بانوراما مختصرة لنكبة لبنان

عادل صوما
2023 / 7 / 17

ظهر لبنان الكبير، كما أطلق الجنرال غورو عليه، تمييزا لمتصرفية جبل لبنان التي كانت مقاطعة عثمانية مستقلة عن بقية الولايات المحتلة بإمرة الموارنة.
قام الانتداب الفرنسي بضم عدد من المدن الساحلية، وجبل عامل، وسهل البقاع والسهول الشمالية لتتوسع تلك المتصرفية المستقلة وتصبح دولة لبنان الحالي. وقد ظهرت هذه الدولة مثل غيرها من دول منطقة الشرق الأوسط سنة 1920 وبعدها، إما تحت الانتداب أو الاستعمار، الذي أسس في لبنان نظاما طائفيا قائما على توزيع السلطة على أسس دينية، يشبه النظام المستخدم في الإمبراطورية العثمانية، ما يعني أن الانتداب الفرنسي لم يبن دولة عَلمانية تشبه فرنسا، لكن دولة تتماشى مع أعراف المنطقة وعشائرها وسطوة أديانها.
نال لبنان استقلاله سنة 1943، وأسس المسيحيون والمسلمون "ميثاقا وطنيا"، اعتمد على جهود المسيحيين في "لبننة" المسلمين وجهود المسلمين من أجل "تعريب" المسيحيين. تم أول تكاذب بين الطرفين لأن المسيحية الشرقية تعاونت مع الاحتلال الإسلامي بالأمر الواقع، وهي التي حافظت على اللغة العربية واستخدمتها في القداديس. كان "الميثاق الوطني" مجرد حبر على ورق وفشل تحقيقه على أرض الواقع.
الإقطاعية السياسية
تحول لبنان تدريجيا من نظام إقطاعي "قائم على الزراعة الضريبية" إلى نظام قائم على الإقطاعية الطائفية السياسية التي تتحكم بالجوانب الإقتصادية كافة، ما يفسر ارتباط بعض الصناعات بعائلة معينة.. والتجارة بعائلة أخرى إلخ... وهكذا أنشأ السياسيون نظام رعايا فاسد مبني على الانتماء للطوائف عوضاً عن المواطنة والانتماء للهوية اللبنانية الوطنية.
ورغم ذلك النظام الضعيف، تحول لبنان بسبب انفتاح سكانه، خصوصاً الموارنة والطوائف المسيحية الأخرى، إلى ما سُمّي"باريس الشرق الأوسط". من جهة ثانية، أدت سياسة "قوته في ضعفه" بكافة جوانبها العسكرية والسياسية التي تبناها السياسيون إلى اضطراب ذلك النظام الطائفي الهش سنة 1958، بحيادية تامة من "جيش التشريفات"، بسبب الانقسام بين المسيحيين، الذين حافظوا على توجه سياسي موالٍ للغرب خصوصاً فرنسا وحاولوا بناء دولة تشبه دوله، والمسلمين، الذين تبنوا "القومية العربية" وهو القناع الإسلامي الذي ارتداه عبد الناصر في العلن، ما أدى لاحقا إلى نشوب الحرب المارونية/الفلسطينية التي تبعتها حروب أهلية من 1975 إلى 1990.
سياسيو لبنان أصحاب مبدأ "قوته في ضعفه"، أوقعوا البلد ضحية النكبة الثانية في التاريخ الحديث لدول الشرق الأوسط، بسبب دعم المسلمين والدروز للقوى الفلسطينية التي حاولت بناء دولة داخل الدولة اللبنانية، بعد فشل مشروعها نفسه في الأردن، وقد وقف الجيش اللبناني على الحياد، لأنه جيش صوري غير فاعل سياسياً أو عسكرياً كما أُريد له تماماً، وجيش طائفي كما قال رئيس وزراء لبنان رشيد كرامي عشية إندلاع الصدامات بين "حزب الكتائب" المارونية والعناصر الفلسطينية، حين قيل لماذا لا يحسم الجيش الأمر كما حدث في الأردن؟
ذهبت عناصر الجيش اللبناني إلى منازلهم يتابعون المعارك المارونية/الفلسطينية، ثم الحروب الأهلية التي تبعتها وانتهت بمعارك مارونية/مارونية بين ميليشيا "القوات اللبنانية ورئيس الوزراء وقائد الجيش الماروني آنذاك ميشال عون.
ملوك ورقية
تلاعبت منظمة التحرير الفلسطينية منذ تمركزها في لبنان وبعد تقليم أظافرها في الأردن، بشخوص السلطة اللبنانية الذين يديرون رعايا النظام اللبناني الهش لمصالحهم الإقطاعية/السياسية، وجعلوا كما الفلسطينيين تماماً أبواقهم الإعلامية والاستخبارية تروّج لأكبر كذبة عن "إتفاق القاهرة" كونها السبب في حروب لبنان الأهلية، رغم أن "إتفاق القاهرة" حدد العمل الفدائي الفلسطيني من جنوبي لبنان وتحديداً منطقة العرقوب، وليس من بيروت وباقي المدن اللبنانية، كما حدث عكس "اتفاق القاهرة" تماماً.
ظلت منظمة التحرير الفلسطينية عندما انتشرت في المدن اللبنانية الكبرى وحتى البلدات والضيع، وحاصرت معسكراتها العسكرية بيروت، اللاعب الأقوى في لبنان، بقيادة الرمز والسياسي الفاشل ياسر عرفات "صانع الملوك" كما أُشيع عنه، لكنه في الواقع أوجد "ملوك ورقية" لا قيمة لهم سياسياً، وأعلنوا أن فلسطين سيتم تحريرها عبر العواصم العربية ومنها بيروت التي تحكمها الرجعية والغرب، حتى غزا الإسرائيليون لبنان وحاصروا بيروت سنة 1982 وطردوا العناصر الفلسطينية منها.
خيال المآته
انتُخب أمين الجميّل رئيس بعد اغتيال أخاه الرئيس بشير الجميّل. كان أمين يشبه خيال المآته، ولم يكن لديه أي صلاحيات أو سلطة فعلية، لأنه إنتُخب أثناء احتلال إسرائيل للبنان، علاوة على كونه غير فاعل لبنانياً بسبب وجود الجيش السوري، ورغم بشاعة وجود أي احتلال، فقد أدى الإسرائيليون أعظم خدمة سياسية للبنان صاحب مبدأ " قوته في ضعفه" بطرد العناصر الفلسطينية المسلحة، وأزالة كل سلاح غير شرعي فيه، على أمل أن يكون لبنان البلد الثاني بعد مصر الذي يوقع اتفاق سلام مع إسرائيل.
إلا أن أمين الجميّل أهدر هذه الفرصة النادرة لإستعادة استقلال لبنان من الأشقاء هذه المرة، وقال برعونة وسطحية انه ليس أنور السادات ليوقع اتفاق سلام مع إسرائيل، ما وضع لبنان على طريق مأساته النهائية، لأن الرئيس لم يأخذ حتى أي خطوات لإستعادة الدولة وإرجاع الهيبة لجيشها، بعد تفريغ لبنان من الأسلحة غير الشرعية، كما لم يستفد سياسياً من الأشقاء العرب بقراره عدم تقليد أنور السادات، وعندما فقدت إسرائيل الأمل من الرئيس الخائف، انسحبت إلى الجنوب اللبناني، وتسبب انسحابها في مذابح الدروز (القوميون العرب) ضد الموارنة (عملاء إسرائيل والغرب!) وتهجير مسيحيي 85 مدينة وقرية وبلدة.
الجمهورية الإسلامية
مهّد وجود هذا الرئيس المتذبذب بين مصلحة وطنه كدولة فاشلة، والانصياع لسياسة اللاحرب واللاسلم بين سورية وإسرائيل، وفراغ مكان المقاومة بعد خروج الفلسطينيين من لبنان، وعدم تحريك الجيش إلى آخر نقطة تواجه الجيش الإسرائيلي المتوغل، إلى انتهاز إيران للفرصة وظهور "حزب الله" كحزب سياسي اجتماعي و"مقاومة إسلامية" لتحرير لبنان، بينما هو قناع الحرس الثوري الإيراني في لبنان بدعم من سورية.
ملأ "حزب الله" بخطط إيران المستقبلية وكوادره وتمويل طهران فجوة الدولة الغائبة وشلل جيشها الرمزي، التي خلقتها الحروب الأهلية اللبنانية، وجاء "اتفاق الطائف" لينهي الحروب الأهلية المارونية/المارونية هذه المرة، كفاجعة على لبنان نتيجة قصر نظر الدول العربية السُنية، وجشع الإقطاعية السياسية اللبنانية، والغباء السياسي الماروني.
كل هذه الأمور أدت إلى أخطر بند في "إتفاق الطائف" هو نزع سلاح كل الميليشات، وإبقاء السلاح في يد "حزب الله" لأنه "مقاومة إسلامية" ضد إسرائيل، والمقاومة حق مشروع. لم يسأل أي نائب لبناني ممن بصموا على الإتفاق: ماذا وظيفة الجيش اللبناني؟ لماذا نعطي حتى حق التفاوض في المستقبل مع إسرائيل لإيران؟
هكذا انتهت حلقة من حلقات الصراع الماراثوني السُني/الشيعي، وأصبح "حزب الله" دولة قوية داخل دولة لا قيمة لها عربياً أو دولياً، ولاحول لها ولا قوة، لأن الإقطاع السياسي فيها قبل باستمرارية عمل سياسييه كوسطاء تجاريين لمصالحهم الخاصة، وذهب سمير جعجع إلى السجن، لأنه بذكائه المحدود الذي ركّز على خلع ميشال عون من القصر الرئاسي، حّل ميليشته المارونية بدون أي ضمانات مكتوبة له ولعناصره في "إتفاق الطائف".
القوة السياسية والاجتماعية والعسكرية لحزب الله، استطاعت بناء دولة وجهاز استخبارات وشبكة اتصالات وهواتف وهئيات خدمات اجتماعية ومستشفيات ووزارات موازية للدولة اللبنانية، بل وتتفوق عليها في بعض النواحي، ووصلت القوة والسلطة لدرجة انهم اغتالوا رجل السُنة القوي ورئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري سنة 2005، وقامت انتفاضة تشبه اطلاق الرصاص في الجنازات لطوائف المسيحيين والسُنة اللبنانيين عقب الاغتيال وخرجت إلى الشوارع للإطاحة بسورية، بدلا من المطالبة بالإطاحة بوكلاء أركان الدولة الإيرانية التي تحكم لبنان!
لكن "حزب الله" استوعب هذه "الإنتفاضة" وعمل "اتفاق تبادل مصالح" عوضاً عن "اتفاق الطائف"مع الإقطاعيات السياسية الهزيلة سارقة أموال الدولة وأصولها، ولاحقاً أموال المودعين المغتربين والمقيمين اللبنانيين في بنوك البلاد بدءاً من سنة 2019.
مصالح الإقطاعيات السياسية وانعدام القوة المارونية والسُنية السياسية وتذبذب الدروز، أدوا إلى تعاظم قوة دولة حزب الله، التي ظهرت بهيئة"لاعب أساسي" خارج لبنان أيضا؛ في الحرب الأهلية السورية، وفي العراق، وفي اليمن، كما مهدوا بخطوات جبارة على الأرض لجعل لبنان جزءاً من الدولة الإسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان الولي الفقيه.
وضع الحزب أنقاض الدولة اللبنانية الفاشلة والجيش المشلول الرمزي جانباً، وجعل نفسه السلطة والقوة العسكرية والمفاوض والمتحدث في قضية الحرب أو السلام بين لبنان وإسرائيل، بل حتى في بعض الوزارات والاتفاقات الإقليمية على آبار الغاز البحري، تحت شعار مخادع هو "محور المقاومة"، وورط لبنان في صراعات سُنية/عربية لم يخضها من قبل.
القوة والإرادة
أضاف تدفق اللاجئين السوريين الفارين من الحرب الأهلية السورية بدءاً من سنة 2011، أزمة أخرى على لبنان، خصوصاً في سنة 2015 مع اشتداد الحرب الأهلية في سورية، وبوصول اللاجئين إلى حوالي مليوني لاجئ سوري في البلد الذي يبلغ عدد سكانه خمسة ملايين، وبسبب عدم وجود سياسات مالية واختفاء الدعم السعودي، فقدت الليرة 99 في المائة من قيمتها، وأدى انهيار النظام الصحي والكهرباء المتقطعة وندرة مياه الشرب إلى وجود 80% من اللبنانيين يعيشون عند مستوى الفقر أو دونه، و50% يواجهون نقص الأمن الغذائي.
تناقش القوى المسيحية سبل علاج نكبة لبنان، بما فيها خيار نظام الفيدرالية، ونسبة تبنيه ضئيلة لأنه يعتمد على تقاسم السلطة، وهو ما لا يؤيده "حزب الله" الطامح إلى السيطرة على لبنان عقائديا، ولا تستطيع الطائفة السُنية تبنيه لعدم وجود ممثل قوي لها، والمجتمع المسيحي منقسم على نفسه، والطائفة الدرزية تعمل من موقع البقاء الإقطاعي السياسي وستخضع للرابح النهائي، الذي كما يبدو هو من يملك المدفع والطائرة المسيرة والصاروخ والمقاتل العقائدي والإرادة والنية.
إزالة الإقطاع السياسي واحتكار نظام المحسوبية له، أمر شبه مستحيل في لبنان، لأنهم يملكون كل شيء. خلق هوية وطنية واحدة تقوم على الديموقراطية الكاملة والشفافية، أمر غير وارد أيضا، لوجود حزب عقائدي هو الأقوى والمسيطر وهذه الأمور تعتبر غربية لم ترد في القرآن ولا يؤمن صاحب الزمان بها. يأس اللبناني خصوصاً الماروني والمسيحي من المشهد يجعل الهجرة حله الفردي الوحيد الممكن.
غموض المستقبل
الاتفاق السعودي/الإيراني وإن كان مرحلياً، والتقارب المتزايد بين روسيا وإيران بسبب الحرب في أوكرانيا، شجع "حزب الله" على التمادي والوقوف أمام انتخاب رئيس لا ترضى عنه إيران، بل أن الحزب استفاد من التحالف الاستراتيجي بين إيران وروسيا، وقد يطلب مباشرة أسلحة أكثر تطوراً من روسيا، ما سيؤثر على أمن إسرائيل، وبالتالي أمن لبنان، لأنه يدفع دائما ثمن معارك "حزب الله" مع إسرائيل.
لا إرادة ولا نية ولا حتى قوة عند أي طرف من الاطراف لعودة لبنان دولة ذات سيادة وهوية تعتمد على بنيتها التحتية عوضا عن بنية إيران داخلها، وتعتمد على سياسييها في المفاوضات، عوضاً عن ممثلي إيران فيه، وترسم سياسات جيشها، عوضاً عن سياسات "المقاومة الأسلامية" في رؤية إسرائيل.
هل سيفقد لبنان كيانه وهويته؟
المرجح نعم، لأن ما هو موجود على الأرض ومرشح للتعاظم لا يبشر بأي أمل. الجيل الجديد من السياسيين خرج بإذن وموافقة الإقطاعية السياسية في لبنان، أو بالوراثة عن عائلته السياسية، والوجوه البلهاء التي تذهب للبرلمان الكرتوني لإنتخاب رئيس لن يُنتخب سوى بعد مباركة صاحب الزمان، أفضل دليل مادي على صحة وقوع لبنان تحت رحمة بندقية الولي الفقيه، وبتجاهل دولي وعربي لأن لبنان مع الأسف لم يعد له أي قيمة. حتى قيمة "بلد خدمات" أخذتها الإمارات منه.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت