صبيحة الثورة في عيون الفتية: 14 تموز 1958

مظهر محمد صالح
2023 / 7 / 15

جندت مدرستنا المسماة وقتها مدرسة فيصل الثاني الابتدائية ، امكاناتها الرياضية والكشفية لاستقبال عودة الملك بصحبته الوصي عبد الاله من مدينة الرمادي الى العاصمة بغداد مروراً بمدينة الفلوجةً ،بعد افتتاحهما مشروع الورار الاروائي ، و كان نصيبي وقت ذاك الانضمام مع الصغار من ( طلبة الكشافة) في استقبال الملك عند بوابة الجسر الحديدي وهو الجسر الوحيد الممتد على نهر الفرات عند مدينة الفلوجة.
مضت الدقائق ونحن نراقب ونتطلع قدوم الملك في عصر يوم ربيعي من العام 1958 لتطل علينا سيارة الملك فيصل الثاني (الكاديلاك ذان اللون النيلي )واخذت تتقدم في عبور الجسر الحديدي ذو الممر الواحد، وهنا نظرت بعجالة الى شخص الملك وانا اصطف مع جموع الكشافة من جهة اليمين عند مقدمة الجسر وتطلعت اليه بنفسي و كان يرتدي البدلة العسكرية ويعتمر السدارة بالون الخاكي واضعا نظارته الشمسية على عينيه ،وكذلك الوصي بالقيافة العسكرية نفسها، واخذ الملك الشاب يبعث بابتسامات هادئة حقا ونحن نحييه بحرارة .
هنا قطعت الحافلة الملكية بوابة الجسر واذا بجموع الجماهير من الرجال التي حيت الملك قد انقضت وهي منبهرة بالموكب الملكي وربما فقدت شعورها من الفرح لتتولى بنفسها محاولة رفع سيارة عاهل العراق من الارض وكانما كانت تريد وضعها على الاكتاف وبحماس جنوني غامر لم اعرف طبيعته ودوافعه العاطفية الفائقة حتى اللحظة ؟؟؟ انقضت اشهر قليلة ونحن في منتصف فصل الصيف وجاء فجر
14 تموز 1958 غاضبا يعلمنا باحداث الثورة على الملكية ذاتها .يوم كان نومنا في السطوح صيفاً ، وعبر تلك اللحظات الصباحية المزدحمة حصل صياح وضجيج بمقتل الملك والجميع اخذ يتحدث عن ثورة ضد الملكية وخطاب العقيد عارف من جهاز الراديو كان وسيلة الاتصال الوحيدة المباشرة التي تحث الناس لدعم الثورة في بيانها الاول.
امران لا فتان لا يمكن لي نسيانهما في صباح ذلك اليوم ولابد من المرور عليهما ، الاول : ان بعض الجموع من اولئك الرجال ممن حاولوا رفع سيارة الملك على الاكتاف جراء الفرح الغامر في استقباله في ربيع 1958 ، صارت تتجمع وهي تهتف بسقوط الملكية في صيف 1958 .
عرفت حينها معنى الانتهازية السياسية في حياتي للمرة الاولى وكيف تبدل الناس لونها وجلدها في اللحظة المناسبة .
والثاني: هو اصطفاف ارتال طويلة من السيارات والمدرعات العسكرية امام دارنا على الشارع العام عند الصباح الباكر ، انها كما قيل لواء جيش من الفرقة الثانية الذي كان ذاهباً( في مناورات عسكرية )الى منطقة الحدود الغربية -العراقية السورية (لدوافع سياسية ومقتضيات حلف بغداد )فان تلك القوة العسكرية لم تعلم (بساعة الصفر) وانطلاق ثورة 14 تموز حين مرورها ببغداد قادمة من معسكراتها في ديالى ( والتي خرج منها الفوج الذي قاد الثورة سراً بقيادة الزعيم الوطني الراحل عبد الكريم قاسم ) وهي القوة التي وصلت مشارف الفلوجة ولم تعلم بحقيقة الانقلاب وقيام الثورة على الملكية وباتت في حالة من الذهول وهي متوقفة في ارتالها الطويلة يغمرها خليط بلون مجهول امتزج بالخوف والفرح والحزن في آن واحد ، وكان الامر يجسد تكتيك تغطية قد جرى بمنتهى السرية والدقة وهو من تكتيكات نجاح الثورة .اذ ظلت القوات بارتالها متوقفة ونحن الصبية نطالع وجوه الضباط والجنود وهم باتصال مستمر بانتظار امر ما قبل ان يعيد اللواء ادراجه مساءً باتجاه ثكناته شمال شرق العاصمة ذلك في ليل عاصف بالثورة بعد غليان قضى صباحه بالاحداث المدوية !!!انها ايام لاتنسى من تاريخ افول الملكية في العراق السياسي.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت