الفلسطينية وتقام فوقها المستوطنات.
يسدّ الاستيطان أفق القدس الشرقية من كلّ الجهات. من الشمال تنتصب مستوطنات عديدة بينها: بيسغات زئيف، النبي يعقوب، جبعات زئيف وراموت، لتفصل القدس عن بعض ضواحيها وعن القرى التابعة لها وكذلك عن مدينتي البيرة ورام الله. ومن الشرق تنتصب مستوطنة معاليه أدوميم لتفصل القدس عن مدينة أريحا. ومن الجنوب تنتصب مستوطنتا أرمون هانتسيف وأبو غنيم، وكذلك مستوطنة نوف زيون، لتفصل القدس عن بيت لحم. ولكي يتعذّر أيّ تمدّد عمراني للمدينة الفلسطينية في أيّ اتجاه.
فإذا أضفنا إلى ذلك، تكاثر البؤر الاستيطانية داخل البلدة القديمة من القدس، والقيام بحفر الأنفاق تحت المدينة وتحت المسجد الأقصى، لأدركنا حجم التخريب المقصود لفرص التطوّر العمراني الفلسطيني في المدينة.
يضاف إلى ذلك كلّه، جدار الفصل الذي أخرج عشرات آلاف المقدسيّين من نطاق مدينتهم، وأخرج أحياء سكنيّة وضواحي كانت تعتبر من صلب المدينة المقدّسة، كما أخرج قرى كثيرة من محيط المدينة لاستكمال عزلها عن هذا المحيط.
وبذلك تكتمل الصورة كما يخطّط لها المحتلون: مشهد عمراني فلسطيني في القدس يوالي انحساره، ليتوسّع في المكان بديلاً منه، مشهد استيطانيّ بديل.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت