البخلاء والسيدة ملعقة

هاله ابوليل
2023 / 7 / 17

النموذج الخامس
السيدة ملعقة
(عندما يكرهك البخيل )
لم اكن اعرف من فيلم الكرتون السيدة ملعقة سوى انها امرأة صغيرة الحجم ,فجأة تكبر وتكبر بحجم عملاق , وفي مرات اخرى تصغر و تصغر لدرجة التلاشي والضمور.
... هذه الصفة العجيبة بشخصيتها هي ما يميّزها بعيدا عن التطفل أو حب المساعدة أو تقديم النصح وغيرها وهذا ما يعنينا في هذا المقال
• وهو كيف تنفخ اوداجك وتنهض مرة واحدة ويعلو صوتك ( هناك مقولة " قد ينفخ الغرور رجلًا إلى حد الامتلاء، لكنه لا يرفعه إلى أعلى بأيّ حال.(
• وكيف تنفس غرورك في ذات الجلسة من اجل صفة مذمومة مثل البخل.
( يقال أن الغرور هي الرمال المتحركة التي يغرق فيها المنطق ).

هل يعقل أن يحدث هذا!
نموذجنا الخامس لا يمت بشيء للسيدة ملعقة إلاّ بقدرتها على التحول والتلاشي والتضخم حسب الحاجة والظروف اليومية .
فـ أحيانا ترى ( نموذجنا الخامس من هذه السلسلة ) صغيرة الحجم في الحياة الواقعية , ثم قد تنتفخ بحجم البالون تباهيا وغرورا وتكبرا , واحيانا تختفي وتتلاشى فلا يبقى سوى جسدها الضئيل جالسا على المائدة ( لا تكاد يُرى بالعين المجردة) رغم ان نظارتها الطبيّة مازال تنتصب معلقة كـ أرجوحة بين أذنيها المشنفرتين , بينما شعرها القصير يهفهف مع نسمات الهواء الرقيقة فيضرب عدسات النظارة خفيفا خفيفا محاولا أن يثبت وجوده في تلك اللحظة المصيرية من انفتاق الكون عن معجزاته البشرية العجيبة .
أما حقيبتها الجلدية (البراند من دار غوتشي ) و الرخيصة والمشتراة من سوق التنين الصيني المقلد .
فقد كانت تجلس معنا على نفس الطاولة وترتخي عضلاتها على احد الكراسي مثلنا ؛ مثل اي بشري يراقب الاحداث المحيطة به بصمت عجيب .
تجلس معنا على الكرسي , لم يمسها انس ولا جان ولم يفتحها مخلوق ليخرج منها حتى مليم .
هذا وصف لحقيبة زميلة لنا فكيف يكون وصف صاحبتها ؛ سوى أنها شخصية غريبة وعجيبة ومريضة نفسيا ومعقدة .
ومع ذلك ارتضينا ان ترافقنا في جلساتنا كنوع من انواع الغباء الملازم لتصرفاتنا المكررة والتي نكررها ونحن نعلم انها من الغباء المركب , ولكن لضيق الخيارات في الغربة , ستجد أنك ملزم بصداقات لا تشبهك وتصرفات لا تليق بك وبسلوكيات مهادنة لا ترتضيها في بلدك .
وأقول أنها مريضة نفسيا ليس لتأخرها بالزواج ولقب "العانس" المكروه والذي لا أجده لقبا بشعا أو مكروها , بل لأني حاولت خدمتها على قدر استطاعتي بتعريفها على شاب مناسب لعمرها ولظروفه كـمطلق ولديه اطفال و لكنها حاولت تشويه سمعتي
فـ رغم انها تكلمت عني من وراء ظهري لعريس مفترض ومناسب لها بالعمر ,كنت قد أوصيت بها لكي يتزوجها , فكانت نصيحتها له :أن يتبرأ مني لأني فتاة سيئة كما لمحت بدون تصريح مباشر .
فاتصل بي العريس المفترض ليوبخني على هكذا اختيار سيء بفتاة معقدة ومريضة نفسيا .
وعندما دافعت عنها اخبرني بنصيحتها له بالإبتعاد عن معرفتي و بأني فتاة سيئة السمعة (فضحكت على ذلك )
فأخبرته انها تفعل ذلك تحفظا ؛فقط , لكي تضمن ان اسرارها معه (مستقبلا ) لن تتداول لأذني , ولن تصل أفعالها معه لي .
فهي شخصية متقلبة وخائفة وتريد الاستقرار ولا تثق بأحد.
لقد كانت تريده لنفسها بدون أن يتواصل معي مستقبلا أو أن يعرفني أو يكون لي طرف بزواجهم أو يكون لي فضل عليها بأن خلصتها من امراض العنوسة التي تبدأ بالاكتئاب الخفيف وتنتهي بالصاق ما فيها على الآخرين .
تفهمت اكاذيبها بخصوصي ولم اقل لها ما سمعته عن لسانها ( فأنا اعرف نفسي جيدا ولي من أخلاق الفروسية الرفيعة ما تحتاج مئات السنين لتكتسبه )
ولم اجادلها بذلك وخاصة ان الشاب رفضها رفضا مؤكدا وصريحا رغم انه يشبهها بالبخل والعقد النفسية , فيكفيها ما تعانيه من رفض صريح من العرسان الذين يهربون منها من أول لقاء .
(يا ريت تزوجها وتزوجته )
(حظ ابن اخو ستين كلبة كما يقولون )
ومع ذلك و في نهاية كل اسبوع , كنا ندللها معنا نحن الثلاثة (الكوكب الأحمر نونو والسيدة ملعقة والتي تعرفنا عليها مؤخرا رغم انها كانت تعمل معنا بنفس المدرسة . وباتت ترافقنا في سهرات نهاية الاسبوع في احد الكافيهات حيث نتناول عشاءنا ونشرب قهوتنا على انغام صوت جبلي قادم من لبنان كل يوم جمعة .
كنت أسوق سيارتي (BMW) حتى عمارة الإميرة حيث بيت نونو ثم نركب سيارة نونو ونتوجه الى حيث تقطن نموذجنا الخامس القمىء والمسمى بالسيدة ملعقة المتحولة فقط لخاصيتها العجيبة بالتضخم والتلاشي في ذات الجلسة . فقد كانت للسيدة ملعقة الكرتونية مواقف مشرفة في حلقاتها التي تجاوزت المائة و عشرين حلقة لا توجد منها صفة للسيدة ملعقة نموذجنا البخيل .
نسهر بالمقهى ونتعشى ثم نعود ادراجنا لبيوتنا وكانت اكثرنا سعادة هي السيدة ملعقة الوفيّة لجنونها الخاص , فهي تتفسح وتنتقل بالمجان ولا تدفع مليما حتى ثمن الاطباق الفاخرة التي تطلبها بصدر قوي وارادة حرة وبهبة ثائرة توحي للذي يراقبنا أنها هي من تعزمنا في كل مرة .
كانت نموذجنا الخامس من النوع المتحفظ ومع ذلك خلعت حجابها واطلقت شعرها المتناسق ولكنها لم تكن تبدو جميلة !
كان هناك شيء شرير يخرج منها ؛فيدمر اي لمحة جمال ؛قد تبدو للبعض
؛انه حتما اشعاع اللؤم الدائري حيث كانت تحيطها هالة من اللؤم والخبث المركب متمثلة بـ عدم الثقة بالآخرين والتحفظ بالأسرار وانعدام الطيبة ,
فلا تتقبلها النفس البشرية إلاّ قليلا.
ومن هؤلاء القلائل كنت انا و الكوكب الاحمر نونو من تقبلها بسعة صدر غريبة وتدل على أننا معتوهات بالفطرة .
كانت السيدة ملعقة من النوع الذي يشتري اربع احذية من نفس موديل الحذاء ؛ بنفس اللون المكرر إما اللون الأبيض أو اللون الأسود , ولم تكن تعرف اللون الرمادي ولا الالوان الزاهية .
لم تتزوج يوما أو ربما كانت متزوجة
من يعرف !
فهي لا تتكلم عن نفسها ! ولم تخبرنا عن حياتها السابقة , وربما لهذا كانت معقدة نوعا ما ولا تُحتمل .
وكانت متعالية عن الآخرين لأن لسانها معوج بكلمات انكليزية متباهية ترشقها بين الحين والآخر للجرسونات لكي تظهر لهم
(أي نوع هي من الطبقة الاجتماعية العالية )!
رغم ان ملابسها رخيصة وليست ذات رقيّ باختيار الملابس ولا تعرف الدمج ولا التنسيق .
فقد اخبرناكم سابقا ؛ فكل ألوان قمصانها وأحذيتها إما ابيض أو اسود .
كانت لديها عقدة الطبقة الاجتماعية (فقد كانت تتباهى باسم عائلتها التي ليس لها اي ثقل سياسي أو مالي في البلاد
فـ لا يوجد لها قرابة من الملياردير طلال ابو غزالة مثلا ) و قد عرفنا مؤخرا من مصدر خارجي إنها تعاني من ذلك بسبب رفض عائلة حبيبها الثرية و التي لا تتناسب مع وضع عائلتها الفقيرة نوعا ما ,فبدأت توحي للجميع كنوع من التعويض والنقص ؛ إنها من عائلة عظيمة وهي لا عظيمة ولا يحزنون , لدرجة ان نونو باتت تقلدها هي الآخرى وأنا اضحك على كلاهما ( شلة من الحمقى )
إنّ الكبرَ خلقٌ سيءٌ
وكنت اردد أبيات ايليا ابو ماضي
صاحِ إنّ الكبرَ خلقٌ سيءٌ يا
هيهات يوجد في سوى الجهلاء

فالتباهي باسم العائلة الاخير ؛هو مرض مزمن لا يقع به سوى الساذجون و قليلي العقل والمرضى النفسيين )
وكنت مجبرة على مصاحبتهم رغم قلة عقلهم لآن وضعهم الاجتماعي كـ عوانس ومطلقات يناسبني .
فما حاجتي لصديقة مثقفة؛ لديها عائلة ومسؤوليات وزوج متطلب و لن أجدها بجواري بنهاية الأسبوع لأن لها عائلة تعتني بها !
ولكن نموذجنا الخامس بات مرضها الطبقي مخزيا لكلينا ,فقد بدأت تتعالى على اصحاب المهن الوضيعة, فكانت توبخنا على لطفنا وتأدبنا مع الجرسونية بل و تعتبره نوعا من الابتذال الرخيص ؛ ولكن لو كان الجرسون جميلا جدا كما الذي رأته في برج العرب ) فهي تنسى امراضها النفسية وتنسى مهنته كعامل وذلك حسب مقاييسها بالانتفاع والتكسب منه , فـ تبدأ بالملاطفة الغريبة , حيث نفتح افواهنا عجبا وتعجبا من خفة عقلها وتخليها المفاجىء عن تزمتها السابق وتعجرفها الفارغ.
وكان ذلك واضحا عندما دَعَوْتها لترافقنا مع اختي التي جاءت لزيارتي , فأردت أن أريها برج العرب ,فتوسطت لـ صديقة لي بـ ادخالي إلى هناك بدون دفع أي دولار , وخاصة أن اخيها يعمل هناك كموظف , فدخلناه عن طريق عربة جولف من الباب الخلفي , ولأنني فتاة لا تنسى تدليل اصدقاءها فقد عزمت الكوكب الاحمر والست ملعقة لمرافقتنا , مادام سيكون تحت تصرفنا (سيارة ملاعب الجولف تتسع لأربعة أخ "حب الإشتراكية دمرني ).
فجاءت الكوكب الاحمر مع الست ملعقة والتي كانت للتو قد اشترت سيارة جديدة من الشركة والغريب إننا نلتقي اسبوعيا في المقهى الصيفي ولم تحدثنا عن نيّتها بشراء سيارة , والأغرب إننا نلتقي يوميا في المدرسة ؛حيث كنا نعمل سويا ونتلقى نفس الراتب ونعيش نفس الظروف.
فكيف جمعت مبلغ الدفعة الأولى التي دفعتها للبنك!
والأغرب أنها خبأت سيارتها في مكان بعيد لكي لا نراها بعد زيارتنا لبرج العرب , فكوفئت من اللؤم والخبث الذي تحمله بصدرها بأن ضربت سيارة متوقفة عند المغادرة وحمدنا الله إننا لم نرى سيارتها بالعين المجردة بعد
وإلا ّاتهمتنا بأننا نصيب بالعين
انه نتيجة اللؤم يا سادة يا كرام!
لقد قيل " بشّر اللئيم والبخيل بحادث أو وارث وفعليا "كل لئيم بخيل وكل بخيل لئيم".
افعالها الغريبة وتحفظها على اسرارها لم تكن نوليها اي اعتبار ,فقد اعتدنا على اللؤم بالغربة
فقد كنت انا و نونو من اطيب خلق الله
صحيح ان نونو لديها اشعاع ازرق وتصيب بالعين ولكنها كانت طيبة القلب ولم تكن تحسد من باب الحسد وضيقة العين ؛ بل بسبب ظروف زواجها من رجل بخيل جدا وغير انساني ؛ فقد كان جلفا وبخيلا حتى على الماء
؛ فقد كان قذرا ولم يكن يستحم إلاّ بالأعياد ,فكانت تعاني من البخل ومن القذارة فتمتعض وهي ترى الحظوظ (سيارات ومجوهرات ) تذهب لنساء لا يشبنها بالنظافة ولا بالحس الجمالي ولا بشيء من الرومانسية الراقية مما تملكه )
المهم , و اثناء تجوالنا في الفندق الفخم الذي يحمل علامة الـ سبع نجوم مع احد الموظفين المكلفين برؤيتنا لإجنحة الفندق ومرافقه و مقهاه الذي له اطلالة على بعد 200 متر في منتهى السماء .
الفندق الذي لا يسمح لأحد بزيارته الا بعد دفع رسم دخولية يتجاوز الـ 54 دولار .
كانت عديمة الوفاء ,التي جاءت بدعوتنا
تتنصل من معرفتنا في الفندق وكأننا من الهنود والغريب إنها قد نسيّت تعجرفها كما تنسى حقيبتها التي لا تفتح أبدا في المطاعم وبدأت بتزبيط الموظف المرافق لنا ؛
يبدو أنها كانت تريد الحاقه من ضمن قائمة اصدقائها ؛صديق يجعلها تدخل وتخرج مجانا في هذا المكان ؛ فقد كانت تلاطف الرجل بشيء يختلف عن طبيعتها الانسانية المتكبرة على اصحاب الوظائف المتدنية ؛ فهو وإن كان يعمل في فندق فخم فهو مجرد خادم في تركيبة مخها المتعبة.
الغريب انها كانت تلتقط صورا في هاتفها لوحدها بدون ان تشركنا معها بأي صورة وكأننا من طبقة لا تتناسب مع رفعتها و مكانتها الاجتماعية الراقية
؛رغم أن قميصها الأبيض يعاني من مرض الإصفرار المزري والي تدل خامته على رخصه ومكان بيعه في الأسواق الشعبية
انا لا اتنمر على ملابسها الرخيصة , بل اوصف مارأيته, مع الإعتبار الشخصي أن الملابس لا تحدد طبقة الشخص بل اخلاقه .
واخلاقها كانت فاضحة بالسلوك المتزمت وصوت الغرور والتكبر الذي لا جدوى منه في عالم كوني متطور يستطيع ان يجلب لك كل معلومات الشخص منذ وُلد وحتى يموت؛ فالعالم صغير والناس يتكلمون والقرية صغيرة واهلها يعرفون بعضهم البعض
فلما هذا الهبل !
كان يبدو إنها تتنصل من معرفتنا و تحاول أن تبتعد عنا بقدر الإمكان لإظهار إنها في الفندق لوحدها كزائرة قد دفعت رسوم الدخول الباهضة .
والغريب إننا لم نلتفت لتصرفاتها الغريبة (ألم اقل لكم إننا معتوهات) حيث كنا قد اعتدنا على غرابة اطوارها و جنونها الشخصي.
ولكن لأن اختي لم تعتاد على تنوّع الشخصيات التي نصادفها ؛ فقد اخذتني جانبا وهي تقول : هل هذه الفتاة مريضة عقليا!
قلت لها : عقليا و نفسيا , ولكن كيف عرفت !
فقالت: من تصرفاتها الغريبة إنها تخبر المرافق معنا أو تحاول الإيحاء للموظف بأنها لا تعرفنا !
فنحن المضيفين لها , ولولانا ؛ لما زارت هذا الفندق وما دخلته اقدامها .
فهل يعقل لمثلها أن يدفع ثمن دخولية 60 دولار !
قلت : دعيها تعيش اوهامها بسعادة !
البقية تأتي غدا


• * السيدة ملعقة
هو برنامج مغامرات كرتوني تظهر به السيدة ملعقة وهي ترتدي على عنقها بـ ملعقة سحرية كـ قلادة وعندما تلمسها تصغر بحجمها لتصبح بحجم الملعقة فتستطيع الهرب اثناء مغامراتها في الغابة وبالتأكيد سيكون زوجها اسمه ؛ السيد شوكة
أ ليس كذلك

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت